عزت السعدنى- الأهرام

لأن الحقيقة دائما مؤلمة.. لأنه لا مفر من وقوعها ولا مهرب أمامنا من تقبلها.. كما هي. خيرا كانت أم شرا.. كما تقبلناها نحن الرباعي المغامر الذي اجتمع ذات يوم من أيام الشتاء الدافئة في واحد من أعظم فنادق الدنيا.. إذ لم يكن أعظمها علي الإطلاق لسببين، الأول لأنه يقع علي شاطئ أعظم أنهار الأرض وأخلدها والذي حمل اسم نهر النيل ولأنه شهد أعظم أحداث العالم القديم والحديث وعاش بين أروقته واستنشق عبقه ونزل به أعظم شخصيات الدنيا وملوكها وملكاتها ورؤسائها وعلمائها وكتابها وصناع أحداثها.

ولأنه حتي ساعة كتابة هذه السطور يجلس في شرفته التي تطل علي نهر النيل ومعبد الأقصر العظيم أربعة من صناع الأحداث ورواتها وكتاب تاريخ أعظم أمة خرجت إلي الوجود التي اسمها الأمة المصرية.

أولهم الساحر كما كنا نطلق عليه الذي حمل اسم أنيس منصور وما أدراك ما أنيس منصور صاحب الألف كتاب والألف حكمة والألف رحلة والألف حكاية والألف مقالة والألف صديق.

وثانيهم أو ثانيتهم أجاثا كريستي أشهر مؤلفة روايات بوليسية عرفها الغرب والشرق.. وأشهر ما كتبت عن الجريمة والدم والقتل في بلاط الفراعنة العظام.. كما أسرت في أذنينا أنيس منصور وأنا في بهو الفندق لكي تكتب آخر رواياتها عن ملكة مصر التي دبرت جريمة قتل الملك رمسيس الثالث ثالث أعظم ملوك الأسرة الثامنة عشرة بعد ملك الملوك رمسيس الثاني وأبيه سيتي الأول.. بعنوان: مؤامرة الحريم!

أما ثالثهم فهو حارس حضارة مصر من قبل الإله آمون نفسه.. والأمم المتحدة بوصفه سفيرا حسنا لإنقاذ تراث مصر العظيم.. والذي اسمه د. زاهي حواس رفيق الطريق.

أما رابعهم فأنتم تعرفونه جيدا، إنه الباحث عن المتاعب دائما وأبدا.. كاتب هذه السطور.

 

ولكي نعرف الحقيقة.. ولأن الحقيقة كما قال جان بول سارتر الفيلسوف الفرنسي الشهير هي أغرب شيء وآخر شيء يمكنك توقعه. فقد طلبنا من صديقنا وحامي الحضارة المصرية د.زاهي حواس الذي كلفه الإله آمون رع بنفسه أمام عيني وأمام عيني عمنا أنيس منصور حماية ما بقي من أوراق كتاب التاريخ المصري العظيم الذي يتمثل في كنوز الآثار المصرية التي نملك منها ثلاثة أرباع آثار العالم التي ما زالت نحو 70 في المائة منها تحت التراب ان لم يكن أكثر.. وهو يقلده قلادة حامي حمي الآثار المصرية من قبل الأمم المتحدة..

أقول طلبنا أنا والعزيز أنيس منصور من حامي حمي الحضارة المصرية الأوحد كى يسمح لنا بركوب مركبة الزمن التي يخفيها تحت قدمي أبو الهول العظيم.. لكي نعود بالزمن إلي الوراء.. إلي عصر الملك رمسيس الثالث لكي نعرف حقيقة ما جري.. هل نجحت مؤامرة الملكة تي في قتل الملك.. واعتلاء ابنها عرش مصر بدلا من أبناء الضرائر أقصد الملكات الأخريات من زوجات الملك رمسيس الثالث وما أكثر قصصهن وحكاويهن؟

ولكن صديقنا ورفيق دربنا قابل سؤالنا بابتسامة عريضة وقال لنا صادقا كان أم متهربا من تدخلنا في مسيرة عجلة التاريخ: والله «ما كانش يتعز» وهي جملة تتردد علي ألسنة أخواتنا وخالتنا في الحارات والأزقة عندما يردن الهرب من طلبات أزواجهن الجشعة في اعداد صواني المحمر والمشمر من لذيذ الطعام في آخر ساعات الليل!

أعدنا السؤال كما هو علي مسامعه: لعله لم يسمعنا.. فقال: أصل عربة الزمن عطلانة وقطع غيارها لا توجد إلا عند عمنا الدكتور فاروق الباز في وكالة ناسا الأمريكية.. وحللنى بقي لما نبعت له.. ونبعت المركبة العطلانة.. ونبعت لهم دولارات.. والدولارات دلوقتي بالشيء الفلاني!

وكنا نريد ان نركب مركبة الزمن ونرجع بيها إلي عصر الملك رمسيس الثالث.. يعني قبل 3174 سنة ياخبر أبيض.. حتي نعرف حقيقة ما جري.. هل نجحت مؤامرة الحريم ومات الملك.. أم عاش الملك.. لكي ينتقم؟

 

مازال السؤال معلقا بلا جواب.. هل نجحت مؤامرة الحريم قبل 31 قرنا من الزمان في قتل الملك رمسيس الثالث؟

يعني باختصار شديد: هل نجحت مؤامرة الحريم؟

الجواب: استأذنكم في إعادة ما كتبته في كتابي «كيد النساء» :

هل نجحت المؤامرة؟

وكان الجواب: لقد اختلف المؤرخون هنا… بعضهم قال إنها نجحت في قتل الملك… ولكن المتآمرين سقطوا..

وبعضهم قال إنها لم تنجح وقد نجا الملك وأمر بمحاكمة المتآمرين!

ويقول هنا المؤرخ جيمس هنري بريستيد: إنه بالرغم من أن رمسيس الثالث قد أمر بالمحاكمة، فإنه كان قد جرح جرحا خطيرا ومات قبل أن يقدم المجرمون للمحاكمة.

أما المؤرخ «دي بك» فقد لاحظ أنه بالرغم من أن الملك أعطي الأمر في صيغة الحاضر، فإن النص جميعه ليس إلا قصة لأحداث ماضية نسبت زيفا إلي الملك الراحل، ومعني هذا في رأي «دي بك» أن المؤامرة نجحت في قتل الملك.

ويقول المؤرخ «ستروف»: الواقع أن الملك رمسيس الرابع الذي جلس علي عرش مصر.. قد أمر بتأليف المحكمة، وكان له في ذلك فكرة ماهرة ليجعل كل الموضوع يصدر عن والده المتوفي، وعلي ذلك تكون سلطة الملك المتوفي هي التي أوحت بذلك مساعدة لابنه الذي جلس علي العرش، وبهذه الطريقة أفلت رمسيس الرابع من المقت والكراهية التي قد تنجم عند بداية حكمه بمثل هذه القصة الدامية.

ويميل بعض الأثرين مثل أحمد بدوي إلي ترجيح أن المؤامرة أصابت الملك بجرح خطير، وأنه أحس بدنو أجله فترك وصيته مقدرا أن الفصل في أمر المتآمرين لن يكون إلا بعد وفاته.

أما المؤرخ نجيب ميخائيل فيري أن المؤامرة لم تنجح، وأن الملك عاش حتي تمكن من محاكمة الخونة.

ويري جاردنر نفس الرأي إذ يقول: «ليس هناك دليل قوي لافتراض أن المؤامرة نجحت نجاحا تاما، أو حتي جزئيا، فان مومياء رمسيس الثالث التي وجدت في خبيئة الدير البحري وفحصت بواسطة «ماسبيرو» فوجدت رجلا في الـ65 من عمره ليس به آثار جروح، وليس هناك من سبب لتأريخ المؤامرة في نهاية حكم رمسيس الثالث، فربما حدثت قبل ذلك، فليس هناك ذكر لها في ورقة هاريس الكبري».

أما الأثري العظيم عمنا سليم حسن: فيري في محتويات ورقة تورين ما يوحي بأن الملك رمسيس الثالث مات نتيجة مؤامرة أو أنه كان ينتظر أن يموت في القريب العاجل عندما وقعت الواقعة، ويري أنه من الأمور المعقولة أن يأمر رمسيس الثالث بنفسه بتأليف خطاب المقدمة الطويل لآلهة العالم السفلي في الفترة القصيرة التي بقيت له من عمره، وهي فترة استغلها بكل نشاط لينظم أموره الدنيوية والأخروية.

وفي الحقيقة فإن النص الخاص بالمحاكمة صادر بأمر رمسيس الثالث، وليس في هذا ما يعارض نجاح المؤامرة لقتل الملك… فالمعروف أن سلطان الفراعنة ونشاطهم بعد موتهم من الأمور المعترف بها في مصر القديمة، فقد كان الملك الذي عاش إلها في هذه الدنيا، وأصبح الآن إلها في العالم الآخر، كان له من السلطة ما يجعله يبت في أموره الشخصية، وكان من المستطاع أن ينقل الوحي أوامره، فيتقبلها الجميع علي أنها آتية منه مباشرة، ولم تصدر باسمه.

ويسجل لنا التاريخ هنا موقفا رائعا من هذه المواقف التي تحبها الشعوب من ملوكها وقادتها، وهو أن يتمسكوا بالعدالة وحكم القانون، فنراه يقول لهؤلاء القضاة الذين عينهم للتحقيق في هذه المؤامرة والكشف عن المتآمرين والحكم عليهم:

«أنا آمر القضاة مباشرة أما بخصوص الكلام الذي يدور علي ألسنة الناس، فلا علم لي به، فاذهبوا وافحصوا الأمر، فإذا حققتم وتبينتم المتهمين فأمروهم أن ينتحروا بأيديهم دون إخطاري، ووقعوا العقاب علي كل من يستحق دون استشارتي أيضا، ولكن احترسوا من عقاب البرئ، ها أنذا إذ أكرر لكم أن كل شخص ارتكب أو اشترك في هذه الجناية يجب أن ينال نصيبه من العقاب، أنا أمين ومحروس إلي الأبد، لأنني ضمن الملوك العادلين أمام آمون رع ملك العبودات وأمام أوزوريس حاكم الأزلية».

أما ملاحظة عمنا «جاردنر» من أن مومياء رمسيس الثالث التي وجدت في الدير البحري ليس بها آثار جروح ظاهرة، فلا تنفي قتل الملك ولا تنهض دليلا علي فشل المؤامرة… فالمتآمرون كما رأينا من أقرب المقربين للملك، ولن يعدموا الوسيلة لقتله بغير طريق العنف الظاهر، علي أننا رأينا وسائلهم في المؤامرة واعتمادهم الرئيسي علي السحر، وليس ببعيد أنهم قد لجأوا إلي السم مثلا، وهو وسيلة القتل التي تلجأ إليها النساء غالبا، كما تشهد بذلك حوادث التاريخ القريب والبعيد..

تسأل العجوز الاروبة «أجاثا كريستي»: أريد أن أعرف كيف جرت أقدم محاكمة في التاريخ؟.

قلت: لقد قرأت تفاصيل المحاكمة في كتب الأثري الذي لا يتكرر والذي اسمه سليم حسن.. وكأنه قد حضرها.

انيس منصور يتدخل: بل وكأنه هو كاتب الجلسة في محاكمنا!

العالم الذي لايتكرر، الذي اسمه سليم حسن يتابع تحليلاته: لقد تألفت المحكمة من أربعة عشر موظفا.. اثنان يحملان لقب المشرف علي الخزانة والثاني من حاملي الأعلام للجيش الملكي الفرعوني + سبعة من سقاة فرعون وحاجب ملكي وكاتبان… وكان بين هؤلاء أربعة من الأجانب.

أما إجراءات المحاكمة فهي أن يبين المتهمون كيف شاركوا في الجريمة، وتعلن التهم المنسوبة إليهم؟… وأخيرا تقرر المحكمة مدي صحة الاتهامات وتنطق بالحكم.. وانتهت المحاكمات الثلاث التي أجريت بإدانة اثنين وثلاثين موظفا من مختلف المراتب وجدوا مذنبين، وكان المحكوم باعدامه يترك وحيدا في غرفة المحاكمة لينهي حياته بيده!.

تسأل اجاثا كريستي: أزاي؟.

أنيس منصور يرد: يعني يضرب نفسه بخنجر أو يشرب السم أو يترك حتي يموت جوعا وعطشا!

.. وكما يحدث في كل زمان وكل عصر وكل أوان فقد اشترك مع المتآمرين والمتآمرات رجال من الشرطة ورجال قضاء..

قالت: اجاثا كريستي: ياه!.

اتدخل بقولي: لقد حدث فى أثناء التحقيق أن القائد «بيبس» اتحد هو وبعض النسوة المتهمات، واتفقوا مع ضابطين من ضباط الشرطة علي اصطحابهم إلي اثنين من القضاة وقاموا بعمل مؤامرة معهم، فكان هذا خيانة للثقة لم يسمع بمثلها من قبل «ففقدوا آيات العطف الجميل التي كان يسبغها عليهم الملك» ولكن جريمتهم أطبقت عليهم وصدرت عليهم العقوبة بصم آذانهم وجدع أنوفهم «وقد انتحر أحدهم من اليأس بعد توقيع العقاب».

وهكذا كانت المحاكمة الرابعة، خاصة بأولئك الذين أساءوا استعمال سلطتهم من رجال القضاء والشرطة!.

تسأل اجاثا التي تحررت عقدة لسانها: ولكن ماذا كان مصير الأمير ابن الملك الذي تآمر مع أمه الملكه علي قتل أبيه؟

أنيس منصور: تركوه ينهي حياته بيده.

تعود تسأل: وأمه؟

قال: نفس المصير!

ولسوف تظل مؤامرات الحريم داخل القصور وخلف الجدران وفي البلاط الملكي صفحات سوداء في تاريخ المرأة… إنها قصص دامية تحاك دائما في الخفاء وخلف الأستار، وتحت جنح الليل، فالمتأمرون والمتآمرات مثل الخفافيش لا يعشن إلا في الظلام مع الدسائس والخداع… ولا يقتلهن إلا نور الصباح.

** كان السؤال الصعب أمامنا هو: كيف أصدر الملك رمسيس الثالث أمره بمحاكمة القتلة المتآمرين على قتله.. بعد مقتله؟!