اعداد - أمينة يوسف

هي السيدة الأرستقراطية التي تتحدث الفرنسية والفلاحة زوجة العمدة القوية والتاجرة التي تدخن الشيشة وتقف في وجه أعتى الرجال وأكثرهم رقيا لتنقل للمجتمع والحكومة صورة واقعية مريرة عن توحش رأس المال وسطوته ومحاولته طمس الأركان الجمالية في هذه الحياة.

  

نشأتها
تحلت الراحلة سناء جميل بروح التحدي والجرأة والاعتماد على نفسها حيث لم تلتق بأي من أهلها منذ كان عمرها تسعة أعوام وكانت الوحدة بمثابة دافع قوي لها لتحقيق طموحها الفني خصوصاً وأنها كانت صاحبة موهبة متفردة.

ولدت ثريا يوسف عطاالله التى لقبت بـ”سناء جميل” في عام 1930 في محافظة المنيا بصعيد مصر لأسرة مسيحية حيث كان والدها محامياً في المحاكم المختلطة التي ألغيت عام 1936 ووالدتها كانت خريجة كلية البنات الأمريكية في أسيوط وانتقلت مع أسرتها قبل الحرب العالمية الثانية الى القاهرة وألحقها والدها وهي في التاسعة بمدرسة “الميرديدييه” وهي مدرسة داخلية وبعد رحيل والدها ووالدتها سأل عنها صديق لوالدها واصطحبها الى منزله للإقامة فيه ولكنه سرعان ما طردها عقب اكتشافه رغبتها في العمل بالفن.

6 جنيهات

خرجت سناء جميل يوم حريق القاهرة في يناير 1951 تبحث عن حلمها وطرقت أبواب الفن ووقف بجانبها زكي طليمات الذي ساعدها في الالتحاق بمعهد التمثيل واتقان اللغة العربية وعينها في المسرح القومي بأجر شهري قدره 6 جنيهات واختار لها الاسم الفني “سناء جميل”

 

الفنان سعيد أبو بكر وفر لها المسكن في بيت للموظفات والطالبات المغتربات وكانت تقوم بتفصيل الملابس والمفارش حتى تستطيع مواجهة الحياة الصعبة.

د.طه حسين يشيد بأداء سناء جميل

كان أول لقاء حقيقي لسناء جميل مع الجمهور كان من خلال مسرحية “الحجاج بن يوسف” ثم قدمت مسرحية “زواج الحلاق” وتشاء الصدفة أن يكون د. طه حسين من بين الحاضرين للعرض فكتب عنها عدة مقالات يشيد بها وبموهبتها الكبيرة وكان ذلك أحد العوامل القوية لكي تسير سناء في طريقها المسرحي من نجاح إلى نجاح أكبر وتشترك في روائع المسرح القومي ومنها “بيت من زجاج” و”سلطان الظلام” و”الناس اللي فوق” وغيرها.

سناء جميل في موسكو لعرض فيلم ” بداية ونهاية”

سافرت الفنانة سناء جميل إلي موسكو لحضور مهرجان السينما العالمي ولحضور عرض فيلم “بداية ونهاية” الذي لعبت فيه دور البطولة وكانت سناء جميل ضمن وفد مصر الذي اشترك في المهرجان بفيلم ” بداية ونهاية ” الذي تم عرضه مرتين في الأسبوع الأول للمهرجان وفي نهاية الأسبوع الثاني وقوبل الفيلم بحماسة شديدة .

بعد عرض الفيلم استقبلت الجماهير الوفد المصري بحفاوة كبيرة وتصفيق وسألوا عن عدم حضور صاحب القصة الكاتب نجيب محفوظ وناقشوا المخرج صلاح أبو سيف في نهاية الفيلم التي لم تعجبهم .

وأثني الجمهور علي دور سناء جميل في الفيلم وكانوا ينادونها ” نفيسا .. نفيسا … كما أثنوا علي دور عمر الشريف وفريد شوقي وصلاح منصور .

 

كما شاركت بعده بأدوار صغيرة وتقليدية على مدار تسعة أعوام في عدد من الأفلام منها “آدم وحواء” و”سلوا قلبي” و”شم النسيم” و” بشرة خير” و”حرام عليك” و”بلال مؤذن الرسول” و”عبيد المال” و”كدبة أبريل” و”يا ظالمني” و”إسماعيل يس في متحف الشمع” و”المجد” و”مع الأيام”.

اما “سواق الهوانم” و”اضحك الصورة تطلع حلوة” شاركت في بطولتيهما مع الراحل أحمد زكي بعدما اتصلت به وقالت له إنها تريد أن تمثل معه قبل وفاتها فأرسل لها سيناريو الفيلمين.

 

 “الراية البيضاء”

فوجئ فريق عمل مسلسل “الراية البيضا” بهذه السيدة التى امتازت بالطيبة الشديدة فتقوم بضرب الفنان سيد زيان بشدة وتقول له: “أنا ستك” فكانت تعنفه واندمجت فى المشهد بشدة وبعدما انتهى المشهد ظلت تبكى وتعتذر له قائلة إنها أهانته كثيرًا ومن شدة الاندماج شعرت أنها جرحت مشاعره وكرامته بالفعل.

كما كانت ملتزمة بأدق تفاصيل العمل والدور حتى أنها كانت تفصل ملابسها بنفسها وقد طلبت منه البحث معها على درجة الجلباب “الفوشيا” التى كانت ترتديها لأنها كانت تريد أن تأتى بلون شديد الجرأة فساعدتها والدته للحصول على القماش وقامت سناء بتفصيل الجلباب بنفسها.

تراجيدي وكوميدي

كما شاركت في بطولة العديد من المسلسلات التلفزيونية وتنوعت أدوارها فيها ما بين التراجيدي والكوميدي ومنها “عيون” مع فؤاد المهندس ويونس شلبي و”رنين” و”أزواج لكن غرباء” و”الامتحان” و”حصاد الحب”

ولأن عددا من كبار مخرجي التلفزيون كانوا يعرفون قيمتها الفنية جيداً أسندوا اليها تجسيد أدوار كانت بمثابة مفاجأة للجمهور ولها عقب عرضها ومنها “ساكن قصادي” من تأليف يوسف عوف واخراج ابراهيم الشقنقيري و”الراية البيضاء” من تأليف أسامة أنور عكاشة واخراج محمد فاضل و”خالتي صفية والدير” و”البر الغربي” من اخراج اسماعيل عبد الحافظ.

كما شاركت في المسلسل السعودي الشهير “أصابع الزمن” مع الممثل محمد حمزة وأتقنت إجادة اللهجة الخليجية فيه بصورة لافتة.

زواج وأوسمة

التقت بزوجها لويس جريس عن طريق زميلة صحفية سودانية اسمها خديجة كانت تدرس الصحافة فى مصر وكانت مبهورة بتجربة “روز اليوسف” التي كان لويس يعمل بها صحفيًا وقبل رحيلها إلى الخرطوم أقامت حفلاً كبيرًا لتوديع أصدقائها فى منزل سناء جميل وكان لويس جريس أحد المدعويين للحفل وهناك كان لقاؤه الأول بالفنانة سناء جميل وعندما قرر لويس جريس الخروج من منزلها سألته سناء جميل مازحة: “يا لويس معاك تلاتة تعريفة؟ فرد عليها: “معايا قرشين صاغ” فردت قائلة: “طيب عال خالص أنا هستنى تليفونك بكرة الساعة 12 الصبح” وكانت هذه هى بداية قصة حب سناء جميل ولويس جريس.

ظل الصحفي الشاب لويس جريس لفترة طويلة يكتم حبه لسناء جميل، إذ كان يعتقد خطئًا أنها مسلمة خاصة وأنها كانت كثيرًا ما تردد عبارات مثل “والنبي” و “والله العظيم” ولكنه قرر أن يصارحها في إحدى المرات معاتبًا القدر قائلًا: “لو مكنتيش بس انتي مسلمة وأنا مسيحي كنت طلبتك للجواز” فابتسمت “سناء” قائلة: أنا مسيحية يا لويس وموافقة وأوضحت له لاحقًا أنها تعلمت تلك العبارات من صديقاتها زهرة العلا وسميحة أيوب.

 

يحكي لوي عن تفاصيل الزفاف موضحًا أنه هرول مسرعًا إلى القس ليتمم زواجهما في الحال بعدما علم أن سناء مسيحية لكن القس رفض لعدم وجود مدعوين فقام لويس بتأجير ٧ سيارات تاكسي ليملأها بزملاء المجلة الذين كانوا كلهم تقريبا مسلمين، وتوجه بهم إلى الكنيسة ليبدأ منذ يومها زيجة تجاوز عمرها ٤٠ عامًا.

حصلت سناء جميل على العديد من جوائز وزارة الثقافة ووزارة الإعلام وعلى وسام العلوم والفنون عام 1967 وتم تــكريمها في مـــهرجان الأفلام الروائية 1998.

مرض ورحيل

إحست سناء جميل بألم شديد في الصدر اعتقدت في البداية أنه نزلة برد واكتشف الاطباء أن رئتها اليمنى مصابة بالسرطان وبعد عشرين يوماً من العلاج توفيت يوم 22 ديسمبر عن عمر يناهز 72 عاماً.

أوصت ثناء جميل قبل وفاتها بأن يكتب في نعيها: “سناء جميل حبيبة ونسيبة كل المصريين” ورفض زوجها دفنها مباشرة ونشر إعلان الوفاة في كل الصحف المصرية والأجنبية لمدة ثلاثة أيام حتى يظهر أقاربها ويشاركونه مراسم الدفن وهو ما لم يحدث.

مثلما فرضت الوحدة نفسها على الفنانة القديرة سناء جميل أثناء حياتها فرضتها عليها أيضا عقب رحيلها وهو ما تجلى في ذكرى وفاتها مما يجعل اسمها وصورتها تقفز الى ذهن الجمهور بمجرد ذكر أي من أدوارها فكان الفن سبباً في القطيعة التي وقعت بين سناء جميل وبين عائلتها في الصعيد ولكنها تحملت البعد عنهم في سبيل الفن الذي عشقته وطغى على وجدانها.