نقلا عن صحيفة الاهرام

قالت:فتحت عينى منذ طفولتى وأنا اسمع حكاية من أمى عن أبى الذى سافر فى رحلة عمل للخارج ولم يعد وكلما عبرت بى سنوات العمر كنت أظن أن أبى سيعود فى لحظة ما ومع الأيام نسيت الحلم وإن بقيت صورة قديمة لأبى على جدار غرفتى..

وكبرت وتخرجت وتزوجت إنسانا جميلا رأيت فيه الزوج والأب والإنسان..ورحلت أمى وغابت عن خاطرى قصة أبى الذى لم اعرف أين ذهب وكيف عاش..وانتقلت مع زوجى للعمل فى دولة شقيقة وأكرمنا الله وجمعنا ما يكفينا من المال ثم جاء الأبناء ووجدنا أسرتنا الصغيرة تعيش فى قصر كبير بعد أن اتسعت أعمال زوجى فى التجارة والمقاولات..وذات ليلة اقتحم صمت أيامى صوت عجوز قال أنا أبوك..

ولم اصدق فأنا لم اسمع صوته كل هذه السنوات واخبرنى انه عاد إلى الوطن وكل ما يرجوه أن يرانى ويرى أحفاده وهو يعيش خريف أيامه..أغلقت التليفون وأنا لا اصدق إن أبى مازال حيا رغم أننى لم اشعر يوما بوجوده..

حين صافحت أبى وهو يزورنى ويتأمل القصر الذى أعيش فيه وصارحنى بأنه خسر كل أمواله فى مضاربات البورصة فى الخارج ولم يعد لديه شىء على الإطلاق وانه عاد تاركا ثلاثة أبناء من زوجة أجنبية تخلت عنه بعد أن أفلس..اشعر بغربة شديدة مع هذا الرجل الذى ظهر فجأة فى حياتى وأنا لم اصدق حتى الآن اننى احمل اسمه..

قلت:رغم كل ما فى الحكاية من الألم فإن هذا الأب الذى تخلى عنك كل سنوات عمرك يعيش خريف حياته ولم يعد له شىء بعد أن تخلت عنه زوجته الأجنبية وأبناءه منها وحين أظلمت الحياة فى وجهه بحث عنك فلم يعد لديه ملاذ أخر.. أنا لا أتصور أن تردى له الإساءة ولكنه الآن يستحق منك الرحمة..

أنت لا تذكرين له شيئا ولكن عند الله الجزاء ومادام الله قد انعم عليك بزوج وحياة كريمة فإن رعاية هذا الأب واجبة..إن اقل الأشياء أن تستأجرى له مكانا قريبا منك وأن تخصصى له مبلغا من المال يكفيه ويغطى مطالب مرضه وحياته.. إن الرحمة هنا هى اقل ما يستحق منك هذا الأب..