أخبار مصر

استفتاء كردستان هل يشعل حربا جديدة ؟

ربما لم يشهد العالم الحديث مشكلة شعب أكبر تعقيدا من مشكلة الشعوب الكردية سوى مشكلة شعب فلسطين. لكن مشكلة الأكراد لا تتشابك مع دولة واحدة بل بأربع دول قائم بالفعل ودولة يحلم الشعب الكردي بتأسيسها على أرض تتداخل بين العراق وإيران وتركيا وسوريا .

دولة كردستان التي يحلم بها الأكراد منذ نحو مائة عام تمثل مشكلة أو فلنقل قنبلة مؤقوتة قد تنفجر في الدول الأربع وتشعل صراعا دوليا في واحدة من أكبر مناطق احتياطي وإنتاج البترول في العالم .

وتتجه المشكلة للاشتعال مع إقدام أكراد العراق على التحرك نحو الاستقلال عن السلطة المركزية في بغداد ، وتراقب كل من أنقرة وطهران الوضع في وجل وخوف وتحفز للانقضاض على كردستان العراق لمنع استقلالها ، حتى لو قبلت به بغداد، خشية تكرار هذا النموذج في بلادهم.

استفتاء استقلال كردستان

من المقرر إجراء استفتاء غير ملزم بشأن استقلال “كردستان العراق” في 25 سبتمبر 2017. كان من المقرر أصلا أن يُعقد في عام 2014 في خضم الجدل والنزاع بين حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحاديةللعراق، واكتسبت النداءات الطويلة الأجل للاستقلال الكرديزخما في أعقاب هجوم شمالي العراق الذي شنه تنظيم داعش الذي تخلت خلاله القوات الخاضعة لسيطرة بغداد عن بعض المناطق، ثم استولت عليها البيشمرجة ويسيطر عليها بحكم الواقع الأكراد.

تم الإعلان عن الاستفتاء وتأخر في عدة مناسبات مع مشاركة القوات الكردية في العمل مع الحكومة المركزية العراقية من أجل تحرير الموصل، و لكن بحلول أبريل 2017، كان ينظر إليه على أنه سيحدث في وقت ما في عام 2017.

في 7 يونيو 2017، عقد الرئيس مسعود بارزاني اجتماعاً مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني الكردستاني، والاتحاد الإسلامي الكردستاني، والحركة الإسلامية الكردستانية، والحزب الشيوعي الكردستاني، وحزب كادحي كردستان، وحزب العاملين والكادحين في كردستان، وحزب الإصلاح التقدمي في كردستان، وقائمة أربيل التركمانية، والجبهة التركمانية العراقية، وحزب التنمية التركماني، وقائمة الأرمن في برلمان كردستان، والحركة الديمقراطية الآشورية، والمجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري، حيث تم إقرار عقد استفتاء الاستقلال في 25 سبتمبر 2017.

أعلنت الحكومة العراقية انتصارها على داعش في الموصل في 10 يوليو 2017.

خلفية القضية

بعدما قامت الحكومة المركزية في بغداد بايقاف التمويل لاقليم كردستان في يناير 2017، قامت حكومة إقليم كردستان بمحاولة تصدير النفط من خلال خط الأنابيب الشمالي عبر تركيا في شهر مايو\آيار لكن الحكومة العراقية ضغطت على الحكومات الدولية لمنع تصدير و بيع هذا النفط.

بعد قيام المرتبطين بـتنظيم (داعش)بالأستيلاء على الكثير من المناطق الغربية و الشمالية من العراق في أغسطس 2014 ، قامت القوات المسلحة العراقية بترك تلك المناطق التي كانوا موجودين بها اصلاً وتخلوا عن مراكزهم بعدها تدخلت قوات الـبيشمرجة وسيطرت على مدينة كركوك،[9] وبعض المناطق الشمالية التي حولها و التي أرادت حكومة إقليم كردستان العراق ضمها لهم لكنها كانت خارج إقليمهم رسمياً.

وتلقت حكومة نوري المالكي اللوم الأكبر بشكل كبير من قبل الكثير بخصوص فشل القوات الامنية و أيضا، عدم رضا السُنَّة العرب عن الحكومة المركزية في بغداد، حتى أتت النداءات الداخلية و الخارجية لأيجاد رئيس وزراء جديد.

وفي الأول من يوليو، أعلن رئيس إقليم كردستان العراقى مسعود برزاني نيته أقامة أستفتاء لأستقلال الأقليم في وقت ما لسنة 2014

وفي سبتمبر 2014، بعدما تم تبديل نوري المالكي وجعل حيدر العبادي رئيس وزراء جديداً للعراق، وافق القادة الأكراد على تأجيل الاستفتاء إلى وقت آخر ليركزوا على قتال تنظيم داعش).

في 3 فبراير 2016، أعلنت شبكة الأعلام الكردية روداو بأن رئيس إقليم كردستان العراقمسعود برزاني أخبر مشرعي حكومة إقليم كردستان العراق بأن أستفتاء الأستقلال سيتم قبل انتخابات الرئاسة الأمريكية 2016 بداية نوفمبر

في 23 مارس ، أعلن بارازاني، خلال مقابله، بأن الاستفتاء سيتم قبل شهر أكتوبر 2016 في وقت ما بعد ذلك، رئيس وزراء إقليم كردستان نيشرفان بارازاني أكد بأن الاستفتاء لن يتم عقده إلا بعد أن يتم تحرير مدينة الموصل

في أغسطس 2016 ذكر رئيس وزراء العراقى حيدر العبادي بأن تقرير المصير هو حقاً بلا منازع.

وتناولت الأخبار خلال ديسمبر، بأن رئيس وزراء إقليم كردستان نيشرفان بارازاني أقترح بأن يتم بالأستعجال عقد استفتاء الاستقلال من خلال التواصل مع بغداد بعدما يتم أنتهاء العمليات العسكرية لتحرير الموصل من تنظيم (داعش في إبريل 2017، خلال التطورات الحاصلة بخصوص عملية تحرير الموصل، أعلنت أحزاب إقليم كردستان (الحزب الديمقراطي الكردستاني و الاتحاد الوطني الكردستاني) عن هدفهم لأقامة وعقد أستفتاء الأستقلال خلال سنة 2017

وفي 7 يونيو 2017، أعلن رئيس إقليم كردستان مسعود برزاني بأن أستفتاء الأستقلال سيتم عقده يوم 25 من سبتمبر 2017. وكذلك صرح مساعد برزاني “هيمين هاورامي” بأن الاستفتاء سيتم عقده في كركوك، مخمور، سنجار و خانقين. وكل المناطق تلك التي ذُكرت هي مناطق متنازع عليها لكنها تحت سيطرة الحكومة المركزية. 

صرح هوشيار زيباري بأن ” التصويت ب “نعم” لأستفتاء الأستقلال لا يعني مباشرةً إعلان رسمي للأستقلال، لكنة سيجعل كلام الشعب الكردي قوياً حول تقرير مصيرهم أمام الحكومة المركزية بعد اللقاءات الساخنة بين نائب رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية “محمد باقري” والرئيس التركي رجب طيب إردوغان في أنقرة يوم 16 أغسطس ، أعلن الطرفان “بقرار قوي مشترك” ضد الاستفتاء.

فأعلنت حكومة إقليم كردستان أن الاستفتاء سينفذ بعد تصويت الحكومات المحلية في المناطق المتنازع عليها وبعد ذلك قامت حكومة سنجار المحلية الموافقة في 30 يوليو في محاولات حكومة إقليم كردستان بضم سنجار في الاستفتاء. بعدها قامت الحكومة المحلية لخانقين في 16 أغسطس بمناقشة قضية الاستفتاء وقررت بأن يتم إقامة الاستفتاء في منطقتهم. أما حكومة بعشيقة المحلية فصوتت بعد يوم من تصويت حكومة سنجار، بأنهم سينضمون إلى الاستفتاء في 29 أغسطس قامت حكومة كركوك المحلية بالتصويت على قضية عقد الاستفتاء في كركوك. حيث من أصل 41 عضو في المجلس، حضر 24 عضواً، صوت 23 عضو على عقد الاستفتاء، بينما رفض عضو واحد. بقية الأعضاء، الذين كانوا من العرب و التركمان، لم يصوتوا.[26]

بدأت الحملة الانتخابية للاستفتاء رسمياً يوم 5 سبتمبر 2017 . صرحت اللجنة العليا للأنتخابات في الأقليم بان الحملة ستستمر 18 يوماً، حيث سيستطيع العراقيون الكرد البدء بالتصويت يوم 23 لشهر أيلول، قبل يومين من التصويت الرئيسي.

التصويت

التصويت سيكون متاحاً باللغات العربية و السريانية و التركمانية، وسيتم تقديم السؤال التالي: “هل تريد أن يصبح إقليم كردستان والمناطق الكردية التي هي خارج حكم الإقليم، كدولة مستقلة؟” (حيث ستصبح تلك العبارة صورة للتصويت).

ردود الفعل الدولية

بعد أن أوضح الإقليم نواياه بشأن إقامة الاستفتاء يوم 25 سبتمبر ، خرجت الكثير من ردود الفعل الدولية، من أهمها رد رئيس الوزراء العراقيحيدر العبادي، حيث قال بإن بلاده مستعدة للتدخل عسكريا إذا أسفر الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان العراق عن حدوث أعمال عنف. وأوضح العبادي في مقابلة مع وكالة أسوشيتد برس السبت 16 سبتمبر ، أنة في حال تعرض العراقيين “إلى تهديد عبر استخدام القوة خارج إطار القانون فسنتدخل عسكريا.

أما الولايات المتحدة فقد أعربت يوم الجمعة 15 أيلول عن عدم تأييدها لاعتزام حكومة إقليم كردستان العراق إجراء الاستفتاء، وفق بيان صادر عن البيت الأبيض. ولفت البيان إلى أن واشنطن أكدتمرات عدة لززعماء إقليم كردستان أن الاستفتاء يشتت الانتباه عن الجهود لهزيمة داعش، واستقرار المناطق المحررة. ودعت حكومة إقليم كردستان إلى إلغاء الاستفتاء، والبدء في حوار جدي ومتواصل مع بغداد

كذلك قال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم 16 سبتمبر ، إن استفتاء تقرير المصير في إقليم كردستان العراق يمثل “قضية أمن قومي، وإن بلاده “ستتخذ أي خطوات ضرورية بشأنه.

وفي يوم 19 سبتمبر دعا حزب الشعب الجمهوري التركي عبر نائب رئيسه أوزتورك يلماز، دعا الحكومة التركية إلى التعامل بصلابة مع رغبة حكومة كردستان الانفصال عن العراق، وقال بضرورة إمهال مسعود بارزاني 24 ساعة للتخلي عن الاستفتاء، فيما اصطفت بعض أرتال الدبابات التركية على الحدود مع العراق تحسبًا لأي طارئ.

وقال يلماز أيضًا أن استفتاء انفصال كردستان عن العراق، سيزعزع المنطقة بشكل خطير، وقد يؤدي إلى نشوب حرب أهلية، وأنة يتعارض مع القوانين الدولية، والدستور العراقي، وحتى مع قوانين الإقليم الكردي نفسه.

واعتبر أن الوضع بات مسألة بقاء، وأنة يتعين حماية مصالح تركيا وأمنها القومي فأعلنت إسرائيل دعمها العلني والمباشر لإجراء الاستفتاء ولانفصال كردستان عن سائر العراق، إذ قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن «إسرائيل تدعم الجهود المشروعة التي يبذلها الشعب الكردي من أجل الحصول على دولة خاصة به»

واعترض أعضاء مجلس الأمن الدولي على أي محاولة استقلال لكردستان عن العراق معتبرين أن هذه الخطوة من شأنها أن تزعزع الاستقرار في الدولة العراقية، لا سيما وأن حكومة إقليم كردستان أقدمت على هذه الخطوة بشكل منفرد دون الرجوع للحكومة المركزية في بغداد. وأصدر المجلس بيانًا قال فية أن الاستفتاء «مقرر في وقت لا تزال فيه العمليات ضد تنظيم داعش جارية ، والتي تؤدي القوات الكردية فيها دورًا رئيسيًا»، وأن إجراءة يهدد بـ«إعاقة الجهود الرامية لضمان عودة طوعية وآمنة لأكثر من ثلاثة ملايين نازح ولاجئ»، وأن أعضاء المجلس متمسكون بسيادة العراق ووحدتة وسلامة أراضيه، وأن أي مشكلة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان يجب حلها في إطار الدستور العراقي عبر حوار منظّم وحلول توافقية يدعمها المجتمع الدولي

اشتباكات كركوك

بعد إقرار المجلس الإقليمي لكركوك الذي يقوده الأكراد إدراج المدينة ضمن استفتاء استقلال كردستان، تصاعدت حدة التوتر بين أهلها الأكراد والتركمان والعرب، إذ أن المدينة تقع خارج الحدود الرسمية لمنطقة كردستان، وتنازعت عليها الحكومة الكردستانية والحكومة المركزية في بغداد، بعد أن سيطرت قوات البشمرجة الكردية عليها وعلى مناطق أخرى متنازع عليها منذ سنة 2014، خلال مواجهات مع تنظيم داعش.

وفي ليلة وفي الاثنين 18 سبتمبر 2017 وقع اشتباكٌ دامٍ بين حراس مكتب حزب سياسي تركماني وبين أكراد مروا في سيارات أمام مكتب الحزب التركماني، احتفالًا بالاستفتاء، وهم يحملون الأعلام الكردية، وفق ما أشارت إليه المصادر. فقُتل أحد الأكراد وأصيب اثنين بجروح وكذلك أحد الحرس التركمان، وعلى أثر ذلك انتشرت قوات الشرطة في المدينة للحيلولة دون تطور الاشتباك إلى صراع عرقي

من هم الأكراد

الكرد أوالأكراد بالكردية: کورد‏) هم شعوب يعيشون في غرب آسيا شمال الشرق الأوسط بمحاذاة جبال زاجروس وجبال طوروس في المنطقة التي يسميها الأكراد كردستان الكبرى، وهي اليوم عبارة عن أجزاء من شمال شرق العراق وشمال غرب إيران وشمال شرق سوريا وجنوب شرق تركيا. يعتبر الكُرد كعرقٍ جزءًا من العرقيات الإيرانية.

يتواجد الأكراد – بالإضافة إلى هذه المناطق – بأعداد قليلة في جنوب غرب أرمينيا وبعض مناطق أذربيجانولبنان. \
يعتبر الأكراد إحدى أكبر القوميات التي لا تملك دولة مستقلة أو كياناً سياسياً موحداً معترفاً به عالمياً. وهناك الكثير من الجدل حول الشعب الكردي ابتداءً من منشأهم، وامتداداً إلى تاريخهم، وحتى مستقبلهم السياسي. وقد ازداد هذا الجدل التاريخي حدة في السنوات الأخيرة وخاصة بعد التغيرات التي طرأت على واقع الأكراد في العراق عقب حرب الخليج الثانية، وتشكيل الولايات المتحدة لمنطقة حظر الطيران التي أدت إلى نشأة كيان إقليم كردستان في شمال العراق.

ينقسم الأكراد إلى أربعة مجموعات ( الكرمانجي، والكلهود، والكوران، واللور ) وكل مجموعة لها لهجة خاصة بها.
مصطلح الأكراد تاريخيا كان يطلق على جميع البدو الرحل والقبائل البدوية في إيران على اختلاف اعراقهم ولغاتهم بما في ذلك البلوش والفرس واللور. [بحاجة لمصدر][غير محايد]

مناطق الانتشار[54][عدل]
قدرت الإحصاءات (2012) عدد الكرد بـ 27,380,000 نسمة، 56% في تركيا، و%16 في إيران، و%15 في العراق، و6% في سوريا.
والباقون (7%) يتوزعون في أنحاء العالم المختلفة:

بقية الشرق الأوسط
• الكويت: 71,000 كردي سوراني
• لبنان: 19,000 كردي كرمانجي
• البحرين: 6,000 كردي كرمانجي
• الأردن: 4,600 كردي كرمانجي

آسيا
• أفغانستان : 7,000 كردي سوراني
• أرمينيا : 47,000 كردي كرمانجي
• كازاخستان : 4,000 كردي كرمانجي
• روسيا: 20,000 كردي كرمانجي
• جورجيا : 17,000 كردي يزيدي
• قيرغيزستان: 13,000 كردي كرمانجي
• تركمنستان: 0,900 كردي كرمانجي
• أذربيجان : 6,100 كردي كرمانجي
• أوزبكستان : 2,600 كردي كرمانجي

أوروبا

• ألمانيا: 542,000، منهم 537,000 كرمانجي، 5,000 زازا-الفيكا.
• فرنسا: 82,000 كردي كرمانجي
• هولندا: 72,000 كردي كرمانجي
• بلجيكا: 27,000 كردي كرمانجي
• المملكة المتحدة: 25,000 كردي كرمانجي
• النمسا: 24,000 كردي كرمانجي
• إيطاليا: 12,000 كردي كرمانجي
• الدنمارك: 11,000 كردي كرمانجي
• السويد: 11,000 كردي كرمانجي
• سويسرا: 7,700 كردي كرمانجي
• فنلندا: 6,100 كردي كرمانجي
• النرويج: 4,900 كردي كرمانجي
• أوكرانيا: 2,000 كردي كرمانجي

أخرى
• الولايات المتحدة الأمريكية: 58,600، منهم 50,000 كرمانجي، 8,600 سوراني.
• أستراليا: 7,000 كردي كرمانجي
• كندا: 0,900 كردي كرمانجي

القضية الكردية بين حلم الدولة والمعدلات الدولية

يبحث عمار عباس محمود في كتابه “القضيَّة الكرديَّة.. إشكالية بناء الدولة” المسألة الكردية، التي كانت وما زالت كرة تتقاذفها المصالح الإقليمية والدولية، إلا أن تحقيق حلم الدولة الكردية اليوم يبدو أقرب إلى الواقع من أي يوم مضى بسبب التغيّرات الديموغرافية بين العراق وسوريا وتركيا.

لم ينقطع التطلع إلى تأسيس دولة كردية كبرى عن الوعي الجمعي للأكراد في الشرق الأوسط، باعتباره أحد تجليات الهوية المشتركة. ساعدت على هذا الطرح التحولات الإقليمية الراهنة، وتحديدًا في سوريا والعراق، حيث يلعب الأكراد دورًا بارزًا في الحرب ضد إرهاب تنظيم “داعش”.

وفي وقت يحظى فيه حزب الاتحاد الديمقراطي وقواته في سوريا بالرعاية الأميركية، تتبنى روسيا مسودة دستور فيدرالي يؤسس لقيام دولة كردية، الأمر الذي يؤشر إلى توافق روسي أميركي في شأن الورقة الكردية، ما جعل سيناريو الدولة الكردية العابرة للحدود مطروحًا، خصوصًا في ظل سيطرة قوات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي على مناطق شاسعة في شمال سوريا، وتمتع أكراد العراق بحكم ذاتي فدرالي في شمال العراق.

سعى الباحث عمار عباس محمود في كتابه “القضيَّة الكرديَّة.. إشكالية بناء الدولة”، الصادر أخيرًا من دار العربي للنشر، إلى بحث إمكان قيام دولة كردية قومية، تضم الأكراد الذين يتوزعون على أربع دول: تركيا والعراق وإيران وسوريا، وفي كل من هذه الدول تصادفهم مشكلات عدة، كما تواجه حكومات هذه الدول مشاكل متزايدة في التعامل معهم. فكيف يمكن تصور قيام دولة في خضم هذه التناقضات؟.

مشروع قومي كردي

ما يبعث على إمكانية التحرك والسير في خطى طرح مشروع هذه الدولة هو طلب رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني بعقد مؤتمر قومي يضم أكراد العراق وتركيا وإيران وسوريا وأرمينيا للمناقشة والتحضير لمستقبل حق تحقيق المصير، وبحث ما يواجهه الأكراد من تحديات في دولهم.

يمكن أن يكون هذا التحرك بداية لتبلور مشروع قومي يتجاوز حالة الانقسام القائم بين الفصائل الكردية، وما يمكن أن يكون في المستقبل طرح رؤية لتكوين الدولة القومية الكردية، في ظل ما تعانيه المنطقة من حروب وانقسامات وأزمات اقتصادية، إلى جانب الحراك الدولي في المنطقة ومحاولة التغيير باستخدام حقوق الإنسان وحق تقرير المصير.

أثار محمود العديد من الأسئلة المهمة حول واقع وتطور مشكلة الأقليات، التي يعانيها العديد من الدول العربية، وحالة الإقصاء السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وغياب الرؤية العلمية والبرامج السياسية التي يمكن أن تعالج هذه المشكلات، التي تدفع هذه الأقليات إلى الابتعاد عن السلطة المركزية، والسعي إلى تأسيس كيانات قومية تسعى إلى تأكيد خصوصيتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

من التساؤلات التي حاول الإجابة عنها في كتابه: هل يمكن أن يتوصل الأكراد في تركيا والعراق وإيران وسوريا إلى مرحلة طرح مشروع دولة قومية كخيار سياسي وحيد؟، ما هو إدراك القيادات الكردية في الدول الأربع لطبيعة التحديات الداخلية التي ستواجه هذه الدولة في ضوء حالة التباين الواضح بين أوضاع الأكراد في الدول الأربع ومستوى تطورهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والتباين الواضح في مستوى الموارد والطاقات المادية والبشرية؟، ما هو دور التأثيرات الخارجية إلى جانب الظروف التي تولدها التطورات الداخلية عن احتمال قيام الدولة القومية الكردية؟.

الإمارات الكردية

قال إن الجدل لا يزال قائمًا بين الباحثين حول تحديد تعداد الأكراد، ويمكن القول إن هذه المسألة تعد من المسائل الأكثر تعقيدًا وتضاربًا وصعوبة، ويمكن إرجاع هذه الصعوبة إلى التضارب بين الإحصائيات التي تقدمها الدول التي يتواجد فيها الأكراد، وتلك التي تقدمها المصادر الكردية.

كردستان بلاد ذات حدود طبيعية، وهي وطن الشعب الكردي على الرغم من عدم وجود حدود سياسية دولية، وعلى الرغم من تقسيمها بين العراق وتركيا وإيران وسوريا، وتشمل جغرافية كردستان عنصرًا أساسيًا من الهوية القومية الكردية، والحركة القومية الكردية، مصرة على تحويل الحدود الطبيعية لكردستان إلى حدود سياسية لكيان سياسي مستقل أو شبه مستقل، وهي تصر على أن كردستان بلاد الأكراد، وتحدد حدودها بحسب تواجد الشعب الكردي، إضافة إلى الرجوع إلى أقوال بعض المستشرقين، خصوصًا الذين تكون أقوالهم في مصلحة الأكراد، وبذلك تساهم إشكالية تحديد حدود كردستان الجغرافية والطبيعية في تعميق إشكالية الهوية القومية الكردية.

وأضاف محمود: “نشأت إمارات إقطاعية في القرون الماضية، برزت بينها إمارة بابان وسوران وبهدينان وبوتان وهكاري، وكانت هذه الإمارات في تقاتل دائم، فكانت كل إمارة تزيح الإمارة الأخرى وتنهيها، وهذا الأمر أضعف الأكراد وأبعدهم عن الوحدة في تشكيل إمارة أو دولة قوية.

وبعد الحرب العالمية الأولى، حصل الشيخ محمود الحفيد وبمساعدة بريطانيا على بعض الحقوق في السليمانية، فنصب نفسه ملكًا عليها، وتمت إزاحته من قبل بريطانيا، ومع ذلك كانت كردستان تستجيب للتطور الذي شجّع القوى التقدمية السياسية لدى الأكراد.

تطور المشروع الكردي في جمهورية مهاباد في إيران 1946 التي لم تستمر طويلًا، وأخذ التطور السياسي الكردي بالتزايد بعد حصول الأكراد على حقوقهم في الدستور العراقي في عام 1958، ثم قانون الحكم الذاتي في العراق في عام 1974، ثم حلم الفيدرالية في عام 2003 في العراق”.

ورقة ضغط

رأى الباحث أن المعوقات الإقليمية لقيام دولة كردية تتمثل في تحفظ دول الإقليم، خصوصًا إيران وتركيا، حيث ترفض تركيا فكرة الدولة المستقلة، باعتبار أن قضية الأكراد ليست عراقية فحسب، وأن نسبة كبيرة من الأكراد تقيم في تركيا.
شكل أكراد العراق إغراء للقوى الإقليمية لاستخدامهم للتدخل في شؤون العراق، وشكلت القضية الكردية قلقًا مزدوجًا لكل من تركيا وإيران وسوريا، بسبب وجود الأكراد داخل حدود هذه الدول. ولقد استخدمت هذه الدول جميع الوسائل الأمنية والعسكرية والسياسية من أجل القضاء على فكرة الانفصال لدى الأكراد.

أما المعوقات الدولية لقيام الدولة الكردية، فبدأت مع اتفاقية سايكس – بيكو في عام 1916 بتقسيم منطقة الشرق الأوسط (تركة الدولة العثمانية)، ثم هدنة مدروس (1918) وبعدها مؤتمر الصلح في فرساي (1919) ثم مؤتمر سان ريمو (1920) وبعدها اتفاق سيفر (1920) ثم معاهدة الصلح في لوزان (1923) التي ألغت معاهدة سيفر، وحسمت موضوع الكيان الكردي بالفشل.

كما استغلت الولايات المتحدة الأكراد ضد الحكومة العراقية، وكان ذلك جزءًا من عالم سياسة الأمر الواقع النفعية، فالتطورات السياسية التي حدثت في مطلع السبعينيات من القرن العشرين ساهمت في صياغة موقف الولايات المتحدة من المشكلة الكردية وتمثلت في تأميم العراق للنفط، وانسحاب المملكة المتحدة البريطانية من الخليج العربي، واستخدام العرب النفط في حرب 1973 ضد إسرائيل، ومعاهدة الصداقة والتعاون العراقية السوفياتية.

واستفادت الولايات المتحدة من الأكراد كثيرًا في حرب 1991 ضد العراق، وأحسنت استخدامهم ورقة ضغط ضد الحكومة. أما الجانب الروسي فاستفاد من الأكراد، واستخدمهم كورقة ضغط في المنطقة، فقد استخدمهم في إيران (عن طريق دعم جمهورية مهاباد 1946)، واستغل أكراد العراق من أجل الضغط على الحكومة العراقية، واستخدم أكراد تركيا ضد حكومة أنقرة.


منذ سنة 1991 أصبح إقليم كردستان العراق يتمتع بحكم ذاتي فعلي عندما فرضت الولايات المتحدة منطقة جوية محظورة. شجعت هذه الحماية الأميركية كردستان على إعلان استقلالها عن العراق، لتربك النظام الحدودي القائم، لكن الأكراد اختاروا خدمة مصالحهم الاقتصادية داخل تلك الحدود.

فيدرالية ما بعد الغزو

بعد الغزو الأميركي للعراق، أقرّ الدستور العراقي الجديد نظامًا فيدراليًا، وأعطى إقليم كردستان درجة كبيرة من الحكم الذاتي على محافظات دهوك وأربيل والسليمانية.

خطط الأكراد بعد الاحتلال الأميركي لتحقيق طموحاتهم من خلال إحياء الأمل في بناء الدولة الكردية في نطاق الفيدرالية العراقية، لتكون اللبنة الأولى في بناء الدولة الكردية المستقلة مستقبلًا. توافرت الظروف للأكراد لتأسيس دولة عابرة للحدود، انطلاقًا من العراق وسوريا، وتمثلت بالاستقلالية الاقتصادية للأكراد في هذه الأجزاء، عن طريق الاتفاق مع شركات عالمية لاستخراج النفط والغاز وبيعهما.

كما سيطرت قوات البيشمركة الكردية على مدينة كركوك النفطية، وأعلن رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني ضم المناطق المتنازع عليها، وإجراء الاستفتاء لحق تقرير المصير للشعب الكردي، ودعا إلى عقد مؤتمر دولي جامع لجميع الأكراد في العراق وتركيا وإيران وسوريا.

سمحت الظروف الحالية في المنطقة بالاتصال الجغرافي بين الأكراد، فقد سهلت الاتصالات بعد فتح الحدود بسبب سيطرة داعش على أجزاء من العراق وسوريا، فأصبحت الأراضي الكردية متصلة، وهي ليست بعيدة عن جنوب شرق تركيا وشمال غرب إيران.

أما على المستوى العسكري، فأصبح الأكراد يمتلكون قوات شبه نظامية، متمثلة في قوات البيشمركة، وبتسليح يشبه الجيوش النظامية بعد مساعدة الولايات المتحدة لهم. تعاملت دول حلف شمال الأطلسي عامة، والولايات المتحدة خصوصًا، مع قضية تسليح الأكراد سواء في سوريا أو في العراق، على أنهم بديل موقت لنشر قوات برية في إطار الحرب الدولية على داعش.

إشكالية الوعي القومي الكردي

قال محمود إن تجربة إقليم كردستان العراق في بناء إقليم كردي تطرح شكل تطور الوعي الكردي بالأيديولوجية القومية والخروج إلى حيز الممارسة العلمية ضمن الإطار الجغرافي للمكون الكردي،

الأمر الذي يثير إشكالية كبيرة في الوعي القومي الكردي السوري بالوطنية السورية التي تبدو وكأنها أمام امتحان تاريخي ومعرّضة للتدمير والتقسيم، إذا لم تنتج المعارضة السورية صيغة واقعية تقر بحقوق الشعب الكردي والأقليات القومية والدينية والمذهبية، التي تخشى من التداعيات ووصول جماعات متشددة إلى السلطة، حيث المخاوف من سيطرة الإسلاميين على المشهد السياسي في المرحلة المقبلة.

خلص محمود إلى أن سيناريو تحقيق الحلم الكردي بالدولة الكردية يقوم على انهيار الأنظمة الحاكمة وتبدل النظام الدولي في الشرق الأوسط، وهذا ما توقعناه بعد دخول العراق وسوريا ضمن الدول الفاشلة التي تفتقد تحقيق الأمن وإدارة الدولة، لعدم سيطرتها على حدود البلاد وانتشار الفوضى والفساد فيها.

كذلك ستنهار المنظومة الحاكمة في إيران بعد نفاد المصلحة الدولية منها كلاعب إقليمي، واقترابها من نهاية الجيل الثالث من عمر الدولة. ويأتي بعدها الانهيار التركي وتقسيم تركيا بعد انتهاء التزعم الإقليمي وقيادة الشرق الأوسط وفق النظام الإسلامي، ورفع راية الخلافة وتشجيع التطرف في البلاد العربية خصوصًا والبلاد الإسلامية عمومًا. من أنقاض هذا الوضع سوف تولد الدولة الكردية. وستعيش المنطقة حالة من النظم الفيدرالية وفق الثقافة المفروضة من قبل الولايات المتحدة.