صلاح منتصر - الأهرام

فى عام 1955 سافرت إلى الصعيد مندوبا لمجلة آخر ساعة لأنقل صورة للفيضان العالى الذى أغرق عشرات القرى فى صعيد مصر واضطر أهلها لحمل «عزالهم» ( حصيرة ولحاف ومخدة ووابور جاز وحلة وطشت ألمونيوم) وقد أصبحوا تحت رحمة خيام الإيواء . آلاف الفلاحين كانوا بقدر انتظارهم بفرحة لماء الفيضان الذى يروى أرضهم بقدر ماكانوا يخشون غدره إذا زاد . ولأول مرة بدأنا نسمع عن مشروع اسمه «السد العالى» ينظم الفيضان ويحافظ على حياة الفلاحين ويحميهم من الغرق .

وأصبح مشروع السد العالى هدفا وأملا نجح عبد الناصر فى زرعه فى نفوس الملايين ، وكان ضروريا الاستعانة بمساعدة الغرب لتنفيذ المشروع ، إلا أن أمريكا ربطت بين دخول مصر حلف بغداد الذى روجت له وبين تمويل السد . فلما رفض عبد الناصر دخول الحلف جاء رد أمريكا على مصر مكتوبا فى رسالة استدعت الخارجية الأمريكية سفير مصر أحمد حسين لتسلمها .

ولكن جون فوستر دالاس قبل أن يسلم الرسالة للسفير المصرى أجلسه أمامه وراح يقرأ له بصوت مهين الرسالة التى كان نصها : إن الولايات المتحدة الأمريكية تعتقد أن من يبنى السد العالى ـ ايا كان ـ سيكسب كراهية الشعب المصرى لأن الأعباء المترتبة عليه ستكون مدمرة وساحقة، ولن يكون فى وسع الشعب المصرى أن يتحمل عبء تنفيذ هذا المشروع الضخم ، فمتطلباته تتجاوز ما تستطيع مصادر مصر احتماله خاصة بعد التزامها بشراء الأسلحة ( إشارة إلى صفقة السلاح التى أعلن أن مصر عقدتها مع السوفيت عن طريق تشيكوسلوفاكيا ) وإننا فى الولايات المتحدة لا نريد أن نكون مكروهين فى مصر ،وسوف نترك هذه المنفعة للاتحاد السوفيتى إذا كان يعتقد أنه يريد أن يبنى السد العالى (!)

كان عبد الناصر يومها فى زيارة ليوجوسلافيا ، وبدا أن الأمر لم يعد مشروعا عليه خلاف فى حساب اقتصادياته ، وإنما صفعة مهينة من أمريكا لمصر التى تجرأت ورفضت دخول حلف بغداد الذى تبنته . وراح المصريون ينتظرون فى لهفة عودة عبد الناصر للردعلى أمريكا التى لم تتصور أنها ستغير برسالتها تاريخ المنطقة !