اعداد - أمينة يوسف

في مثل هذه الأيام المباركة من كل عام ، ومع اقتراب حلول عيد الفطر، تعم مظاهر البهجة والفرحة جميع شوارع مصر ، وما بين شراء ملابس جديدة ، وعمل الحلوى التى تميز كل بيت مصرى، الى التجمع لقضاء صلاة العيد في المساجد والساحات ، وانتهاء بالعيدية التى تمنح للصغار بشكل خاص، يحتفل المصريون بالعيد.

والمصرى القديم اشتهر بصنع الحلوى فى الأعياد والمناسبات، وبالطبع لعيد الفطر مراسم خاصة، والذى يميزه كحك العيد وبعض الحلوى الأخرى.

والعيد بالنسبة للأطفال هو السعادة القصوى، حيث أنه بجانب تناول الحلويات اللذيذة، يأخذون “العيدية” من الأكبر منهم سناً ويخرجون للتنزه واللعب، متباهين أمام أصدقائهم بالملابس الجديدة، فرحين بأجواء العيد مرددين الأغاني والأناشيد.

العيدية

هي عادة عربية اسلامية منسوبة الي العيد بمعني العطاء أو العطف، وترتبط بعيد الفطر المبارك وعيد الإضحي أيضاً، وتكون عبارة عن تقديم النقود أو الهدايا أو حتي الحلوى إلي الأطفال في العيد.

وظهرت في العصر الفاطمي، وكان لها اسم آخر غير العيدية، حيث كان يطلق عليها اسم الرسوم ، وكان الأغنياء يوزعونها على الفقراء وعلى الكبار والصغار الذين استطاعوا ختم قراءة القرآن في شهر رمضان، مرفقة بملابس العيد، وبعد صلاة العيد كان الناس يستطيعون رؤية الخليفة ومصافحته لتهنئته بالعيد، فكان يقوم بتقديم الدنانير الذهبية لهم.

وفي العصر المملوكي تغير اسمها ليصبح الچامكية، وانحصرت في أن يقدمها السلطان لأغنياء الدولة ورجال الجيش، واختلف شكل تقديمها عن العصر الفاطمي لتقدم في طبق من الفضة يحمل الدنانير الذهب في منتصفه بينما كعك العيد حول تلك الدنانير ، وكان السلطان المملوكي يصرف راتباً بمناسبة العيد للأتباع من الجنود والأمراء ومن يعملون معه

وفي العصر العثماني اخذت العيدية اشكالاً اخري حيث كانت تقدم نقوداً وهدايا للأطفال.. واستمرت تلك العادة حتى العصر الحالي، ولكن التغيير الذي طرأ عليها هو أنها أصبحت تقدم للأطفال، من الوالدين والأهل والأصدقاء المقربين، وهي تبعث السعادة والفرحة في نفوس الأطفال .

الكحك ..فرعوني

يستعد الجميع في تلك الأيام لخبز “الكحك” أو شرائه، من أجل الاحتفال بعيد الفطر المبارك، والذي أصبح علامته التي تميزه هو وجود “الكحك” في كل بيت مصري،

“كحك العيد” ليس بدعة جديدة للعصور الحديثة، إنما عادة قديمة تعود إلى العصر الفرعوني، حيث كان الفراعنة هم أول من قاموا بخبزه، وكانوا يستخدمونه في تقديمه كقربان للآلهة من شدة حلاوته وقيمته الغالية لديهم، وكانت مكانة الكحك لديهم، ترجع إلى اعتقاد منهم بأنه يشبه القمر أو الشمس فاتخذوه كدلالة دينية تعبر عن معبوداتهم.

وقد ثبت ذلك على الكثير من النقوشات على جدران المعابد القديمة، وكانوا يقدمونه بأكثر من شكل ويضعون إلى جانبه دائمًا العسل الأبيض.

كما كان يتم وضع الكحك مع الموتى داخل المقابر وكانوا ينقشون على الكعك رسم الشمس الإله “آتون” أحد الآلهة الفرعونية القديمة، وهو الشكل الذى وصلنا فى العصور الحديثة حيث ما زال السيدات تقوم بنقش الكعك على شكل قرص الشمس.

ولم يعرف الفراعنة مصطلح “كحك العيد”، بينما كانوا يطلقون عليه “أنطلونه” أو “كل واشكر”، وقد أطلقت عليه الأسرة الثامنة عشر اسم “القرص”،

وعرفت مصر أكثر من 53 نوعا من الحلويات في العصور الوسطى، كما أن المصريين شعب ودود منذ القدم، ففى أول يوم للعيد كان هناك طقسا يدل على التعاون فكانوا يقوموا بتبديل أطباق الكحك مع جيرانهم ومعارفهم.

وأصل كلمة “كحك قبطية، و مفردها كحكه”، وهى فى الأصل كعكة، وأصلها هيروغليفي.

فرعوني

فإذا كانت ليلة العيد تبدأ مطابخ الخليفة ودار الفطرة في اعداد الموائد من مختلف الاشكال والالوان، وتكون دار الكسوة قد انتهت من اعداد الهدايا من الملابس يقدمها الخليفة لكبار الموظفين، هي والحلوي وفي مقدمتها كحك العيد وكان بعض ذلك يرسله الخليفة الفاطمي لليهود والنصاري.. يوم العيد.. وكان الخليفة يأمر بمد الموائد وعليها كل ما لذ وطاب يأكل منها الناس كل حسب طبقته.. بل يحمل معه إلي اهله وعياله ما يستطيع.

وكان طول المائدة يصل إلي 174 متراً وعرضها 4 امتار أما مائدة الخليفة صباح يوم العيد فكان يجلس عليها الخليفة نفسه وذلك في قاعة الذهب بالايوان الخاص بالخليفة وكان طولها 400 ذراع أي 175 متراً وعرضها نحو 4 أمتار .. وكان ما يعرض علي المائدة يكفي المدعوين ويزيد حتي كان العامة يحصلون علي نصيبهم منها لعيالهم..

وكان الخليفة الفاطمي يوزع حينها الكحك بنفسه، على الفقراء والمحتاجين كصدقة منهم وفرحة في يوم العيد، بينما كانت مائدة الخليفة تحمل أكثر من 60 صنفًا من الكحك ويقدمه لمن يزوره من ملوك وأمراء، واستمرت تلك العادة حتى العصر الأيوبي.

وفي العصر الايوبي ..أراد صلاح الدين الإيوبي أن يمحي “كحك العيد” ولكن لم يستطع..فقد حاول “صلاح الدين الأيوبي” جاهدًا محو كل العادات الخاصة بالدولة الفاطمية، ومنها “كحك العيد”، ولكن محاولاته باءت بالفشل الذريع، حيث تمسك المصريين حينذالك بعادات الأكل كلها التي أبدعها الفاطميون.

طولون   الايوبي

وجاء من بعد الدولة الأيوبية هذه، المماليك وعملوا جاهدين على تطوير تلك العادات، واهتم المماليك بالكعك وتوزيعه على الفقراء وكانت هناك سوقاً للحلاويين بالقاهرة ذكرت فى الوقفيات ومنها وقفية الأميرة تتر الحجازية توزيع الكعك الناعم والخشن على موظفى مدرستها التى أنشأتها عام 748هـ 1348م.

العصر العثماني اهتم بتوزيع “كحك العيد” على المتصوفين.. فقد استمرت فرحة صنع “كحك العيد” إلى العصر العثماني بعد المماليك، وكانوا يوزعونه على المتصوفين وفي التكيات المخصصة للطلاب والفقراء ورجال الدين وأصحاب الحرف المهنية، وأصبحت عادة وطيدة ببلاد الشام منذ ذلك الحين.

العثماني
ومع قدوم العيد كانت تحرص المصريات خاصة فى الريف وصعيد مصر على تقديم كعك على هيئة “حلقات” محلاة بالسكر ليوزع على الفقراء بالمقابر، ففى المعتقدات القديمة “يعتقد العامة أن ملاك الرحمة يقوم بتعليقها من منتصفها فى أحد فروع شجرة الحسنات”.

وفى عيد النيروز “عيد رأس السنة القبطية فى أول شهر توت” كان المصريون يقومون بعمل الهريسة ولقمة القاضى ويتبادلونها.

في عصر “الإخشيدين” .. كان الكحك هو أهم مظهر من مظاهر الاحتفال بعيد الفطر المبارك، وكانوا يحشونه بالدنانير الذهبية ويقدمونه لكبار الزوار.

وكان المصريون في هذا العهد ايام منشيء هذه الدولة عام 935 ميلادية أي اكثر من 1100 عام يعرفون إلي جانب الخبز واللحم.. كانوا يتفنون في عمل كثير من الحلوي من اشهرها الكحك المحشو بالسكر، والقرص الصغيرة التي كانت تعرف باسم “إفطن له” أي تنبه لما تأكل وابحث عما بداخله.. وكذلك الفستق الملبس بالسكر الابيض بالمسك.

 ويقول المقريزي ان قاضي مصر ابا عبد الله بن منسر اقتبس فكرة هذا الكحك من المادرائيين الذين كانوا يقومون بعمل مأموري الضرائب لانه سمع انهم عملوا الحلوي التي تسمي “افطن له” ووضعوا داخل كل واحدة منها خمسة دنانير من الذهب، فلما وضعت علي المائدة عدة اطباق كان من بينها واحد يحتوي علي هذه الدنانير، وقد وقف علي المائدة استاذ يهمس لاحد الجالسين يقول “افطن له ويشير إلي الطبق المذكور” فنتبه الرجل إلي ما فيه ويأخذ يأكل منه بصفة خاصة ليحصل علي ما فيه من الذهب، ولما رآه الناس وهو يأكل ويخرج من فمه ويجمع بيديه هذه الدنانير ثم يضعها في حجره.. تنبهوا له وتزاحموا عليه.

بائع كحك
وفي العصر الحديث نجد المصريين قد طوروا الكحك الذي ربما لا يأكله المصري الا في عيد الفطر الان.. منه كحك بالملبن، وكحك بالعجمية وهي من عسل النحل والسمن، وكحك بالجوز .. أو الفستق.. أو البندق.. أو الكحك السادة لكبار السن والمرضي..

“البيتى فور “..فرنسي

hqdefault

أما البيتى فور فهو أكلة حديثة وحلوى غربية، وتعني “الفرن الصغير”Petits fours، وهو طبق حلويات فرنسي الأصل ، وسمي بهذا الاسم لأنه صنع أول مرة بهدف استغلال حرارة أفران الفحم، وكان ذلك في القرن الثامن عشر أثناء الثورة الفرنسية.

حيث صنع البيتي فور للمرة الأولى بطريقة تقليدية في القرن الثامن عشر، أثناء عملية تبريد الأفران المصنوعة من الطوب بعد استخدام النار فيها، وذلك للاستفادة من النار الكامنة داخل هذه الأفران، وبالتالي استغلال ارتفاع درجة حرارة حرق الفحم.
ومن المفارقات حوله أنه عندما عرفت الملكة “ماري أنطوانيت”، أن سبب ثورة الشعب هو عدم توفر الخبز قالت “إذا لم يكن هناك خبزٌ للفقراء.. دعهم يأكلون كعكا”، وكانت تقصد البيتي فور، وهو ما دل على جهلها بأحوال الشعب الجائع، والبيتي فور الأصلي ليس حلو فقط بل يمكن أن يكون مالحًا أيضًا.

” الغريبة” ..تركية

سميت الغريبة بهذا الاسم لأنها صنعت أصلًا كغذاء للمغتربين، حيث كانت تصنع ليصطحبها المسافرون والطلبة المغتربون معهم أثناء السفر الطويل لتقيهم من الجوع، كما أنها كانت طعام رئيسي للحجاج، وهي أكلة مصرية نادرًا ما توجد في دولة أخرى، كما توجد أغنية شعبية قديمة تقول “يا ناعمة يا غريبة يا بتاعة الناس الطيبة”.

والغرّيبة فهى من الحلويات المعروفة في أذربيجان ولاسيما في تبريز، والغرّيبة تعرف بالفارسية قورابیه نوع من البسكويت يصنع من عدة اصناف من اللوز و الفستق و جوز الهند، و لها عدة أشكال في المطبخ التركي و المطبخ اليوناني و المطبخ الأسباني و المطبخ المكسيكي و المطبخ الفلبيني و المطبخ الأميركي، وكانت تقدم في أعياد الميلاد.

صناعة “كعك العيد” بالمتحف

20160626_120049_8802 20160626_120109_9280

المصرى القديم صوّر صناعة الكعك فى مقابر طيبة ومنف ومنها على جدران مقبرة (رخمى – رع) من الأسرة الثامنة عشر بالأقصر، وتشرح كيف كان يخلط عسل النحل بالسمن ويقلّب على النار ليضاف على الدقيق ويقلّب حتى يتحول لعجينة يسهل تشكيلها، ثم يرص الكعك على ألواح من الإردواز ثم يوضع فى الفرن.

فصناعة كعك العيد فى الأعياد من أقدم العادات التى عرفت عند المصريين القدماء حيث نشأت مع الأعياد ولازمت الاحتفال بأفراحهم، وكانت صناعة الكعك لا تختلف كثيراً عن صناعته الحالية مما يؤكد أن صناعته امتداداً لتقاليد موروثة.

وقد صنع المصرى القديم الفطير المخصص لزيارة المقابر فى الأعياد والذى يطلق عليه حالياً “الشريك” وكانوا يشكلونه على شكل تميمة ست (عقدة إيزيس) وهى من التمائم السحرية التى تفتح للمتوفى أبواب الجنة فى المعتقد المصرى القديم.

ويحتفظ متحف الفن الإسلامى بالقاهرة بالعديد من القوالب الخاصة التى كانوا يصنعون فيها الكحك في عهد الدولة الطولونية والاخشيدية والتى كتب عليها كل هنيئاً وأشكر وكذلك كل وأشكر مولاك .