اخبار مصر-بوابة الحضارات الاهرام

بعد هدوء عاصفة الدراما التليفزيونية التي هبت علينا في شهر رمضان المعظم وعودة الملايين من أهل مصر للنوم الليلي، وللابتعاد النفسي عن الشاشة الدرامية وما يصاحبها من برامج التسلية المكثفة، وبعد خروج الشخصيات الدرامية الجذابة من حياتهم اليومية، انصرف الناس في مصر إلى أعمالهم وانصرف صناع الدراما للاستعداد لرمضان القادم حيث السوق الكبير المنعقد ليل نهار للمنافسة بين شركات الدعاية والإعلان الكبرى على طرح تسويق السلع عبر الفواصل الإعلانية الكثيرة والتي تقف خلف المواد المصورة الدرامية وغير الدرامية على الشاشات المتعددة.
وجوهر هذا السوق هو المنافسة على من يحقق نسب مشاهدة عالية، فيصل تسويق وبيع السلع عبر الإعلانات إلى الجمهور المستهدف،وقد لاحظت هذا العام ارتفاع معدلات الإعلانات الداعمة للمؤسسات الخيرية كالمستشفيات ودور رعاية الفقراء والأيتام جنبا إلى جنب مع شركات العقارات الكبرى التي تقيم المنتجعات الجديدة كمعازل للأثرياء مصحوبة بتملك عقارات فاخرة على مختلف الشواطئ المصرية من البحر الأحمر للساحل الشمالي.

ثم يظهر علينا كل هؤلاء الأفذاذ رجال المستحيل، ونساء القدر الذي يمنح الجميلات بلا حساب، وتتكرر الثنائية القديمة التي كان المصريون في 25 يناير و30 يونيو قد أعلنوا أنها صورة ذهنية خاطئة وأنهم شعب ملهم عبقري قادر على صنع المعجزة بوعي إنساني وحضاري وتاريخي وحي ومتجدد.

إنها ثنائية المنتجع والحارة معا حيث لا يفعل سكان المنتجعات شيئا إلا المؤامرات وكسب وإنفاق الملايين، ومن ثم يسهل عليهم القتل وإطلاق الرصاص وتكوين العصابات، وما إلى ذلك، أما الحارة فأهلها البسطاء يعيشون على وهم المخدرات، والجميلات يهربن للعمل بالملاهي الليلية، وبعضهن يرسلهن القدر للزواج من ثري يكبرهن في السن، هربا من شباب الحارة المنحرف، وما إلى ذلك من صور هي في حقيقة الأمر ثنائية غير حقيقية، فالمصريون مهنيون وتجار وفلاحون وعمال وأرباب صنائع وضباط في الخدمة وخارجها، ولا يحملون الأسلحة طوال الوقت ولا يتصرفون كرجل المستحيل الذي لا يلوى على شيء ولا يذهب للعمل، فقط هو يقاتل الأشرار الغامضين، أو يمارس فعل الهرب والمطاردة، وما إلى ذلك من صور بعضها يقوم بالاعتماد على الجن وتسخيره لتغيير الواقع.

الملايين المصرية من أهل مصر تحرس حدود الوطن وتزرع الفاكهة والخضر والأزهار، تصنع الدواء وتداوي المرضى وتعلم العلم في المدرسة والجامعة وتضبط الأمن في الشارع المصري وتبني للناس البيوت، بل وتقدم لهم الغناء والفن الجميل الممتع، وتكتب الرؤى والأخبار، وتسهم في إضاءة الرأي العام.

والسؤال لماذا هم ليسوا مجالا حيويا للدراما، وحياتهم مليئة بالاستثناء وبالمعاناة وبالعمل وبقصص الكفاح ضد الفساد والإحباط؟

أما الأمر المؤكد الذي لا يمكن إنكاره أن الدراما التليفزيونية هذا العام قد أصبحت صناعة إبداعية كبيرة ومهمة، ولذلك فهي تحتاج لمعالجة أبعد وأكثر عمقا من مجرد تفعيل الرقابة الأخلاقية عليها، إنها تحتاج إلى إنشاء غرفة مثل غرفة صناعة السينما يمكن في تقديري أن تتبع الهيئة الوطنية للإعلام بشكل تنظيمي، ويكون دورها قائما بالأساس في التفكير لتلك الصناعة الدرامية، بالتأكيد لا يريد أحد وصاية أو منع أو حجب للرؤى وللحرية، ولكن يمكن أن يكون دور غرفة صناعة الدراما التليفزيونية المقترحة الأساسي هو رسم الصور الذهنية التي نتمناها في مصر الآن، ودعم أنماط السلوك العامة الإيجابية وضبط سلم القيم وإعادة إنتاج التجانس المجتمعي والبحث عن مصادر تمويل جديدة للدراما ربما من البنوك الوطنية والبحث عن أسواق أكبر لها، وربما السعي للمنافسة خارج السوق العربي للدراما وبعيدا نسبيا عن سيطرة شركات الإعلان، وتدخلها في صناعة بورصة النجوم ودعمها للمشاهدة المرتفعة بعيدا عن مضمون المحتوى الدرامي.

ويكون دورها أيضا قادرا على توجيه تأثيرها الفعال على الشارع المصري وجهة مفيدة عبر تكوين للغرفة يبعد بها عن أصحاب المصالح المباشرة وغير المباشرة، ويدعم صناعة الدراما التليفزيونية ثقافيا وفكريا، دون أن يسلبها قدرتها على الإمتاع والترفية والتسلية ودون أن يكبلها بمحاذير أخلاقية ضيقة تفقدها قدرتها على الصدمة والإدهاش، أو تحرمها حيويتها القادمة من تنفسها هواء الحرية بعيدا عن رقابة التليفزيون التي لا عمل لها الآن بقطاع الإنتاج الرسمي الذي خرج من السوق تماما لتردده وخوفه ولعمله وفقا لطرق تفكير قديمة لا يمكن استعادتها.

وهكذا يصبح دور تلك الغرفة فعالا بدعم واقتراح تقديم صور ذهنية مبتكرة ممتعة تدعم حلولا للصراعات الإنسانية غير الحل الدائم في الصور الدرامية الحالية والقائم على العنف واستخدام القوة، تلك الرقابة كبيت للتفكير وليس كمانع حديدي يطبق محاذير ضيقة عن بعض الألفاظ أو طرق ارتداء الملابس النسائية أو بعض من حضور الجسد البشري الذي يجب ألا يشغلنا ظهوره الدرامي كثيرا على الشاشات، في ظل كل تلك الصور المتاحة له في حضوره الافتراضي في كل أنحاء الدنيا ومع بداية انعتاق الشباب المصري من ضغطه والانشغال اللاشعوري به.
ولذلك فمتابعة الصور الملونة يحتاج من الهيئات المختصة لتفكير جديد.

وأيضا يجب لفت نظر كبار الكتاب ونقاد الأدب المهتمين بالسرد والعاملين في مجال نظرية الثقافة للدراما التليفزيونية التي لم تعد كما كانت في الماضي القريب أمرا يمكن تركه للمحررين الفنيين بالصحف لإجراء الحوارات مع الفنانين أو إقامة استطلاع الرأي، فهي الآن في مصر يدور فيها أكبر رأس مال في مجالات الإنتاج الفني المختلفة.

كما يمكن إذا ما تم الاهتمام الجاد بها أن تستعيد لمصر دورها المحوري الثقافي الرائد والمؤثر في محيطها العربي والإقليمي، كما فعلت السينما المصرية وكما فعل المسرح المصري مع طلعت حرب الذي أسس استديو مصر ودعم الفرق المسرحية الكبرى، فحقق الرقي الفني والثقافي في الداخل الوطني، وأسس لدور القوة الناعمة المصرية خارج الحدود، وحقق لمصر مصدرا مهما للدخل القومي عبر صناعة الإبداع.

ويمكن أن يبدأ الأمر بدعم الصيغة الثقافية للدراما التليفزيونية، وليس في ذلك دعوة نحو الدراما التاريخية أو الدينية أو النصح المباشر الممل، بل دعوة للاهتمام بمساحة الحيوية وقدرة الدراما الآن على الاشتباك مع جماعات تأويلية مختلفة من المشاهدين، وقدرتها في التأثير في الرأي العام ونماذج السلوك اليومية.

جدير بالذكر أن ما سبق هو محاولتى المتواضعة للإجابة عن الأسئلة المتكررة التي طرحها الإعلامي المثقف المصري وائل الإبراشي بشكل متكرر في برنامجه العاشرة مساء من مختلف وجهات النظر، وهي في ذات الوقت اقتراحاتي المتواضعة التي أضعها أمام الكاتب الكبير الذي نثق في عمق تجربته الصحفية والإنسانية معا مكرم محمد أحمد رئيس الهيئة الوطنية للإعلام.

أملا في أن يأتى العام القادم ولدينا مجموعة من التشريعات والإجراءات ونظام عمل دقيق وميزانية كبيرة تعيد قطاع الإنتاج الرسمي للساحة.

سعيا لعودة ماسبيرو وتنسيقا فنيا ثقافيا لصالح صور ذهنية جديدة لمصر المستقبل. حرصا على صناعة إبداعية أصبحت كبيرة وقادرة هي الدراما التليفزيونية والصور الأخرى المصاحبة لها.