أخبار مصر

مرة أخرى .. إصلاح الأمم المتحدة

النوايا الطيبة لا تكفي .. فلابد من عمل جاد للوصول للهدف ..

وحين رأى العالم ضرورة ايجاد كيان موحد تكون له الكلمة العليا للفصل في المنازعات .. لم يكن المقصود عقد جلسات للشجب والادانة والقاء الخطب واصدار قرارات لا يؤخذ بها في اغلب الاحوال..

كانت الفكرة من وراء تأسيس منظمة الامم المتحدة ومن قبلها عصبة الأمم ترتكز على أسس نبيلة، منها التأكيد على كرامة وقيمة الشخص والسعي لتحقيق السلام الدولي.

وبعد اكثر من 70 عاما مرت على انشاء المنظمة لم يعد الكثيرون يروا تأثيرا واضحا في القضايا الهامة والنزاعات المسلحة واعداد النازحين واللاجئين التي تتزايد يوما بعد يوم.. وانتشار الفقر والتلوث البيئي .. كل ذلك يصب في اتجاه التساؤل حول مدى فعالية المنظمات الدولية..

قبل أيام تجددت دعوات إصلاح المنظمة الدولية .. وصاغت الولايات المتحدة إعلانا سياسىيا “وثيقة” من عشر نقاط يدعم جهود الأمين العام للمنظمة أنطونيو جوتيريش لبدء إصلاحات فعالة وجادة.. وأكد ترامب الالتزام بإصلاح الأمم المتحدة.. وان كان يرى ان النفقات التي تتحملها الولايات المتحدة حتى تستمر منظمات الامم المتحدة “ظالمة” ..

نشأة الأمم المتحدة

برزت فكرة انشاء الامم المتحدة عام 1945 لوضع تنظيم جديد للجماعة الدولية حتى لا تقوم حرب عالمية ثالثة بعد ان نكبت الحرب العالمية الثانية العالم بويلاتها التي تمثلت بموت الملايين من البشر وتسببت في خسائر مادية واقتصادية هائلة.

ولذا تمت صياغة نظام للامن الجماعي الدولي يقوم على المصلحة الدولية المشتركة في صيانة الامن والسلم الدوليين من جهة وعلى تضامن جماعة الدول وترابطها لدفع العدوان من جهة اخرى وبذلك تم وضع الاسس اللازمة لقيادة جماعية للنظام الدولي من خلال الامم المتحدة .

وعلى ذلك .. تأسست الأمم المتحدة في تاريخ 24 أكتوبر 1945 بمدينة سان فرانسيسكو في ولاية كاليفورنيا الأميركية، تبعا لمؤتمر دومبارتون أوكس الذي عقد في العاصمة واشنطن.

الا ان التفوق الواقعي للدول الكبرى انتهى إلى تمتع هذه الدول بوضع خاص – في الواقع وفي القانون – يسمح لها بالقيام بدور حاسم فيما يتعلق بالامم المتحدة من امور سواء تعلق الامر بقراراتها وسواء تعلق الامر بوجودها ذاته بما يلائم مصالحها واطماعها وبالرغم من توافر عوامل القوة للدول الكبرى- وهو ما يسمح بالتاثير المباشر وغير المباشر في السياسة الدولية الا انها تحتاج إلى ستار من الشرعية يظلل تصرفاتها، وانطلاقا من هذا تحاول هذه الدول الحصول على ما يؤيدها من قرارات صادرة عن المنظمات الدولية وهذا ما يفسر دعوة هذه الدول إلى اقامة منظمات دولية كما يفسر عمل هذه الدول داخل المنظمات الدولية.

من يمول الأمم المتحدة

تساهم الولايات المتحدة الأميركية بالجزء الأكبر من ميزانية الأمم المتحدة إلى جانب مساهمات قليلة من بعض الدول الأخرى.

وتصل أقل مساهمة في ميزانية المنظمة الأممية حسب معلومات منشورة على موقعها الرسمي إلى 0.001 في المئة من ميزانيتها، أما المساهمة القصوى فتمثل نسبة 22 في المئة.

ووصل مجموع المساهمات الصافية أكثر من ستة مليارات و22 مليون دولار أميركي.

وفيما يلي قائمة بـ10 دول تساهم بالجزء الأكبر من تمويل الأمم المتحدة، حسب معطيات ميزانية المنظمة لعام 2017:

1 – الولايات المتحدة: 611 مليون دولار (22 في المئة)

2 – اليابان: 244 مليون دولار (9.68 في المئة)

3 – الصين:200 مليون دولار (7.92 في المئة)

4 – ألمانيا:161 مليون دولار (6.38 في المئة)

5 – فرنسا: 123 مليون دولار (4.85 في المئة)

6 – بريطانيا:113 مليون دولار (4.46 في المئة)

7 – إيطاليا: 95 مليون دولار (3.74 في المئة)

8 – روسيا: 77 مليون دولار (3.08 في المئة)

9 – كندا: 74 مليون دولار (2.92 في المئة)

10 – إسبانيا: 62 مليون دولار (2.44 في المئة)

إنجازات وإخفاقات

يبدو إن السبب الرئيسي في الشعور بعدم جدوى الأمم المتحدة هو أن الدول الأعضاء غير متعاونة على الإطلاق مع بعضها البعض، فالأمم المتحدة عبارة عن كتلة من الأجزاء وعندما تعمل هذه الأجزاء ضد بعضها البعض فإن النتيجة الحتمية ستكون الجمود والعجز.

فعلى سبيل المثال .. ليس حقيقيا أن الأمم المتحدة لا تفعل شيئا، في الصراع العربي الاسرائيلي، فالأمم المتحدة تأوي أكثر من 180 ألف شخص في مدارسها .. لذا يجب التفريق بين وكالات الأمم المتحدة مثل مكتب تنسيق الشؤون الانسانية في الامم المتحدة ، الذي يقدم مساعدات ويخفف من المعاناة، وبين منظمات الأمم المتحدة مثل مجلس الأمن الذي يعرقل باستمرار هذه الجهود جراء الانقسامات الدبلوماسية، حيث تعبر القضية الفلسطينية بشكل صارخ عن تضارب المصالح الدولية منذ نشوء إسرائيل وعدم تنفيذ قرارات الأمم المتحدة بشأن حل تلك القضية بشكل عادل وبما يضمن حقوق اللاجئين الفلسطينيين.

ويظهر جليا في هذه الأثناء فشل الأمم المتحدة حتى الآن في تسوية الأزمات في سوريا وليبيا واليمن .

وكان الأمين العام السابق للأمم المتحدة، كوفي أنان، قدم في مذكراته الموسومة بعنوان “تدخلات”، سردا “فاضحا” لبعض أخطاء الأمم المتحدة خلال عمله الذي استمر لعقود مع المنظمة خاصة في مجال مهمات حفظ السلام في التسعينيات في الصومال ورواندا والبوسنة، التي وصفها أنان جميعها بـ”حالات الفشل الكبرى”.

وعلى الجانب الآخر .. تمكنت المنظمة الدولية من الحفاظ على السلم والأمن الدوليين بنشرها لـ42 من قوات حفظ السلام وبعثات المراقبة على مر تاريخها، وتتواجد حاليا 16 قوة تقوم بعمليات حفظ السلام في دول عديدة

ومنذ عام 1945، نجحت الأمم المتحدة، عن طريق التفاوض، في تسوية نزاعات إقليمية، منها وضع حد للحرب بين إيران والعراق، وانسحاب القوات السوفيتية من أفغانستان، وإنهاء الحرب الأهلية في السلفادور، إذ استعملت الأمم المتحدة الدبلوماسية الهادئة لتفادي حروب كانت على وشك الاندلاع.

ومن أهم ما قامت به أيضا، تعزيز الديمقراطية بانتخابات حرة ونزيهة في 45 بلدا، ونشر ثقافة حقوق الإنسان، ومنع الانتشار النووي، وتعزيز تقرير المصير والاستقلال، وتعزيز القانون الدولي، وإصدار أحكام قضائية في الخلافات الدولية الرئيسية، وإنهاء الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وتقديم المساعدة الإنسانية إلى ضحايا المنازعات، وتقديم المعونة إلى اللاجئين الفلسطينيين منذ عام 1950، عن طريق وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأنروا)

دعوات الاصلاح

تطالب العديد من الدول بضرورة حدوث إصلاحات جذرية لهيئة الأمم المتحدة وجميع مؤسساتها، بحيث يكون لقراراتها المصداقية بعيدا عن هيمنة بعض الدول على أمل أن يكون لهذه المنظمة الدولية أدورا أكبر في انهاء ويلات الحروب والمجاعات والسير باتجاه عالم أفضل.

خارطة طريق غالي وعنان للاصلاح

كان مشروع الامين العام السابق للامم المتحدة بطرس غالي لاصلاح الامم المتحدة ابرز المشاريع المقدمة التي قامت بدفنها الولايات المتحدة

طرح الامين العام السابق د. بطرس غالي في تقريره (خطة السلام) مقترحات لتفعيل المنظمة الدولية بناءا على تكليف من مجلس الامن في اجتماعه الذي عقد على مستوى القمة ولاول مرة في تاريخ المنظمة الدولية يوم 31 يناير 1992، غير ان التطوير الذي طلب من د. غالي ان يقدم تقريرا بشانه كان قاصراً فقط في نطاقه على القضايا المتعلقة بمهمات الدبلوماسية الوقائية وصنع السلام وحفظه وكان مشروطا ان يكون في اطار الميثاق واحكامه ومع ذلك استطاع د. غالي ان يطرح في تقريره رؤية متكاملة لتنشيط دور الامم المتحدة في المسائل المتعلقة بالسلم وامن الدوليين .

وقد انطوت هذه الرؤية على التمييز بين اربعة مفاهيم متكاملة هي:-
1- مفهوم الدبلوماسية الوقائية :- وهي العمل الرامي إلى منع نشوب منازعات بين الاطراف، ومنع تصاعد المنازعات القائمة وتحولها إلى صراعات، ووقف انتشار هذه الثراعات عند وقوعها.

2- مفهوم صنع السلام :- وهو العمل الرامي إلى التوفيق بين الاطراف المتعادية، ولا سيما عن طريق الوسائل مثل تلك التي ينص عليها الفصل السادس من ميثاق الامم المتحدة.

3- مفهوم حفظ السلام :- وهو نشر قوات تابعة للامم المتحدة في المبيدان بموافقة جميع الاطراف المعنية ويشمل اشتراك افراد عسكريين و/أو افراد من الشرطة تابعين للامم المتحدة وكثيرا ما ينطوي ذلك على اشتراك موطفين مدنيين ايضا وحفظ السلام هو سبيل صنع السلام كما هو وسيلة لتوسيع امكانيات منع نشوب المنازعات.

4- مفهوم بناء السلام بعد انتهاء الصراع :- وهو العمل على تحديد ودعم الهياكل التي من شانها تعزيز وتدعيم السلم لتجنب العودة إلى حالة النزاع. واذا كانت الدبلوماسية الوقائية ترمي إلى حل المنازعات قبل نشوب العنف، فان صنع السلام وحفظ السلام ضروريان لوقف الصراع بعد تحقيقه وهما يعزران – في حالة نجاحهما – فرصة بناء السلم بعد انتهاء الصراع. وهذا ما قد يحول دون نشوب العنف بين الامم والشعوب.

والحقيقة ان رؤى القوى العالمية والاقليمية المختلفة حول موضوع اعادة هيكلة الامم المتحدة هي رؤى شديدة التباين ان لم تكن متعارضة ومتضاربة ولذا فان دور الامين العام كان ينبغي ان يكون حاسما للوصول إلى تصور يرضي جميع الاطراف ولا يصب في مصلحة طرف على حساب الاخر.

كما تقدم كوفي عنان بمشروع مماثل لاصلاح الامم المتحدة وكان قد اعلنه امام الدورة الاستثنائية للجمعية العامة في 16 تموز 1997 حيث انه قد ركز في مشروعه على اعادة هيكلة وترشيد سكرتارية الامم المتحدة في استجابة واضحة للمطالب الامريكية وتجاهل مطالب الدول النامية سواء من ناحية تفعيل دور الامم المتحدة في دفع عملية التنمية الاقتصادية فيها أو من ناحية اصلاح مجلس الامن بحيث تمثل فيه تمثيلا عادلا ومتوازنا وهو الامر الذي نظر اليه بعضهم على ان هدفه الحقيقي هو ابطال أي مفعول للمنظمة الدولية وانهاء وجودها في ظل النظام الدولي الجديد الذي يقوم على احادية القطبية واحتلال الولايات المتحدة لمركز الدولة المهيمنة على العالم.

جهود مستمرة

ونتذكر عام 2005 تواكبا مع الذكري 60 لانشاء المنظمة استقبلت الامم المتحدة حوالى 170 من قادة العالم في اكبر قمة في تاريخها . . وبمناسبة هذه الذكرى طفا على السطح مرة اخرى ذلك الفصل الحزين من الجدل العقيم حول اصلاح الامم المتحدة.

وكان قد خلص تحقيق مستمر منذ عام الى ان الامم المتحدة تحتاج على وجه السرعة إلى قيادة قوية واصلاحات واسعة النطاق لمنع “السلوك غير المشروع وغير الاخلاقي والفاسد” الذي تكشف في برنامج النفط مقابل الغذاء الذي بلغت قيمته 64 مليار دولار.

وخلص التحقيق الذي نشر على شكل تقرير الى ان قدرة الامم المتحدة “تواجه مخاطر في الرد بسرعة وبفاعلية على المسؤوليات التي تلقيها عليها حقائق عالم مضطرب غالبا ما يسوده العنف.”

واضاف التقرير “إنها بدقة هي هذه الصفات التي غابت عن ادارة برنامج النفط مقابل الغذاء.” واضافت الوثيقة ان “خلاصة عمل اللجنة تفيد ان الامم المتحدة تحتاج الى اصلاح واسع وعاجل”.

وشددت على “ضرورة وجود إدارة تنفيذية اقوى واجراء اصلاح اداري عميق وعمليات مراقبة واستماع تكون جديرة بالثقة”.

وفي تقرير “توحيد الأداء” الذي تم إطلاقه في العام ٢٠٠٦، قدّم الفريق رفيع المستوى مجموعة من التوصيات حول تحسين العمليات وتطويرها تمحورت حول مبادئ “التوحيد” الأربعة.

برنامج واحد: يهدف إلى توحيد جهود جميع أعضاء الفريق القطري تحت إطار استراتيجية وطنية واحدة تستفيد من كافة الخبرات التي تتمتع بها الأمم المتحدة.

قائد واحد وفريق عمل واحد: يتوقع من المنسق المقيم أن يوفر قيادة استراتيجية في جميع مراحل العملية البرامجية، وذلك من خلال دمج القدرات التحليلية ذات الصلة على الصعيدين المحلي والدولي، وتطوير أوجه التآزر بين مختلف “أصول” الأمم المتحدة والروابط بين منظمات الأمم المتحدة فيما يتعلق بتفويض كل منها وبالشركاء الآخرين.

إطار ميزانية موحد: يهدف إلى عرض نتائج التكاليف في إطار مالي موحد يوضح المساهمة المخططة لكل منظمة إلى جانب مصدر التمويل الخاص بها.

مكتب واحد: يهدف هذا المكتب إلى تنسيق وتبسيط سياسات وإجراءات العمل الخاصة بالفريق، وتمكينه من خفض النفقات العامة والانتقال إلى “منزل” الأمم المتحدة المشترك.

استنادًا إلى تفويض الحكومية الدولية للاستعراض الشامل للسياسات الذي يتم تنفيذه كل أربع سنوات (قرار الجمعية العامة رقم ٦٧/٢٢٦) وبرنامج العمل الخماسي والتقارير الواردة من الأمين العام للأمم المتحدة، بالإضافة إلى تقييم الدروس المستفادة من “توحيد الأداء”، يعمل مجموعة الأمم المتحدة الإنمائي على ضمان ان الجيل الثاني من “توحيد الأداء” يركز على النتائج وتعزيز المساءلة والرصد والتقييم وتحسين النتائج. ويطلب الاستعراض الشامل للسياسات الذي يتم تنفيذه كل أربع سنوات من منظومة الأمم المتحدة الإنمائية تزويد الدول التي تختار اعتماد برنامج “توحيد الأداء” حزمة متكاملة من الدعم تضم إجراءات التشغيل الموحدة.

وتساهم إجراءات التشغيل الموحدة بشكل إجمالي إلى تحقيق تحولين هامين: أولًا، تحويل تركيز منظومة الأمم المتحدة في إجراءات التشغيل القياسية من التخطيط الموحد إلى الأداء الموحد، مع التركيز بشكل واضح على تبسيط وترشيد العمليات والأدوات. وثانيًا، تهدف إجراءات التشغيل الموحدة إلى تسريع وتيرة الإصلاح في مجال الممارسات التجارية لدعم تطبيق أجندة ذات نتائج واضحة ومركزة. كما تسعى إجراءات التشغيل الموحدة إلى إيجاد التوازن بين المرونة والتوحيد القياسي من أجل تعزيز قابليتها للتطبيق وتعظيم الفائدة التي من الممكن أن تحققها ضمن مجموعة واسعة من السياقات القطرية، مثل الدول ذات الدخل المنخفض أو الأقل نموًا والدول ذات الدخل المتوسط، التي تواجه تحديات تنموية محددة وتتمتع بإعدادات معيارية وقدرات مؤسسية معينة ووجود الأمم المتحدة.

إصلاح مجلس الأمن

وكان الموضوع الأهم والأبرز الذي شغل حيزاً كبيراً من الجدل هو بحث المسائل المتعلقة بإصلاح مجلس الأمن الدولي خاصة بعد فشله في الحيلولة دون قيام الحروب والمحافظة على الأمن والسلام العالميين..

وكان المثال الأبرز لفشل المجلس في العقدين الماضيين هو “غزو العراق” عام 2003 من دون إذن مسبق من مجلس الأمن في مخالفة صريحة لقواعد القانون الدولي وتحد سافر للأمم المتحدة والمجتمع الدولي، ما جعل موضوع إصلاح مجلس الأمن وإعادة هيكلته، بما في ذلك حق الاعتراض ونظام التصويت فيه يكتسب أهمية أكبر وجعله أكثر إلحاحاً عن ذي قبل.

وفي واقع الأمر لم يشهد تاريخ مجلس الأمن الدولي، خطوات إصلاحية سوى في عدد قليل من المرات، حيث جاءت الخطوة الأولى في الإصلاح عام 1965 بعد تصديق ثلثي أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة بما في ذلك الدول دائمة العضوية على زيادة عضوية الدول غير الدائمة من ستة أعضاء إلى عشرة أعضاء.

ومنذ انتخاب بطرس بطرس غالي أميناً عاماً للأمم المتحدة عام 1992، انطلقت مناقشات موسعة حول إصلاح مجلس الأمن وزيادة عدد أعضائه، وطالبت كل من اليابان وألمانيا بمقاعد دائمة بمجلس الأمن باعتبارهما ثاني وثالث أكبر المساهمين في الأمم المتحدة، كما طلبت البرازيل مقعداً دائماً باعتبارها خامس أكبر بلد من حيث المساحة.

ولقد تكررت مطالبة الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة بإصلاح المنظمة، ومن أمثلة ذلك ما طالبه الليبي عبد السلام تريكي، رئيس الدورة الرابعة والستين للجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة، من ضرورة إصلاح ودمقرطة المنظمة.

وخلال الدورة ال68 للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2013، أكد بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة أن كافة الدول تقريباً متفقة على أن مجلس الأمن يجب إصلاحه، لكن كيفية الإصلاح وأسلوبه فإن الدول الأعضاء غير قادرة على الاتفاق حولها، وفي شهر سبتمبر من عام 2014 دعت الهند إلى إصلاح منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، حيث جاء على لسان رئيس وزرائها نارندرا مودي، أنه يجب على المجتمع الدولي إصلاح الأمم المتحدة بما فيها مجلس الأمن الدولي وجعلها أكثر ديمقراطية.

وانصبت مقترحات اصلاح مجلس الأمن باعتباره الداة الأكثر فاعلية في هيكل الأمم المتحدة كما هو مفترض .. حول تقييد حق الفيتو، باعتباره مساساً بمبدأ الديمقراطية والمساواة في السيادة بين الدول، مما يستدعي تقييد استعماله تدريجياً وحصره في الحالات المنصوص عليها في الفقرة (7) ثم إلغاؤه كلياً.

كما تناولت المقترحات مسألة التوسع العادل لمجلس الأمن الدولي، وهو في الحقيقة عبارة عن مشروع سبق أن تقدمت به مجموعة الأربع التي تضم ألمانيا واليابان والبرازيل والهند في عام 2005 حيث هدف المشروع إلى زيادة أعضاء مجلس الأمن من 15 عضواً إلى 25 عضواً ،

ثالثاً: إيجاد فئة عضوية جديدة، فقد بات من الضروري إيجاد هذه الفئة بحيث تحتل موقعاً وسطاً بين العضوية الدائمة وغير الدائمة، وما يحدث من خلال تبادل المقاعد المخصصة لهذا النوع بين عدد محدود جداً، على سبيل المثال، تحصل قارة إفريقيا على مكانة دائمة في مجلس الأمن من خلال مقعدين أو ثلاثة تتناوب الدول الإفريقية عليها، على أن تنطبق على تلك الدول معايير معينة مثل عدد السكان، الوزن الإقليمي، القدرات العسكرية والاقتصادية.

رابعاً: إيجاد إطار مرجعي قانوني أو سياسي، يمكن الاستناد إليه في تحديد الخطوط الفاصلة بين الشأن الخارجي، والشأن الداخلي وبين ما يعد سلوكاً دولياً حميداً، وما يعد خروجاً عن الشرعية الدولية.

خامساً: إعطاء محكمة العدل الدولية دوراً رقابياً على مشروعية أعمال مجلس الأمن ، فمهما كانت نتيجة إصلاح منظمة الأمم المتحدة عموماً ومجلس الأمن بصفة خاصة، يبقى لمحكمة العدل الدولية بصفتها الجهاز القضائي الأساسي للمنظمة دور محوري ومهم تلعبه في ممارسة الرقابة على مشروعية أعمال المجلس والإسهام في تحقيق مقاصد المنظمة عن طريق القانون، وعلى عكس المحكمة الدائمة للعدل الدولية، فإن محكمة العدل الدولية تعد جهازاً أساسياً من أجهزة المنظمة، وبالتالي هي جزء لا يتجزأ من نظام الحل السلمي للمنازعات الدولية المقرر في الميثاق ذاته.

مبادرة امريكية

ومع تولي الأمين العام الجديد للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش تجددت الاطروحات بشأن الاصلاح وقدم في يوليو الماضي تقريره المعني بإعادة تشكيل نظام الأمم المتحدة الإنمائي..

واقترح جوتيريش 38 فكرة وخطة قال إنها ستقود “حقبة جديدة” لمساعدة الأمم المتحدة على تحقيق أهداف التنمية المستدامة التحويلية بحلول الموعد النهائي لعام 2030.

ووصف جوتيريش خطة عام 2030، التي وافق عليها أكثر من 190 بلدا في مقر الأمم المتحدة في عام 2015، بأكثر التدابير طموحا لمكافحة الفقر، والصديقة لكوكب الأرض، المعتمدة على الإطلاق.

وقال إن إجراء إصلاحات عاجلة على نطاق المنظومة، سيحسن التنسيق والمساءلة والمساعدة في منع الأزمات والأضرار التي يعاني منها كوكب الأرض.

ومن الاقتراحات التي قدمها، إصلاحات في هيكل السلام والأمن الأممي، وإصلاح إداري، وإعادة النظر في التنمية على أساس كل بلد على حدة للمساعدة على تحقيق أهداف التنمية المستدامة

وكان الرئيس الامريكي دونالد ترامب صاحب اخر هذه الدعوات وأجرأها .. وان كان المحفز الرئيسي له هو النفقات التي تتحملها الولايات المتحدة حتى تستمر منظمات الامم المتحدة والتي رآها ترامب “ظالمة” ..

صاغت الولايات المتحدة إعلانا سياسىيا “وثيقة” من عشر نقاط يدعم جهود الأمين العام للمنظمة أنطونيو جوتيريش لبدء إصلاحات فعالة وجادة.

وتتضمن الوثيقة عشرة بنود من تعهدات وتأكيدات ترمى جميعها إلى دعم مسيرة الاصلاحات التى بدأها جوتيريس والتى تهدف بحسب البند الثانى منها إلى جعل المنظمة الدولية «أكثر فاعلية وكفاءة».

أما البند السادس من هذه الوثيقة التى تشاركتها الولايات المتحدة مع نحو 15 دولة من القارات الخمس مثل بريطانيا وكندا والصين والأردن والسنغال ــ ولكن ليس فرنسا ــ فينص على وجوب الحد من الازدواجية والتكرار فى مختلف هيئات الأمم المتحدة، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية.

وتنص الوثيقة فى بندها التاسع على وجوب أن يجرى الأمين العام للأمم المتحدة إلى «تغييرات ملموسة» فى منظومة العمل الأممية لتحسين أدائها فى ميادين العمل الإنسانى والإنمائى والسلام.

وقال دبلوماسيون إن الوثيقة غير ملزِمة، لكنها تعكس دعما سياسيا للتغييرات داخل الأمم المتحدة، لافتين إلى أنه من المقرر أن يتحدث ترامب وجوتيريش، وسفيرة أمريكا لدى الأمم المتحدة نيكى هيلى فى اجتماع الثامن عشر من سبتمبر.

ووقعت 128 دولة حتى الآن على مقترحات إصلاح الأمم المتحدة التي قدمتها « واشنطن »، في حين رفضت 70 دولة من بين 193 عضوا بالأمم المتحدة التوقيع..

وفي كلمته خلال الاجتماع رفيع المستوى حول إصلاح إدارة الأمم المتحدة الذي استضافته الولايات المتحدة الاثنين 18 سبتمبر قال الأمين العام أنطونيو جوتيريش إن بعض القواعد التي تقيد عمل المنظومة الدولية تفضي إلى عدم فعاليتها، متسائلا ما إذا كان الأمر “مؤامرة” لتقويض الأمم المتحدة.

وأكد أن المنظومة الدولية تجري عملية إصلاح واسعة بما في ذلك في مجال المساواة بين الجنسين ومكافحة الإرهاب وهيكل السلام والأمن، لضمان أن تصبح الأمم المتحدة أكثر قوة في مجال الوقاية من نشوب الصراعات وأكثر مرونة في مجال الوساطة وأكثر فعالية من حيث التكلفة في مجال عمليات حفظ السلام:

وأوضح أنه من أجل دعم كل هذه الجهود،لابد من إصلاح إداري شامل – لتبسيط الإجراءات وتحقيق اللامركزية في القرارات، وزيادة الشفافية والكفاءة والمساءلة.

وأشار الأمين العام إلى أن الأمم المتحدة منظمة عالمية، يعمل تسعون في المائة من موظفيها في الميدان وانها بحاجة إلى تقريب عملية صنع القرار من الناس الذين تخدمهم؛ وأن تثق بالمديرين وتمكّنهم؛ وأن تصلح إجراءات الميزانية المرهِقة والمكلفة؛ وأن تزيل الهياكل المزدوجة.

وأكد ادركه أن الاختبار الحقيقي للإصلاح لن يقاس بخطابات في نيويورك أو في عواصم العالم، بل بنتائج ملموسة في حياة الناس الذين نخدمهم – وثقة أولئك الذين يدعمون عملنا عبر موارد عملوا بكد ليكسبوها.”

وأكد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، أن “الغاية المشتركة (في عملية إصلاح الأمم المتحدة) هي القيمة مقابل المال – فيما نمضي قدما بقيمنا المشتركة”.

من جهته أكد ترامب الالتزام بإصلاح الأمم المتحدة، حتى تتمكن المنظمة الدولية من خدمة جميع الشعوب بشكل أفضل في مجالات التنمية والإدارة والسلام والأمن

ولكنه قال إن الأمم المتحدة، خلال السنوات الأخيرة، لم تحقق كامل إمكاناتها بسبب البيروقراطية وسوء الإدارة. وأكد ثقته في أن هذا الوضع سيتغير تحت قيادة الأمين العام غوتيريش.

وشدد الرئيس الأميركي على ضرورة ألا تتحمل دولة ما عبئا أكثر من غيرها، سواء من الناحية المالية أو العسكرية، وأن يكون لكل بعثة حفظ سلام أهداف محددة لتقييم أدائها فيما بعد.

أما السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي فقالت إن إعلان دعم إصلاح الأمم المتحدة، الذي أعلنت عنه في الاجتماع، بدأ لإعطاء الزخم لجهود الأمين العام جوتيريش لإضفاء مزيد من الفعالية والشفافية والمساءلة على عمل الأمم المتحدة.

عودة للميثاق

ان موضوع اصلاح الامم المتحدة موضوع معقد بسبب تعدد مؤسساتها وتعقد موضوعة الاصلاح الهيكلي لاجهزتها الا انه قد يكون من السهل ان ننطلق من تفعيل مواد الميثاق المجمدة وبث الحياة فيها بدلا من الجعجعة الفارغة عن اصلاح معقد يحتاج الى تمويل لن تتكفل به الدول الكبرى اطلاقا او التركيز على الموضوعات التي تفيدها فحسب ، لذلك يدعو خبراء للعودة الى تطبيق ميثاق الامم المتحدة لتحقيق الاصلاح المنشود كالتالي ..

أولا .. ان يعمل مجلس الامن وفقا لمقاصد ومبادئ الميثاق التي تشكل حدودا لسلطاته لا وفقا لمقاصد وغايات خاصة، وبما يضمن عدم التعسف في استخدام هذه السلطات، وان يلتزم المجلس بنصوص المواد (43-47) من الميثاق التي ينبغي العمل على احيائها بدلا من تفسير سواها على نحو لا يتفق مع معناها وهو ما وضع في خدمة اغراض خاصة لا تتفق مع اغراضها الاصلية.

ثانيا .. مناهضة سياسة الهيمنة المضادة تماما لروح نظام الامن الجماعي والتي يعبر عنها باللجوء إلى القوة أو التهديد باستعمالها والسيطرة والتدخل الاجنبي والتي تستهدف تقييد حرية الدول في اختيار نظامها السياسي ومتابعة تنميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية دون تخويف أو معارضة أو ضغط، ذلك ان سياسة الهيمنة سواء كانت عالمية أو اقليمية بجميع اشكالها تقود إلى التهديد الخطير للسلم والامن الدوليين، ولابد ان يتم احترام مبادئ ميثاق الامم المتحدة من قبل جميع الدول في علاقاتها الدولية ، واقامة نظام جديد للعلاقات الدولية قائم على المساهمة المتساوية لجميع الدول في حل المشاكل العالمية وضمان استقرار الامن والسلم الدوليين.

ثالثا .. ضرورة بلورة معالم نظام للامن الجماعي لا يكون هدفه هو مجرد تسوية النزاعات السياسية بين الدول اوقمع العدوان وانما المعالجة الشاملة لجذور الازمات الدولية وهي جذور اقتصادية – اجتماعية – ثقافية، في الاساس.

كما يوصى بأن يكون هذا النظام جزء لا يتجزأ من عملية اعادة تنظيم المجتمع الدولي على اساس شامل بحيث يتضمن هذا التنظيم سلطات تشريعية وقضائية مستقلة يتحقق فيما بينها التوازن المطلوب والرقابة المتبادلة

وأخيرا .. فإن اصلاح النظام الدولي لا يحتاج إلى وسائل مبتكرة في معالجة قضايا السلم والامن الدوليين بقدر ما يحتاج إلى رباط مشترك ينتظم مجتمعا مترابطا في ظل سلطة مشتركة ومفهوم واحد للعدل وهو ما يعزز في النهاية من نظام الامم المتحدة .