اخبار مصر-الشروق

الراقصة سلمى طارق وشهرتها «غزل» دخلت مستشفى خاصا فى منطقة حدائق الأهرامات بالجيزة الأسبوع الماضى لإجراء عملية تنظيف الرحم عقب تعرضها للإجهاض. العملية فشلت وتم إجراء عملية أخرى، فارقت بعدها الحياة عن عمر يبلغ ٣٠ عاما. واتهم زوجها العرفى وأسرتها المستشفى بالإهمال والتقصير.

النيابة العامة حققت فى الواقعة واستدعت مدير المستشفى والطبيبة المسئولة عن الحالة وفريق التمريض المعاون لها وحققت معهم لساعات طويلة. تم انتداب لجنة من وزارة الصحة للتأكد من شروط الأمان والسلامة والالتزام بالمعايير الخاصة بالمستشفيات. وقد تبين عدم وجود تصاريح للعمل، إضافة إلى مخالفات جسيمة، وبالتالى صدر قرار من النيابة بإغلاقه، لحين انتهاء التحقيقات مع الإفراج عن الطبيبة بكفالة عشرين ألف جنيه.

السؤال: هل كان مطلوبا أن تموت هذه السيدة حتى يتم إغلاق هذا المستشفى؟!، وهل كان سيتم اتخاذ نفس الإجراء، لو أن الضحية كانت «سيدة غلبانة»، وليست راقصة معروفة أو حتى «نصف معروفة»؟

أما السؤال الجوهرى الذى ينبغى أن يشغلنا جميعا فهو: كيف يمكن لمستشفى فى منطقة مثل حدائق الأهرام العمل من دون وجود ترخيص؟!، هل وصلت الفوضى والانفلات والتسيب إلى هذه الدرجة؟!، وأين هى الأجهزة والهيئات المسئولة عن هذه المهزلة؟!
للأسف ما كنا سنعرف أى شىء عن هذه الفضيحة لولا أن الضحية راقصة يهتم لشأنها كثيرون؟!

بنفس القياس، فالمؤكد أن هناك مستشفيات كثيرة تعمل بنفس الطريقة، ولا أحد يسأل عنها، طالما أنه لم تقع حالات وفيات لمشاهير.
طبعا سيقول البعض إن الخدمة الطبية متردية فى مستشفيات كثيرة، وليس هذا «المستشفى المنحوس» فقط. نعم الكلام صحيح، لكن على الأقل نضمن أن هناك ترخيصا رسميا بمزاولة العمل، وبالتالى وجود لجان لفحص ومراقبة ومتابعة هذه المستشفيات حتى لو كانت صورية.

مأساة غزل ــ رحمها الله ــ ذكرتنا بأن الحظر الحقيقى الذى يهدد ثبات الدولة واستقرارها ليس فقط الإرهاب والتطرف أو الأزمة الاقتصادية، ولكن الإهمال والفساد وتفشى ظاهرة انعدام الكفاءة بصورة غير مسبوقة.

لا أعرف كيف تجرأ أصحاب هذا المستشفى على افتتاحه دون الحصول على ترخيص؟ ما هذه الجسارة والبلطجة على كل شروط واشتراطات الترخيص والعمل والامان؟!

لكن ما أعرفه أن النماذج التى تفعل ذلك، تكون قد «ظبطت» أمرها، و«ستفت ورتبت أوراقها» مع كل من يهمه الامر!
المفترض أن هناك إدارات كثيرة من جهات مختلفة تراقب وتتابع وتفتش على هذه المنشآت؟!.. فما الذى منعها من ممارسة عملها طوال تلك الفترة السابقة؟!

هل حصلت بعض الجهات على رشاوى وإتاوات لكى «تصهين» على عدم وجود تصريح عمل لمثل هذه المستشفيات؟
السؤال الأهم: هل نتوقع وجود جهات رقابية تقوم بمحاسبة الذين كان يفترض أن يحاسبوا فتونة وفساد المستشفى وعمله من دون ترخيص؟!

أتمنى أن يصل لأولى الأمر أن هذا الانهيار شبه الشامل فى منظومة المحليات والمراقبة والمتابعة هو أخطر مليار مرة من أى إرهاب وتطرف.
شبكة ولوبى الفساد والإهمال وانعدام الكفاءة هو السوس الذى ينخر فى جسد الدولة، ولا نشعر به، لأن غالبية أفراده من الذين لا يتوقفون عن النفاق والصراخ بأعلى أصواتهم «تحيا مصر» ولا نستبعد قيام بعضهم بالتبرع بمبالغ رمزية للخزينة العامة، طالما أن المكاسب ستكون آلاف الأضعاف؟!

نحتاج إلى التفكير بجدية فى طريقة تعيد تفعيل المراقبة والمتابعة ومحاربة الفساد. نعلم أن هذا الأمر ليس سهلا لأن سنوات عهد حسنى مبارك قد جعلت الزواج كاثوليكيا بين شبكة المحليات ولوبى الفساد فى غالبية مؤسسات الدولة، وبالتالى فإن تفكيك هذه العلاقة المتشابكة، سيحتاج وقتا طويلا، خصوصا أن الفساد بلغ مرحلة غير مسبوقة من التشابك والتداخل والتعقيد.

أخشى أن تمر حالة المستشفى الذى ماتت فيه غزل مرور الكرام من دون إجراء تحقيق شامل ليس مع الطبيبة المسئولة أو طاقم التمريض فقط، لكن مع المناخ والبيئة التى تجعل مستشفى يعمل من دون ترخيص، ويموت فيه الناس بالمجان وبكل سهولة.