د . شوقى السيد- الأهرام

ما أن أصدرت «محكمة الجنح الجزئية» حكمها ضد الدكتور إسماعيل سراج الدين، مدير مكتبة الإسكندرية السابق، بعد تحقيقات أجرتها النيابة العامة، انتهت إلى القيد والوصف من وجهة نظر قانونية بحتة، تتصل بحرمة المال العام وإجراءات حمايته والحفاظ عليه، قامت بعدها الدنيا ولم تقعد، إذ بادرت مكتبة الإسكندرية فأصدرت بياناً بليغاً شهدت فيه لصالحه، وأكدت فيه محاسنه وكفاءته، وأشادت بأمانته وبراءة ساحته، وشدة حرصه على المصلحة العامة فى البلاد، كما أنطلقت الأقلام دفاعاً عن سراج الدين مؤكدة براءة ذمته وعظيم سيرته وشموخ علمه وقامته، وإلى المناصب المرموقة التى تقلدها والجهود الكبيرة التى قدمها للبلاد ، كان من بينها ميلاد مكتبة الإسكندرية وعلو كعبها شهادة وقبلة للثقافة والعلوم ، وهذه حقيقة لم ينكرها أحد .

بعدها انطلقت، دفاعاً عن سراج الدين وتضامناً معه، حملة جمعت شخصيات عامة مرموقة بلغ عددها ثلاثمائة شخصية ويزيد، ودعت إلى الانضمام لتأييده والدفاع عنه، اعترافاً بأمانته ووطنيته ومحاسنه، ولم تقف الحملة عند المحلية وإنما امتدت الى العالمية بما نشرته صحيفة واشنطون بوست، شهادة فى حقه وتساؤلاً واستنكاراً لإدانته وكأن السلطات فى مصر استهدفته وتنكرت لجميله ونالت من قدره!!

إذ يعترف الجميع بمكانته وعلو قدره.. وأنه لا يصح إجراء هذا الضجيج حتى صدور الحكم النهائى، لأن ذلك يعتبر خطاً أحمر، وهذا حق، بل وأضيف، أن هذه الحملة كانت ظالمة لأنها انطلقت بمناسبة حكم قضائى أدان سراج الدين عن خطأ أو إهمال إجرائى فى أثناء توليته رئاسة المكتبة ، لهذا كانت الواقعة «جنحة» بالمادة 116 عقوبات، والرجل ليس خبيراً ولا ضالعاً بالإجراءات والروتين الحكومى، واسندت الحملة إلى الحكم ما ليس فيه، إذ لم تكن الإدانة بسبب الإضرار العمدى أو استيلائه على المال العام أو التسهيل له، وإلا كانت الواقعة جناية، لهذا كانت التهمة مخالفة إجراءاية ترتب عليها ضرر للمال العام، كما كانت الحملة ظالمة أيضاً للدكتور سراج الدين نفسه عندما انطلقت دفاعاً عن براءة ساحته أو أمانة ذمته وكأن الحكم قد ناله وأدانه فيها!!

وأقرر بأن الرجل نفسه لم يتحدث عن نفسه أو عن الحكم.. وقد شهد الجميع بإنجازاته، وهى شهادة حق، لكن التضامن مع سراج الدين.. والدفاع عن سمعته ، فى هذه القضية أو غيرها، لا يكون بإطلاق التأييد.. أو التضامن معه.. أو إصدار البيانات فى حقه سواء كان ذلك محلياً أو دولياً.. مادام أننا بمناسبة حكم قضائى سبقه تحريات وتحقيقات أمام النيابة العامة الأمينة على الدعوى العمومية ، وقد صدر الحكم فى ساحة القضاء حضورياً بعد إبداء دفاعه، وكانت وقائع القضية تدور كلها حول مخالفة الإجراءات والروتين وهو ليس ضالعاً فيه ، وقد صدر الحكم الابتدائى علناً، وجمعت مدوناته الوقائع وأسباب الإدانة، ومازالت القضية أمام قضاة الاستئناف . ومثل هذه الأحكام القضائية، سواء صدرت بالبراءة أو الإدانة، وسواء كانت ابتدائية أو نهائية ، لا يجوز تناولها أو تداولها وسط الرأى العام ومازالت أمام القضاء، ولا يجوز التعليق عليها أو الإشارة اليها تصريحاً أو تلميحاً، لأن ذلك من شأنه أن يؤثر فى سير العدالة.. ويمثل ذلك امتهاناً لها.. لأن مواجهة الحكم أو نقده ، يتم أمام ساحة القضاء وحدها وأمام القاضى قبل صدور الحكم أو بعده عند الطعن عليه!!

وهذه المبادئ ليست جديدة على مسيرة القضاء، وتمثل قواعد راسخة حماية للعدالة ذاتها، والذى يراجع مضبطة مجلس الوزراء والمذكرات الإيضاحية للمادة 187 من قانون العقوبات ، منذ أن كان على ماهر وزيراً للحقانية عام 1931، أى ما يزيد على ثمانين عاماً، يكشف عن أن الحكمة من حظر التعليق، تأييداً أو نقداً، لأن ذلك يجعل القاضى أمام أمرين كلاهما مر، أما أن يهتم بالرأى العام وحده ولا يعبأ بالأوراق والمستندات، وهو ظلم بين، وإما أن يعكف على دراسة الأوراق ولا يهتم بالرأى العام، وعندئذ تنطلق الضجة والشبهات وتطلق الأقاويل حول الحكم متى صدر متصادماً مع الرأى العام، وهو خطر شديد على العدالة ذاتها!! والذى يساند هذا الرأى أن أحداً ممن كتب أو تضامن أو دافع أو انتقد الحكم مدافعاً عن سراج الدين، لم يقف على وقائع القضية أو مستنداتها أو أدلة الاتهام فيها، وأن ذلك كله كان أمام القاضى الذى أصدر الحكم، ولسوف يكون أمام قضاة الاستئناف الذين قد يكون لهم رأى آخر.. عندما يعكفون على الدراسة والتأمل والمداولة وإصدار الحكم. ولهذا فان الضجة التى أثيرت دفاعاً عن ذمة سراج الدين وحسن سيرته، حملة غير مبررة وظالمة، إذ قد تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن، ولهذا فإنى أشفق عليه وعلى من تضامنوا معه بثقة وبحسن نية، لأن لكل مجال مقالا.. خاصة وان القضية مازالت أمام قضاة الاستئناف ولا يقضى القاضى ألا بعد أن يطمئن ضميره إلى الإنصاف بالعدل والقانون دون حاجة الى تضامن أو ضجيج !!