القاهرة - أ ش أ

تحتفل محافظة القاهرة في شهر يوليو المقبل بمرور 150  عاما على إنشاء منطقة القاهرة الخديوية، حيث تنظم المحافظة احتفالية كبرى تستمر  على مدار عدة أيام، تضم فقرات فنية تحييها الفرق الشعبية و دار الأوبرا و معهد الموسيقى،إلى جانب إظهار عبقرية المكان من خلال تنظيم معارض وعمل نشرات تعريفية بأهمية المنطقة وتاريخها وقيمتها التراثية والفنية والثقافية.

واستعرض الأثري ولاء الدين بدوى مدير عام  متحف قصر الأمير محمد على بالمنيل اليوم تاريخ منطقة القاهرة الخديوية , مشيرا إلى أنها منطقة  قلب القاهرة في فترة الخديوي إسماعيل, وتبدأ من كوبري قصر النيل, حتي منطقة العتبة,  وعرفت في عهد محمد علي باشا التنظيم والتطوير من خلال تركيز الصناعات والحرف  في منطقة السبتية بشمال شرق بولاق, وإزالة الأنقاض والقمامة من حولها, وردم البرك  والمستنقعات المنتشرة فيها, وتحويل مساحات شاسعة منها إلى حدائق ومتنزهات.

وأوضح بدوي أن محمد علي أصدر قرارا عام 1831 أمر فيه بتعمير الخرائب, وتحديد مساحتها,  كما أنشأ في عام 1843م مجلساk أوكل إليه مهمة تجميل القاهرة وتنظيفها , وفي عام  1846 تم توسعة شارع الموسكي, وترقيم الشوارع وإطلاق الأسماء عليها , لافتا إلى  أنه حرص كذلك علي تشييد القصور الملكية الفخمة الموقعة بأسماء مصممين معماريين من  إيطاليا وفرنسا, مشترطا عليهم أن يعلم كل خبير هندسي منهم 4 مصريين فنون العمارة  والتشييد ، وكان في مقدمة تلك القصور قصر محمد علي باشا بحي شبرا.

وعلي الرغم من توالي ثلاثة خلفاء علي حكم مصر بعد محمد علي باشا، بدءا من  إبراهيم باشا مرورا بعباس الأول , وسعيد باشا , إلا أن إسهاماتهم في مجال العمارة  لم تكن بالشيء الملموس الذي يمكن التأريخ له إلا فيما ندر, مثل قصر الروضة في عهد  إبراهيم, وإنشاء حي العباسية في عهد عباس الأول, وبداية حفر قناة السويس في عهد  سعيد ,  علي عكس عهد إسماعيل باشا الذي تميز بانفجار معماري علي المستويات كافة  .

وأضاف أنه عند تولي الخديوي إسماعيل الحكم عام 1863 كانت حدود القاهرة تمتد من منطقة  القلعة شرقا, إلي مدافن الأزبكية وميدان العتبة غربا, ويغلب عليها التدهور العمراني  في أحيائها, ويفصلها عن النيل عدد من البرك والمستنقعات والتلال والمقابر,  بمساحة لا تتخطي 500 فدان , وكان تعداد سكانها في ذلك الوقت حوالى  300 ألف نسمة.

وأشار إلى أنه في زيارة الخديوي إسماعيل لباريس عام 1867 لحضور المعرض العالمي, طلب  الخديوي إسماعيل شخصيا من الإمبراطور نابليون الثالث أن يقوم المخطط الفرنسي .هاوسمان/  الذي قام بتخطيط باريس لتخطيط القاهرة الخديوية , وفي مقابلة التكليف بين  الخديوي إسماعيل وهاوسمان, طلب منه أن يحضر معه إلى القاهرة كل بستاني وفنان مطلوب  لتحقيق خططه,  وقال عبارته الشهيرة -من يشرب من ماء النيل, فسيعود له المرة تلو  المرة-.

ولفت إلى أنه بذلك أعلن الخديوي اسماعيل مشروعه في تخطيط القاهرة علي الطراز الباريسي,  واستقدم من أوروبا عمالقة التصميم المعماري, وبدأوا في تنفيذ حلم إسماعيل في  جعل القاهرة .باريس الشرق/, مشيرا إلى أن تصميم وتنفيذ المشروع استغرق  خمس سنوات  , ونجح هاوسمان فى تحويل القاهرة إلى تحفة حضارية تنافس أجمل مدن العالم, ليطلق  عليها كتاب الغرب حينذاك .باريس الشرق/ .

وأكد الأثري ولاء الدين بدوى إن القاهرة الخديوية تمثل بداية العمران المصري في صورته  الحديثة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر, وهي تعد من المشروعات العالمية  البارزة التي تمت في ذلك القرن لما بني عليه تخطيطها من دراسات للتخطيط, والتعمير  الشامل, وتحطيم عوائق التنفيذ لإخراجها سريعا إلى حيز الوجود, وبالشكل الذي يجعلها تضاهي أجمل مدن العالم.

وأوضح أنه في عام 1872 افتتح الخديوى إسماعيل شارع محمد علي بوسط البلد بطول 2.5 كيلومتر,  فيما بين باب الحديد والقلعة على خط مستقيم, وزانه على الجانبين بما يعرف  بالبواكي , وفي العام نفسه افتتح كوبري قصر النيل على نهر النيل بطول 406 أمتار,  وكان يعد آنذاك من أجمل قناطر العالم, حيث زين بتماثيل برونزية لأربعة من السباع  (الأسود) نحتت خصيصا في إيطاليا، كما افتتح أيضا كوبري أبو العلا على النيل على بعد كيلومتر تقريبا من الجسر الأول, والذي صممه المهندس الفرنسي الشهير / جوستاف  إيفل/, صاحب تصميم البرج الشهير.

وأضاف أنه تابع ذلك شق شارع كلوت بك, وافتتاح دار الأوبرا المصرية عام 1875 رسميا;  ثم أنشأ العديد من خطوط السكة الحديد وخطوط الترام لربط أحياء العتبة والعباسية  وشبرا, وتم ردم البرك والمستنقعات للتغيير من حدود المدينة, مشيرا إلى أن طموحات  إسماعيل في تحقيق النهضة المعمارية بالقاهرة لم تكن تتوقف عند حد, ولذا كان قراره  بتغيير مسار النيل ومجراه, فبدلا من أن يمر بمنطقة بولاق الدكرور وبمحاذاة شارع  الدقي حاليا وإمبابة, صار يسير في مجراه المعروف الآن, وتزامن ذلك مع تنفيذ شبكة  المياه والصرف الصحي, والإنارة, ورصف شوارع القاهرة بالبلاط, وعمل أرصفة وأفاريز  للمشاة, وتخطيط الحدائق التي جلبت أشجارها من الصين, والهند, والسودان, وأمريكا.

وتابع قائلا إنه تم تغيير مجرى نهر النيل, وتم ردم البرك والمستنقعات وفي مقدمتها  بركة عابدين التي كانت تحتل موقع الميدان الحالي, وبركة الأزبكية التي تحولت لأهم  حديقة في القاهرة تحفها المسارح ,  بينما حلت الميادين محل باقي البرك مثل ميدان  العتبة الخضراء وميدان الأوبرا, وميدان باب الحديد, وميدان سليمان باشا- طلعت حرب  حاليا .

وكشف عن أن حديقة الأزبكية التي تغنت بجمالها كتب الرحالة الأوروبيين قبل ردمها وتحويلها  إلي دكاكين وجراجات قبيحة, كانت هي ذاتها حديقة لوكسمبورج الباريسية الشهيرة  بجميع معالمها وأسوارها وأشجارها, لكن الفرق هو درجة وعيهم هناك بقيمة ما لديهم,  وجهلنا نحن بقيمة ما لدينا.   وبالنسبة لميدان عابدين وقصره الملكي الذى يتوسط قلب القاهرة الخديوية , أوضح بدوي  أن عابدين بك هو أمير اللواء السلطاني في عهد محمد علي باشا, وكان يسكن قصرا بناه  مكان القصر الحالي, وبعد وفاته اشتراه الخديو إسماعيل من أرملته وهدمه وبني مكانه  قصره الذي لايزال قائما حتي الآن, شاهدا علي العديد من الأحداث, فأمامه كانت  مظاهرة عرابي ضد الخديو توفيق عام 1882 فيه تم حصار الملك فاروق بدبابات الإنجليز  في 4 فبراير 1942.

ونوه إلى أن المعماري دي كوريل ديل روسو هو من قام بتصميم القصر وتنفيذه المعماري  وتكلف بناؤه 700 ألف جنيه مصري وقتها , بينما بلغ ثمن أثاثه 2 مليون جنيه, وظل القصر  مقرا لحكم مصر حتي قيام ثورة يوليو 1952  حيث تم تغيير اسم الميدان من عابدين  إلي الجمهورية, إلا أن اسمه الأول هو العالق في أذهان المصريين لارتباطه بالقصر.