أخبار مصر

عروس النيل .. رمز الوفاء

نهر النيل .. “نعمة الله” .. كما أطلق عليه قدماء المصريين .. فقد أدركوا منذ فجر التاريخ قيمة النهر ونعمة الماء الجاري ..

وكشف احد علماء المصريات عند ترجمة اللغة المصرية القديمة عن ورود كلمة “نعمة الله” في كثير من النصوص الفرعونية .. وكان يرمز لكلمة “نعمة” بالمـاء أو حرف (ن) .. وعلى ذلك كانت القـراءة الظاهريـة لعبارة “نعمة اللـه” المختزلة هي “نيل” وهو الاسم الذي أطلقـه المصريون القدماء على نهـر النيـل لأنـه هـو بالفعل ” نعمة اللـه” لكل المصريين ..

كما أدرك المصريون القدماء أنه سر الحياة في هذه البقعة من الأرض .. حتى قال المؤرخ هيرودوت عن مصر مقولته الخالدة ” مصر هبة النيل”.. بعد ان لمس تأثير النهر في قيام الحياة ونشوء الحضارة في مصر القديمة..

وفي المقابل كان المصري القديم يحرص على تبرئة نفسه من الاضرار بالنهر .. فيقسم بقوله انني لم ألوث ماء النيل ولم أحبسه عن الجريان في موسمه ولم أسد قناة ..

كل هذا الاحتفاء وإضفاء القدسية على شريان الحياة في مصر الماضي والحاضر .. عبر عنه المصريون بالاحتفال بالنيل في يوم أطلق عليه ” وفاء النيل”

احتفال بالفيضان

ارتبط احتفال “وفاء النيل” بموسم الفيضان .. فقد شكل فيضان النيل أهمية كبري في الحياة المصرية القديمة. . ولا زال يحظى باهتمام حتى يومنا هذا

وكان احتفال وفاء النيل يحظى بمشاركة شعبية واسعة من كافة المصريين .. وقد اجتهد بعض المفسرين وقالوا إنه هو يوم الزينة الذي وصف في القرآن.

فيضان النيل أو وفاء النيل، هي دورة طبيعية للنهر ويعني فيضان النيل أي أن النيل يمتلئ بالكم الكافي من المياه كل عام.

والنيل هو أطول أنهار الكرة الأرضية وينساب إلى جهة الشمال،إجمالي طول النهر 6650 كم ويغطي حوض النيل مساحة 3.4 مليون كم²، ويمر مساره بعشر دول إفريقية يطلق عليها دول حوض النيل.

وللنهر رافدين رئيسيَّين هما النيل الأبيض والنيل الأزرق حيث ينبع النيل الأبيض في منطقة البحيرات العظمى في وسط أفريقيا، ويوجد أبعد مصدر في جنوب رواندا ويجري من شمال تنزانيا إلى بحيرة فيكتوريا، إلى أوغندا ثم جنوب السودان، في حين أن النيل الأزرق يبدأ في بحيرة تانا في أثيوبيا ثم يجري إلى السودان من الجنوب الشرقي ثم يجتمع النهران عند العاصمة السودانية الخرطوم.

يأتي الفيضان بسبب هطول الأمطار الغزيرة في أعالي النهر فيزداد حجم المياه في مجرى النهر ويفيض من الجنوب إلى الشمال، حيث الدلتا، ويصب في البحر المتوسط.

ويمر فيضان النيل بثلاث مراحل حيث يبدأ بموسم الفيضان، ثم موسم الظهور، وموسم الحصاد.

عام 1970، اكتمل بناء السد العالي في أسوان الذي حمى مصر من اخطار الفيضان حيث يتم احتجاز فائض المياه خلف السد عند حدود السودان.

تبدأ السنة المائية في مصر أول أغسطس حيث تتدفق مياه الفيضان خلال “أغسطس وسبتمبر وأكتوبر” و يأتى خلالها 75% من حجم المياه الجديدة والتى يتم رصدها عن طريق أجهزة الرى المصرية بالسودان وأوغندا لتحديد حجم الفيضان ووضع قواعد تشغيل السد العالى وحجم المنصرف يومياً من بحيرة ناصر للوفاء باحتياجات البلاد فى كافة الإستخدامات “زراعة – شرب – صناعة”.

ويبدأ فيضان النيل فى السودان أوائل شهر يوليو وتسجل الارتفاعات فى منسوب المياه أمام السد العالى أوائل أغسطس من كل عام، فيما تقوم الأجهزة المختصة بقطاع مياه النيل التابع للوزارة بأعمال المتابعة اليومية لأحوال الفيضان للتعرف على كميات المياه الواردة للسد العالى وحساب الإيراد المائى المتوقع للنهر خلال العام المائى الحالى.

وفي الثقافة المصرية القديمة كان يمثل فيضان النيل بوابتهم للعالم المجهول.

ويصف الفيلسوف المصرى القديم «سنيكا» فيضان النيل بإحساس شاعر فيقول :

«انها لروعة الفرح أن نرى النيل يعانق الحقول مارا عليها مغطيا الأراضى المنخفضة طاويا الأودية الصغيرة تحت سطح مياهه، وتبرز المدن كجزر وسط فيضان مياه النيل، ما من حركة ممكنة عبر هذا البحر الداخلى إلا بالقوارب».

لم يعتقد المصريون القدماء أن الفيضان يأتي لهطول الأمطار على جبال الجنوب، ولكنهم كانوا يرجعونه لرضاء الإله حاپي. . أو هو دموع إيزيس حزناً على وفاة زوجها أوزوريس.

وكان المصريون القدماء ثم الأقباط يعتمدون في تقويمهم على بدء المرحلة الأولى، موسم الفيضان.

وتحتفل بها أيضاً الكنيسة القبطية بالقاء إصبع الشهيد إلى النهر، ويعرف لدى الأقباط باسم إصبع الشهيد.

وتقام احتفالات وفاء النيل كعيد سنوي في النصف الثاني من شهر أغسطس.

عروس النيل

يحكى ان المصريين القدماء كانو يعتبرون النيل (إله – حابي ) اله الخير والنماء والخصب…لانه شريان الحياه فى مصر .

وكان النيل يفيض بالخير ويعم الرخاء وتزرع البلاد كل انواع المحاصيل..لكن فى سنه من السنين أبى النيل الا تفيض مياهه وحل الجدب والقحط على ارض مصر وتعذب المصريون !!!! فأشار الكاهن على الملك بان النيل غضبان لانه يريد الزواج وتكون له ذرية.. فتهافتت الفتيات تريد الزواج من إله الخير..

وكانت تقام المراسم والإحتفالات ويقوم الكاهن بإختيار أجمل فتاة وبعد الانتهاء من المراسم تقوم العروس وترمى نفسها فى النيل وهى سعيدة راضية لانها ستلتقى بحبيبها إله الخير فى العالم الاخر ..

واستمر الاحتفال سنوات وسنوات حتى انه لم يجد فتيات لهذا الامر ولكن الكاهن أصر على الاحتفال ؛ فلم يجدوا إلا بنت الملك وكانت جميلة وفاتنة ولها خادمة ذكيه تقوم على رعايتها وتحبها حب لا يوصف .. فحزنت الخادمة وأرادت ان تحتفظ ببنت الملك حتى لو انتهى الامر بعدم فيضان النيل .. فأخذت تفكر وتفكر حتى هداها تفكيرها الى ان تصنع دمية شبيهة ببنت الملك وقالت للملك ان الاحتفالات ستقام فى موعدها رغم اننى حزينة على فراق ابنتك الغالية ثم قامت بتزين العروس وصممت ان تلقيها بيدها هي فى النيل لتزفها إلى حبيبها بيدها وتمت المراسم وانتهى الحفل واصاب الملك كابة ويأس وحزن شديد على فراق ابنته الغالية حتى أصبح طريح الفراش.. وهو لايدرى ان الخادمة قد اخفت البنت فى بيتها وبين اولادها..

ولما رأت حزن الملك وازدياد مرضه يوما بعد يوم أشفقت عليه بعد ان كانت ستاخذ البنت لنفسها وتربيها على انها ابنتها لانها فى الواقع اصبحت فى نظر الجميع عروسة النيل .. وفى أحد الايام وبعد أن أشرقت الشمس وطل الصباح بنوره الوضاء اخذت الخادمة البنت وقالت للملك : هذه ابنتك سليمة معافاة لم يصبها اذى ولم تمس بسوء وكانت عندي معززة مكرمة .. فلم يتمالك الملك نفسه واخذ يحتضن ابنته بطريقة هستيرية وشكر الخادمة وقربها اليه واعطاها الكثير من الهدايا مما لا يقدر بثمن ؛ وبعد ذلك فى كل عام يصنعون دمية جميلة ويقيمون الاحتفالات بجانب النيل ثم يرمون الدمية الى النهر العظيم..

ظلت حكاية إهداء عروس للنبل كل عام في عيد وفاء النيل راسخة في الأذهان .. واستمرت عادة إلقاء دمية خشبية على شكل فتاه آدمية بدلا من الفتاة الآدميةالتي كانت تزف إلى النيل، جزءا من مراسم الاحتفال

وبالغ الناس في تجسيد الأسطورة فقالوا إن الفتاه تظهر مرة أخرى وقد تحول نصفها الأسفل إلى سمكة لأن النهر لا يلتهم عرائسه بل يجعلها تعيش في أعماقه كالأسماك.

الحقيقة والأسطورة

بعد اكتشاف ضابط الحملة الفرنسية بوشارد لحجر رشيد أثناء الحملة الفرنسية على مصر، بدأ الباحثون دراسة جادة للتاريخ المصري القديم، ومن هؤلاء الباحث الفرنسي بول لانجيه الذي تفرغ لدراسة حكاية عروس النيل.

وخرج الباحث من دراسته بأن المصريين القدماء كانوا لا يلقون بفتاه في النيل لكنهم كانوا يحتفلون بإلقاء سمكة من نوع “الأطوم”، وهذا النوع من السمك قريب الشبه بالإنسان ويصفه بعض العلماء بإنسان البحر تتميز أنثاه بأن لها شعرا كثيفا فوق ظهرها.. أما وجهها فأقرب إلى كلب البحر وحين تسبح فوق الماء تتمايل كأنها راقصة.

وكان المصريون القدماء يزينون سمكة الأطوم بألوان زاهية ويتوجون رأسها بعقود الورد والزهور ثم يزفونها إلى النيل في عيد وفائه.

ومنذ أعوام تم كشف سمكة من هذا النوع في بحيرة قارون بالفيوم.

ويقال ايضا ان انهم اكتشفوا فى نهر النيل دميات من الفخار ومعنى هذا ان قدماء المصريين لم يلقوا بفتيات في النيل..

أما إلقاء عروس حقيقية في النيل، فلم تعرفه مصر إلا في عهد المماليك حيث جاءوا بالفتيات المدربات على السباحة تدريبا جيدا والقوا بهن في النهر ثم يتركن ليسبحن حتى الشاطئ في كرنفال الاحتفال.

إن إلقاء عروس حية في النيل ليس إلا خرافة فجميع من أرخوا لمصر مثل هيكاه وهيرودوت وتيودور الصقلي وبلوتراك وكليمان السكندري الذين كتبوا عن الحياة والعادات الفرعونية والغرائب والتقاليد في مصرالقديمة لم يتناولوا من قريب أو بعيد حكاية عروس النيل.

ويشهد التاريخ أن الحضارة المصرية حضارة راقية لم تعرف على مر العصور الضحايا البشرية لأي إله أو معبود مهما علا شأنه.

كما أن نقوش المعابد المصرية والبرديات التي عددت مظاهر الحياة والتقاليد والعبادات لم تذكر حكاية عروس النيل، ولو كانت هذه حكاية حقيقية لما أغفلتها النقوش.

وتذكر الدكتورة نعمات أحمد فؤاد إحدى عاشقات الحضارة المصرية في كتابها “القاهرةفي حياتي” أن حكاية عروس النيل ليس لها أساس تاريخي، ولم ترد غير القصة التي ذكرها بلوتارخ والتي تقول إن ملك مصر أراد اتقاء كوارث نزلت بالبلاد فأشار إليه الكهنة بإلقاء ابنته في النيل ففعل ثم ألم به ندم شديد فألقى بنفسه في النيل فهلك مثل ما هلكت.

ويقول عباس محمود العقاد في كتابه “عبقرية عمر”، “إن رواية عروس النيل على علاتها قابلة للشك في غير موضع فيها عند مضاهاتها على التاريخ، وقد يكون الواقع منها دون ما رواه الرواة بكثير.

وشكك أثريون مصريون من بينهم مجدي شاكر، كبير خبراء وزارة الآثار في مصر، في الرواية الأولى حيث لم تكن من عادة المصريين ولا من أدبياتهم التضحية بالبشر.

وفي مقالة لها بعنوان “وفاء النيل”، وجدت الدكتورة هند صلاح الدين، الأكاديمية المتخصصة في الآثار بجامعة القاهرة، أن بلوتارخ (ح.45م ـ 125م)، أحد أشهر المؤرخين الكلاسيكيين، هو أول من كتب عن هذا الطقس ومنه نقلت في أكثر من قصة في الأدب اليوناني القديم، إلا أنه أخطأ حيث كتب أنها تضحية بالبشر.

وقالت إنّ الثابت أن المصريين كانوا يلقون بدمية خشبية على هيئة إنسان بل قيل أيضاً إن المصريين كانوا يلقون بحيوان بحري ضخم من نوع “الأطوم”، وهو من فصيلة الثدييات ويقترب في شكله من خروف البحر، ويشبه جسده إلى حدّ ما جسد الآدميين.

وفي مقالتها تتحدث الأكاديمية صلاح الدين، عن أنه تمّ الكشف عن ثلاثة لوحات مسجلة بالخط الهيروغليفي في جبل السلسة بأسوان تحتوي على ثلاثة مراسيم تعود لعصور الملوك سيتى الأول ورمسيس الثانى ومرنبتاح فى الفترة ما بين 1300 ــ 1225 ق.م ، وتقرّ هذه المراسيم بأن تقام الاحتفالات للإله حعبى أو حابي، مرتين في العام مع أعلى وأدنى ارفاع للفيضان، وأن يتم خلالها التقرب للنيل بتقديم قرابين مختلفة من الحيوانات والخضروات والزهور والفاكهة، وكذلك عدد من التماثيل الصغيرة لإله النيل نفسه، اعتقاداً أنه لن يفي في العام إذا لم تمارس تلك الطقوس.

ورغم ذلك عاشت الأسطورة في وجدان مصر وتناولها الأدباء والشعراء والفنانون والسينما ومازالت كتب كثيرة ترددها كواقع.

عروس النيل في الشوقيات:

جسد امير الشعراء أحمد شوقي صورة حية لعروس النيل قال فيها :

ونجيبة بين الطفولة والصبا ** عذراء تشربها القلوب وتعلقُ
كان الزفاف إليك غاية حظها ** والحظ إن بلغ النهاية موبقُ
لاقيت أعراسا ولاقت مأتما ** كالشيخ ينعم بالفـتاة وتزهقُ
في كل عام درة تلقى بلا ** ثمن إليك وحــرة لا تصدق
حول تسائل فيه كل نجيبة ** سبقت إليك متى يحول وتلحق

احتفالات على مر العصور

في العصور الفاطمية والمملوكية والعثمانية في مصر، استمرت الاحتفالات بوفاء النيل لكنها أخذت طابعاً دينياً وملكياً.

فمما رصده كتاب “متنزهات القاهرة في العصر المملوكي والعثماني”، نقلاً عن موسوعتي “صبح الأعشى” و”خطط المقريزي”، أن الاحتفالات بدأت في العصر الفاطمي ثم العصر المملوكي، واستمرت حتى نهاية العصر العثماني.

وحين كان يعلن الموظف المختصّ أن فيضان النيل بلغ 16 ذراعاً، كانت تقام الحفلات فيخرج الناس للشوارع لرؤية موكب السلطان في مركب خاص يسمى “الحراقة السلطانية”، والتي تسمى أيضاً “الذهبية”، حيث كانت مزينة ومزخرفة، حتى يصل إلى مقر المقياس في جزيرة الروضة (في منطقة المنيل في القاهرة).

وهناك تبدأ عملية “تخليق” المقياس: أي دهان المقياس بالزعفران أو المسك والعنبر المخلوطان بماء الورد، ويهبط “شيخ المقياس” لفسقية المقياس ومعه ذلك الإناء فيخلق عمود المقياس ثم يدهن جوانب الفسقية أيضاً، كعلامة على “الوفاء” للنيل.

ثم يخرج السلطان في موكب مهيب ويوزع على الناس بعض الهدايا والتي كان منها أعطيات ذهبية وفضية وبعض الأطعمة ومنها اللحوم المشوية، ثم يذهب بعد ذلك إلى سدّ الخليج “فم الخليج”، ليضرب السد بمعول من الذهب الخالص ثلاث ضربات بيده لينهمر الماء ثم يحضر العوام بفئوسهم ليكسروا السد كله.

وكان أصحاب المراكب يؤجرون مراكبهم للعوام حتى يرون موكب السلطان والأمراء في النهر .

وفي هذا اليوم تغلق الأسواق ويمتنع الناس عن العمل وهو أمر شبيه بالعطلة الرسمية.

بينما يحضر قرّاء القرآن إلى فسقية المقياس ليقرأوا القرآن عندها، كنوع من التبريك، ويستمع العوام والأمراء إلى الغناء بدار ملحقة بالمقياس طوال الليل.

لكن عند تأخر موعد وفاء النيل، كان القلق يدب في كل أنحاء مصر، ويجتمع علماء الدين في جوامع مصر لقراءة القرآن، بينما في القاهرة وداخل مقياس النيل ينزل علماء الدين إلى مقر المقياس ليختموا القرآن بجانب النيل حتى يفي ويعم الرخاء.

وبحسب ما ذكر القلقشندي في موسوعته “صبح الأعشى”، أنّ المسيحيين في مصر كانوا يخرجون للصحراء في أديرتهم يبتهلون حتى يفيض النيل ويفي تفادياً لسيناريوهات المجاعة.

ويذكر التاريخ ان نابليون بونابرت شارك في احتفالات وفاء النيل عام 1798″ بعد قدومه على رأس حملته الفرنسية إلى مصر .. حيث اتخذ نابليون بونابرت مجلسه على منصة مقامة فى كشك عند ملتقى النيل بالخليج، ليشرف على أول احتفالات بعيد “وفاء النيل”

فقد رأى “نابليون” أن مشاركته فى الاحتفال بـ”عيد” سيعطيه شرعية، ويعزز من موقعه كحاكم مواليا ليس للإسلام وفقط،  وإنما لكل عادات المصريين، ومنها احتفال بهذا النوع من الأعياد غير الإسلامية لكنها مصرية خالصة..

وفى كتابه “بونابرت فى مصر” لـ”ج.كروستوفر هرولد” يقول إن “بونابرت” جلس بجواره قواده فى ثيابهم العسكرية، واختلط بهم أعضاء ديوان القاهرة وغيرهم من أعيان المسلمين فى عمائمهم البهية، ولحاهم الكبيرة، وقفاطينهم ذات الأهداب المصنوعة من الفرو والتى تنبئ بمكانتهم، ولا يكاد المرء يصدق أن المسلمين أو الفرنسيين كانوا يطيقون لبس هذه الثياب تحت شمس أغسطس المصرية”.

ويشير الجبرتى إلى أن “بونابرت” دعا أهل القاهرة للخروج إلى المنتزهات على ضفتى النهر وفى جزيرة الروضة كما اعتادوا، لكن كثيرا من أهل القاهرة تلقوا الدعوة بمشاعر اختلط فيها الغضب بالكآبة، فهناك الضرائب الجديدة التى نشط جامعوها فى جمعها، وهناك أيضا نهب الدور، وملاحقة النساء والجوارى بل اختطاف بعضهن والزج بهن فى السجون”.

وفى كتابه “مصر تحت حكم بونابرت” يستفيض المؤرخ الأمريكى “خوان كول” فى ذكر تفاصيل هذا اليوم قائلا، إن الفرنسيين حرصوا على حشد أكبر عدد من الناس فى المنتزهات وعلى صفحة النيل، ولعبت الفرق الفرنسية والمصرية مقطوعات موسيقية،

ويضيف، أنه حين أعطى “بونابرت” إشارة لإزالة “جسر السد” تدفقت المياه فى تيار قوى إلى القناة، وألقى النساء والرجال والأطفال بأنفسهم فى النيل، كما ألقوا خصلات من ذؤابات الخيل وخرقا من قماش، وغير ذلك من القرابين لينعم الله على نسائهن بالخصوبة أو ليحفظ عليهن جمالهن، وانطلق طائفة من الراقصات برقصات خليعة على طول القناة، وألقى “بونابرت” كميات كبيرة من العملات الصغيرة بين الناس، وألقى قطعا من الذهب على سطح القوارب المارة، ومنح شيخ الأزهر كسوة سوداء، ومنح شيخ الأشراف كسوة بيضاء، ووزع القفاطين على كبار الضباط الفرنسيين تكريما لهم.

حمل العمال تمثالا صغيرا من الطين لامرأة ويدعى “المخطوبة” وألقوها فى النيل، وذلك امتداد لعادة فرعوينة قديمة، وبعدها انسحب الموكب الرسمى فتبعه الناس وهم ينشدون المدائح النبوية، ويزعم “ديز فرنواه” أن الناس هتفوا باسم القائد الأعلى “بونابرت” ووصفوه بأنه “مرسل” إليهم من قبل الرسول لأنه أحرز انتصارا وسيطر على أجمل أنهار العالم.

وفاء النيل في العصر الحديث

تتخذ احتفالات وفاء النيل حاليا شكلا مختلفا يواكب العصر حيث تقدم العروض الفنية التي تسرد قصة حياة المصريين على ضفاف النيل .. كما تعقد الندوات وتبث برامج اذاعية وتلفزيونية للتعريف بوفاء النيل وارتباطه بالفيضان والتوعية باهمية الحفاظ على المياه وحماية نهر النيل من التلوث..

كما تقوم وزارة الري في هذا التوقيت بعمل مكثف لرصد وتحليل وتقييم حالة الفيضان عن طريق صور الأقمار الصناعية وتتبع الأحوال المناخية وسقوط الأمطار فى إثيوبيا، حيث تستغرق رحلة المياه من إثيوبيا إلى بحيرة ناصر من 3 أسابيع إلى شهر، بحسب سرعة المياه، وتقوم بعثة الرى المصرى فى السودان، بأعمال الربط والصيانة السنوية للمقاييس على نهر النيل وروافده المختلفة بالمحطات (دنقلا – عطبرة – الخرطوم – سنار – الروصيرص) حيث يتم تثبيت وإصلاح وتطهير المقاييس ومراجعتها.

ان كل الاساطير والحقائق أيضا تجتمع في النهاية على قيمة المياه وضرورة احترامها والحفاظ علي مصادرها فهي سر الحياة كما قال المولى عز وجل ” ‏ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ‏‏ “