بقلم: عماد الدين حسين

فقرة الشاب ياسين الزغبى فى الجلسة الافتتاحية لمؤتمر الشباب بالإسكندرية كانت جديدة وجيدة، وتعطى معنى إنسانيا محترما بأن هناك تقديرا للإصرار والعزيمة وتحدى الصعاب حتى لو كان يسير بساق واحدة.
فى مؤتمرات الشباب الثلاثة السابقة كتبت وأكرر اليوم أن الخدمة الجليلة التى يمكن أن تقدمها هذه المؤتمرات ــ إذا أردنا لها أن تحقق أهدافها ــ هى أن ننفتح على كل الأفكار والآراء والأصوات حتى لو كانت مخالفة لآراء الحكومة.
كان الأكثر لفتا للنظر من وجهة نظرى فى جولة ياسين الزغبى لقاءه مع الشاب الفلاح فى حقله وعمره ٢٤ عاما، الذى أنهى لتوه خدمته العسكرية.
هذا الشاب قال بتلقائية ريفية محببة وموحية فى نفس الوقت إنه وأهله وأقاربه والناس يشكون من صعوبة الحال، وقال ما معناه إنهم لا يعرفون كيف يدبرون أحوالهم المعيشية فى ظل الارتفاع الخطير والمستمر فى الأسعار.
هذا السؤال البسيط جدا والصعب جدا جدا هو جوهر التحدى الذى يواجه الحكومة ورئيس الجمهورية منذ فترة، وسوف يستمر تحديا لسنوات إلى أن تخرج مصر من أزمتها وتنطلق للأمام.
الذى فكر فى فقرة الزغبى يستحق الشكر والتقدير، فالفكرة بسيطة جدا ولكنها صادقة، مادامت قد جعلت مواطنين مختلفين من خمس محافظات بغرب الدلتا يتحدثون عن همومهم.
لن أتحدث عن الذين شكروا وأيدوا، ولكن عن الذين تحدثوا عن همومهم ومشاكلهم. وفى هذا الصدد كان ملفتا للنظر أيضا حديث الفتاة التى حصلت على دكتوراه فى القانون الجنائى وعمرها ٢٦ عاما. وطلبت من الدولة أن تخصص حافزا علميا للمتفوقين دراسيا وعلميا على غرار الحافز المخصص للمتفوقين رياضيا.
فكرة أخرى مهمة أو شكوى يمكنها أن تكون عامة وتهم كل أو غالبية المصريين تلك التى تحدث عنها مواطن من رشيد حينما طالب بإنشاء محطة للصرف الصحى.
وعرفت لاحقا فى الجلسة الرئيسية «رؤية مصر ٢٠٣٠» أن هناك ٤٨٠٠ قرية مصرية منها نسبة ١٠٪ فقط مخدومة بالصرف الصحى، وخلال السنوات الثلاث الماضية ارتفع الرقم إلى ٢٠٪، والمستهدف أن يصل فى عام ٢٠٢٠ إلى ٥٠٪ وتظل المشكلة الأكبر هى التمويل حيث إن تكلفة تغطية كل القرى بالصرف الصحى تحتاج نحو ٢٠٠ مليار جنيه بأسعار هذه الأيام طبقا لتقديرات الحكومة.
شىء مهم جدا أن يستمع الرئيس وأعضاء الحكومة إلى المواطنين وهم يتحدثون عن همومهم الحياتية، لكن الشىء الأجمل بطبيعة الحال أن يتم حل هذه المشكلات أولا بأول.
عندما كان يتم عرض جولة ياسين الزغبى بالدراجة لقرى ومدن غرب الدلتا فى الإسكندرية ومطروح والبحيرة والغربية وكفر الشيخ، كنا مجموعة من الصحفيين نجلس معا فى القاعة الرئيسية بمكتبة الإسكندرية وقال معظمهم: سوف يكون جيدا أن يدخل حسام بدراجته المسرح، وقلت لهم الأجمل أن يتم الاستجابة للمطالب الواقعية التى طرحها المواطنون خلال هذا الفيلم التسجيلى.
أما الأكثر جمالا فهو أن يقوم الوزراء والمسئولون، كل فى مجاله بالتجول وسؤال المواطنين عما يشغلهم. لا نريد لأى منهم أن يركب دراجة ويتعب نفسه «ويعفر ملابسه الشيك»، بل أن يذهب بالمرسيدس أو البى إم دبليو أو حتى بطائرة خاصة لكى يحل مشاكل الناس.
المهم أن يذهب للناس فى حقولهم وبيوتهم ومدارسهم ومصانعهم، ويسألهم عن أحوالهم. بالطبع لن يمكنه الاستجابة لكل المطالب مرة واحدة لأن «الإيد قصيرة والعين بصيرة»، لكن على الأقل يمكنه الاستجابة لمطالب بسيطة وواقعية وبعضها لن يكلف الدولة الكثير، بل مجرد قرارات تنظيمية وتنسيق بين الهيئات والمؤسسات المختلفة.
مشاكل مصر ليست كلها بسبب قلة الموارد ونقص الأموال، بل إن جزءا لا بأس به بسبب سوء الإدارة وهدر الموارد والفساد والمحسوبية وانعدام الكفاءة.
ولو تمكنا من القضاء على هذه الآفات فسوف يتم حل جزء كبير من المشكلات، والأهم أن الناس سوف يشعرون وقتها بأن الحكومة صادقة أولا فيما تقوله وجادة فيما تفعله!.