القاهرة - أ ش أ

سجل التاريخ أن مصر أول بلد حفر قناة عبر أراضيها لخدمة التجارة العالمية ، ومنذ حفر قناة السويس في عام 1853 وحتى افتتاح قناة السويس الجديدة قبل عامين ، جسد تاريخ هذه القناة ملحمة بطولية وطنية مستمرة ولا تنتهي في مصر.

فقناة السويس ، ذلك الممر المائي الذى حفرته سواعد ما يقرب من مليون فلاح مصرى بالسخرة والإهانة ، كان مقبرة لأكثر من 120 ألف منهم أثناء عملية الحفر تحت وطأة الحر الشديد والجوع والعطش والمرض والمعاملة اللاآدمية.

وقبل 61 عاما في مثل هذا اليوم كان قرار تأميم قناة السويس بكلمات مدوية ورنانة تتردد في الأذن بمجرد الحديث عن قناة السويس .. كلمات نارية لم ولن تنسى وستظل شاهدا على عظمة مصر قيادة وشعب ومفخرة للمصريين جيلا بعد جيل .. كلمات أطلقها الزعيم الراحل جمال عبد الناصر وسط جماهير غفيرة احتشدوا في ميدان المنشية بالإسكندرية معلنا قرار رئيس الجمهورية بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس شركة مساهمة مصرية ، وهو القرار الذي استقبله المصريون بفرحة عارمة واستقبله الغرب باستياء واستهجان .. فكان طلقة نار أذهلت قوى الاستعمار وأذهبت عقله نحو حتمية الانتقام.

وجاء أول رد فعل على هذا القرار بقيام فرنسا وانجلترا بتجميد الأموال المصرية في بنوك بلادهما وقيام الولايات المتحدة الأمريكية بتجميد أموال شركة القناة التي قدرت في ذلك الوقت بنحو 43 مليون دولار، ثم حانت لحظة الانتقام من مصر بعدوان ثلاثي اشتركت فيه فرنسا وبريطانيا وإسرائيل.

قرار تأميم قناة السويس ، كان قرار شجاعا للقائد ومصريا أصيلا لبلد حر رفض الطريقة المهينة التي تم بها رفض تمويل بناء السد العالي حيث تعمدت حيثيثات الرفض الإساءة لمصر التىي تنتهج طريق عدم الانحياز في علاقاتها الخارجية.

لم يكن قرار التأميم قرارا مفاجئا كما اعتقد الكثيرون حيث اعتبر ناصر أن إعادة قناة السويس لمصر يعد واحدا من أهم أهداف الثورة، وكان إصراره على اتفاقية الجلاء في عام 1954 التي نفذت بجلاء آخر جندي بريطاني عن مصر في 18 يونيو عام 1956 ، قبل التأميم بحوالي 35 يوما فقط بما يمكن اعتباره بأن الخطوة التي أسست لتنفيذ قرار التأميم.

شجاعة عبدالناصر في تحمله المسئولية ظهرت بوضوح عندما استدعى قبل ساعتين من إعلان قرار التأميم الوزراء وأعضاء مجلس قيادة الثورة للاجتماع لإبلاغهم بالقرار وانتهى الاجتماع على وقع انقسام المجتمعين ما بين مؤيد ومعارض ، وهنا حسم القائد الأمر بقوله “أريد أن أكون منصفا لكم جميعا ولهذا فإنني أسجل هنا تحملي مسئولية قرار التأميم ، وللشعب المصري والتاريخ أن يحاسبنى عليه ، لا أريد لأحد منكم أن يتحمل مسئولية قرار خطير لم يعرف به قبل إعلانه بوقت قصير”.

وفي الساعة الثامنة والنصف مساء ، بدأ عبدالناصر خطابه التاريخي الذي استغرق ثلاث ساعات، وشمل شرحا وافيا لقصة مصر مع القناة منذ حفرها بسواعد المصريين الفقراء ، وسيطرة فرنسا وبريطانيا عليها ، وكان اسم ديليسبس في الخطاب هو كلمة السر المتفق عليها لبدء تنفيذ عملية التأميم التي تمت فور نطقه بها.

ورغم إدراكه للمخاطر التي قد يعترض لها ، فقد قبل عبدالناصر خوض تلك المخاطر لترسيخ الاستقلال الوطني لمصر ، حيث اكتسبت مصر استقلال قرارها الوطنى الكامل فى حرب السويس بتضحية أبنائها وشجاعتهم حين هرع الجميع دون تفرقة فى الجنس والدين إلى حمل السلاح لمواجهة العدوان الثلاثي على مصر من دول ظنت أنه من غير المسموح لمصر بأن تتطلع لاكتساب قرارها الوطنى بالتأميم أو بغير التأميم.

وكما كانت مياه قناة السويس مقبرة للغزاة فى حرب العدوان الثلاثى ، كانت شاهدا على عبور مصر العظيم فى حرب أكتوبر عام 1973 ، وتحطيم خط بارليف المنيع وصولا إلى آحدث ملاحمها الوطنية التى سجلت نجاح المصريين فى شق قناة جديدة موازيه لقناة السويس بما يسمح بمرور العبارات فى الاتجاهين المعاكسين فى نفس الوقت .

ففى وقت لم يتجاوز العام تم تنفيذ مشروع قناة السويس الجديدة رغم ما شملته أعمال الحفر والتكسية والتجريف وتوسيع وتعميق التفريعات الحالية لعمق 24 مترا حتى بات مجراها يسمح بعبور سفن حتى غاطس 66 قدما، وبلغت تكاليف حفر القناة الجديدة 60 مليار جنيه مولها المصريون باكتتاب عام تزاحموا عليه فى البنوك المصرية لينالوا شرف المشاركة في الأنجاز العظيم.

وتستمر مسيرة شعب مصر مع قناة السويس ، ومازال طرفها ممتدا لأجيال وأجيال في المستقبل لينعموا بخير قناة بلدهم التي شقها أجدادهم وحافظ عليها آباؤهم وحدثها وطورها ابن من أبناء مصر الابرار الذى سيسجل التاريخ دوره فى تثبيت أركان الدولة المصرية وتنميتها.