أخبار مصر

موائد الرحمن .. مظلة للفقراء

قيض الله لرمضان من الخير والجود والإحسان ما ليس لغيره، وجعل في هذا الشهر ما ليس في سواه من الخير والبركات والتكافل بين الناس .
ولعل من ابرز مظاهر التكافل الاجتماعي التي يتميز بها الشهر الكريم عن باقي شهور السنة، «موائد الرحمن» تلك العطايا الخيرة لأصحاب الجود والفضل لأهل الخير من فقراء المسلمين في هذا الشهر المبارك، وهي إحدى صور المنافسة في الطاعات، والمسارعة إلى جنة عرضها السموات والأرض.
فمن خلالها تقدم أطباق إفطار تتنوع ما بين مائدة وأخرى بحسب الأحياء التي تقام فيها والأشخاص الذين ينفقون عليها.، لكن في مجملها تقدم وجبة إفطار شهية وكافية لروادها من الفقراء والمحتاجين وعابري السبيل، كما يسودها جو رمضاني حميم، يشكل مناخا طيبا لاكتساب المودة والمحبة من أناس قد لا تعرفهم، لكنك تستأنس بهم، وتسعد بمجاورتهم على مدار الشهر الكريم.

وشهر رمضان ..ليس مثل باقى شهور العام فى مواعيد تناول الطعام والشراب فقط ، ولكنه يحظى بعادات وطقوس مختلفة ،
أبرزها موائد الرحمن التى تنتشر فى طول البلاد وعرضها وإفطار “اللمة” الذي يجمع العائلات والأقارب ، وغيرها من العادات التى تختلف من محافظة الى أخرى .
وتنتشر “موائد الرحمن” في العديد من دول العالم الإسلامي والعربي، لكنها في مصر لها مذاق خاص، وطابع مميز، لاسيما وأن روادها بالملايين، حيث تزدان شوارع مصر وميادينها بـ “خيم” الموائد وأنوارها الساطعة، في مشهد رائع فاستحقت بذلك أن تكون ملاذا لفقراء مصر في هذا الشهر الفضيل.

الجوع ممنوع ..

«لا أحد يجوع في شهر رمضان».. شعار ترفعه بشكل ضمني موائد الرحمن التي تتنوع أشكالها في معظم أقاليم مصر، وتشكل نوعا من سباق الخير الرمضاني في المجتمع، في مشهد رمضاني يعكس تصاعد درجة التكافل الاجتماعي بين المصريين رغم سطوة الأزمة المالية العالمية، حيث تحفل شوارع مصر وميادينها ب “موائد الرحمن”، الجماعية المجانية، والتى يقيمها المصريون تقربا الى الله، ومساعدة للفقراء وغير القادرين .
وهناك موائد الرحمن الكبيرة، التي تقام غالبا في باحات المساجد الكبرى، وتسع المئات من الناس، وهناك موائد رحمن بسيطة تسع العشرات، وهذه تقام أمام المحلات والمقاهي الشعبية في الشوارع والنواصي و بجوار الفنادق والعقارات، أو فى مناطق فضاء واسعة، حيث يتولى القائمون عليها إعداد وجبات غذائية جاهزة فى انتظار ضيوف الرحمن.

ومن أرقى الأحياء إلى أشدها فقرا تستطيع أن تجد موائد الرحمن وقد تزينت مداخلها بالزينة الرمضانية البسيطة، وانتشرت بداخلها المقاعد المتعددة والطاولات الطويلة التي أصبحت سمة من سمات تلك الموائد، وعلى تلك الطاولات تجد كثيرا من الفقراء والمحتاجين وقد جلسوا في انتظار مدفع الإفطار كإشارة خضراء على انتهاء فترة الصيام، التي امتدت طويلا خلال ساعات النهار.

اتوبيس بنك الطعام.. فكرة ابتكرها بنك الطعام المصرى، لأتوبيس مفتوح من الأعلى يجول شوارع مصر المحروسة لينشر الخير ويكون بمثابة موائد رمضانية. ويهدف الأتوبيس الذى يتواجد بمناطق مختلفة كل يوم لتوفير مائدة إفطار عامرة.

موائد الجيش .. تعزز التكافل الاجتماعي

ويعتبر مشروع «إفطار صائم» الذي أقامه المجلس الأعلي للقوات المسلحة للمحتاجين خطوة إنسانية رائدة ومثمرة تأتي في إطار العمل الخيري الجاد لمساعدة الأسر الفقيرة والمحتاجة، التي تفتقر لتوفير لقمة العيش لأبنائها، خصوصاً في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها مصر، ومكافحة ظاهرة الجوع المتواصلة في الارتفاع، والسعي لتعزيز العمل التطوعي والمؤسسات الخيرية الإنسانية لتوفير الغذاء للفقراء.، وقد حرصت القوات المسلحة علي الإعداد والتنظيم والإشراف الجيد علي هذه الموائد الرمضانية وتزويدها بالمواد الغذائية الرئيسية للأسر الفقيرة والمتعففة التي تكفيها لمدة شهر رمضان، بالإضافة إلي الأطعمة الجاهزة للمحتاجين يومياً طوال الشهر الكريم في القاهرة والمحافظات، وتقوم بتجهيزها نواد وفنادق القوات المسلحة القريبة من هذه المناطق، بحيث تكون وجبة متكاملة تراعي احتياجات الصائمين، حرصاً منها علي المساهمة في تخفيف العبء عن كاهل البسطاء، الذين يتوافدون علي موائدها لتلبية الدعوة ومشاركة قواتهم المسلحة أحد أبرز مظاهر التكافل الاجتماعي خلال الشهر الكريم.
وتحتوي الوجبات التي توزع علي مائدة الجيش علي العناصر الغذائية كافة، وتشمل اللحوم البيضاء والحمراء والفواكه والعصائر والحلويات والمياه المعدنية، بما يشكل وجبة متميزة لمرتادي هذه الموائد، ويحرص الفقراء علي الحضور لتلك الموائد من أجل تناول طعام الإفطار بصورة يومية، وهو ما يساعد علي ترسيخ قيم التآلف والمحبة وإشاعة التكافل والتضامن الاجتماعي وتوفير فرصة رائعة لجمع معظم المصريين في لقاء اجتماعي خاص يدخل السرور إليهم وينشر المودة والرحمة بين أبناء الأمة ويقوي الروابط بين شرائح الطبقة المعدومة ومحدودي الدخل خلال الشهر الفضيل، وبدورهم عبّر آلاف البسطاء الصائمين عن سعادتهم البالغة لمؤسسة الجيش علي جهودها في عمل الخير ومساهمتها في توفير الوجبات الرمضانية عبر الإفطار الجماعي الذي ينقلهم إلي أجواء الشهر الكريم بكل ما يحتويه من نفحات إيمانية وبركة وود ورحمة بالفقراء والمساكين، إضافة إلي المساعدات الغذائية التي تقدم لهم والتي كان لها عظيم الأثر في نفوسهم.،وتتركز موائد القوات المسلحة في المناطق الشعبية والأحياء المأهولة بالسكان لإستضافة أكبر عدد من الصائمين .
وطبقا لخريطة موائد الجيش الرمضانية، فيوجد 140 مائدة موزعة بكافة محافظات الجمهورية بنحو يتجاوز 41 ألفا و600 وجبة معلبة يومياً، لتوزيعها علي الصائمين، بإجمالي مليون و248 ألف وجبة خلال شهر رمضان، وهناك ثماني موائد بمحافظة الجيزة منها مائدتان بإمبابة ومثلهما بالوراق ومائدتان ببولاق الدكرور ومائدتان بالصف، وتسع هذه الموائد أكثر من 4 آلاف فرد.

وفى مطروح ينتظر سكان واحة “الجارة” أصغر واحة فى مصر هدية الرئيس من مواد غذائية و تخصيص أتوبيس لنقل سكان الواحة الى سيوة ومطروح .، وفي جنوب سيناء يتم تجهيز “المقعد البدوى” الذي يقام علي بعد أمتار من خيام ساكنى التجمع البدوي سمة مميزة خلال الشهر بمستلزمات استقبال الضيوف وإعداد طعام “الفراشيح ” وعقب انتهاء الافطار يحرص البدو علي اقامة حفلات السامر ليروي اكبر الحاضرين سناً سير السابقين اصحاب البطولات ومجاهدي سيناء الذين كان لهم بطولات وطنية طيلة السنوات العديدة الماضية
وفى البحر الأحمر ، يحتفظ قبائل حلايب وشلاتين وأبورماد ببعض الطقوس الرمضانية مثل الذبائح والولائم وإستضافة عابر الطريق.
وفى أسيوط والإسماعياية تتجمع القرى فى سهرات للإستماع الى قراء القرآن عقب صلاة التراويح حيث تتنافس العائلات في جلب كبار القراء لهذه السهرات.

وتعود فكرة موائد الرحمن إلى الولائم التي كان يقيمها الحكام وكبار رجال الدولة والتجار والأعيان في عهدالفاطميين وكان يطلق عليها
“سماط الخليفة”، وموائد الرحمن، وكان القائمون على قصر الخليفة الفاطمي يوفرون مخزوناً كبيراً من السكر والدقيق لصناعة حلوى رمضان مثل الكنافة والقطايف وغيرها.
ولم تقتصر هذه الأوقاف الخيرية على موائد رمضان، وتوفير الطعام للفقراء والمساكين، بل امتدت رسالتها إلى التوسع عليهم يوم عيد الفطر ليعيشوا فرحة هذا اليوم وبهجته فكان ينص الواقفون وهم الذين يخصصون وقفاً خيريا للولائم وموائد الرحمن على شراء كميات من الكعك والتمر والبندق لتوزيعها على المستحقين والفقراء، واشتهرت في هذا العصر الأوقاف الخيرية التي كان يخصصها الأمراء والسلاطين لإطعام الفقراء والمساكين عن طريق موائد الرحمن وتوزيع الطعام المجهز عليهم، والذي كان يشتمل على اللحم والأرز والعسل وحب الرمان.

وقد استمرت موائد الرحمن مرتبطة بشهر رمضان عبر العصور الإسلامية المختلفة وظل الأغنياء يتسابقون إليها كل عام، ويعدون لها العدة حتى تطورت ووصلت لوقتنا هذا، حيث يقوم الأغنياء بإعداد موائد الرحمن لكل المحتاجين وعابري السبيل.

الليث بدأها.. وابن طولون نشرها ..

وبدأت أول مرة في مصر فكرة موائد رمضان على يد الفقيه المصري الشهير الليث بن سعد (94-175ه) “الذي كان ثرياً ومعروفاً بالكرم، فكان يقيم موائد لإفطار الصائمين خلال الشهر الكريم، والتي يقدّم عليها أشهى الأطعمة، خاصة الهريسة (حلوى مصرية) التي عُرفت باسم هريسة الليث.
ويرجح بعض المؤرخين البداية الحقيقية لموائد الرحمن الي عهد هارون الرشيد حيث كان يقيم موائد الإفطار في حدائق قصره, وكان يتجول متنكراً بين الموائد, يسأل الصائمين رأيهم في جودة الطعام ومدي كفايته.

لكن أول من أقام موائد الرحمن بالشكل المتعارف عليه في مصر حالياً، هو أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية فى مصر، حيث اعتاد في السنة الرابعة لولايته أن يقيم مأدبة طعام في أول أيام الشهر.

ودعا لها كبار دولته والتجار والأعيان وخطب فيهم “إنني لم أجمعكم إلا لأعلمكم طريق البر بالناس، وأنا أعلم أنكم لستم في حاجة إلى ما أعده لكم من طعام وشراب، ولكنني وجدتكم قد أغفلتم ما أحببت أن تفهموه من واجب البر عليكم فى رمضان، ولذلك فإنني آمركم أن تفتحوا بيوتكم وتمدوا موائدكم وتهيئوها بأحسن ما ترغبونه لأنفسكم فيتذوقها الفقير المحروم”، وأخبرهم أن هذه المائدة سوف تظل طيلة الشهر الكريم.

مائدة الفاطميين..

رغم انحسار ظاهرة موائد الرحمن تدريجياً بعد وفاة ابن طولون، إلا أنها عادت لتوفر للصائمين من الفقراء والمحتاجين حاجتهم من الطعام، في عهد العزيز بالله الخليفة الفاطمي، حيث كان يعد مائدة لإفطار الصائمين في قاعة الذهب بقصره، وعرفت تلك المائدة باسم السماط، وكانت تمتد من الليلة الرابعة من شهر رمضان حتى الليلة السادسة والعشرين، وكانت هذه المائدة مخصصة لكبار رجال الدولة والقضاة.

أما بالنسبة للفقراء فكان يقيم مائدة كبيرة، عند كل من جامع عمرو بن العاص والأزهر الشريف، وكان يخرج من مطبخ قصر العزيز بالله كل يوم 1100 قدر من شتى صنوف الأطعمة لتوزع على الفقراء والمحتاجين.

ولشدة عناية العزيز بالله بالفقراء، وخاصة في شهر رمضان، أنشأ ما يعرف بـ”دار الفطرة”خارج قصره، وكانت مخزناً للمواد الغذائية ومطبخاً من أجل إطعام الناس في شهر رمضان والعيد، وكان يبدأ العمل فيها من أول رجب إلى آخر رمضان، ويقوم العاملون فيها بإعداد الطعام، وصناعة الحلوى، وكان يصل طول الموائد التي تخدمها دار الفطرة إلى نحو 175 متراً.

أما في العصرين المملوكي والعثماني فقد تراجعت ظاهرة موائد الرحمن بسبب انتشار الحروب، لكن رغم ذلك استطاع بعض السلاطين والملوك وقف بعض أموالهم لإطعام الفقراء خلال الشهر، خصوصاً الملك الظاهر بيبرس الذي كان يوزع الطعام على الفقراء في بيوتهم، حيث كان يعطيهم الدقيق والسكر والمكسرات ولحم الضأن.

مائدة الملك فاروق..
لكن تظل أهم مائدة عرفتها مصر خلال المائة عام الماضية، هي مائدة الملك فاروق التي كانت تقام كل عام، حيث كانت تفتح أبواب القصر أمام الفقراء لتناول الطعام على المائدة الملكية، لكن بعد الحرب العالمية الثانية قرر الملك فاروق تعميم موائد الإفطار في كافة المدن المصرية، وأيضاً كان يقوم بتوزيع بعض المال مع قدوم الشهر الفضيل.

وبعد ثورة يوليو 1952 أصبحت موائد الرحمن تقام تحت رعاية بنك ناصر الاجتماعي، وأيضا ظهرت أول مائدة رحمن قبطية في حي شبرا، عام 1969 والتي أقامها القمص صليب متى ساويرس راعي كنيسة مار جرجس لإفطار المسلمين والمسيحيين في شهر رمضان بميدان الأفضل بشبرا.
وفي العصر الحديث بدأت تزدهر تدريجياً وأصبح شكل موائد الرحمن مختلفاً فكثير من المساجد أو الجمعيات الخيرية أصبحت تقيم موائد للإفطار، كما أن هناك أثرياء يقيمون بدورهم موائد رحمن سواء في الأحياء الراقية أو الشعبية.
ومنذ مطلع السبعينيات بدأت موائد الرحمن بالازدهار وانتشرت في العديد من الدول العربية والاسلامية.

وقد أخذت موائد الرحمن مساحة كبيرة من الحديث في كتاب “وصف مصر” الذي أعده علماء الحملة الفرنسية على مصر وذكروا أنها عادة رمضانية حيث يتولى الأعيان والتجار إقامة الموائد في الشوارع الكبرى ويتبارى كل منهم في تقديم أشهى المأكولات التي يغلب عليها طابع الحلويات، وفي المساء تبدو الشوارع مضاءة وصاخبة، ويجتمع الناس في أبهى الملابس وينغمسون في كل أنواع التسالي.

موائد أهل الفن..

مع بداية الألفية الجديدة، وتحديداً في السنوات الأخيرة ظهرت موائد الرحمن الخاصة بالفنانين والراقصات التي أثارت جدلاً واسعاً بين الناس ورجال الدين، والذين أيد بعضهم فكرة إقامتهم للمائدة والبعض امتنع عن إبداء الرأي.

من أشهر موائد الفنانات مائدة فيفي عبده الشهيرة، في شارع جامعة الدول العربية، وأيضاً موائد دينا، شيريهان، روبي، بوسي سمير، شيرين عبد الوهاب بعضهن اخترن أماكن راقية لإقامة موائد الرحمن، وبعضهن فضلن إقامتها في الأماكن الشعبية.
فالفنانة الاستعراضية شيريهان تقيم كل عام مائدتين، الأولى بجوار عمارة “ليبون” الشهيرة بحي الزمالك، أما الثانية فأمام قصرها الشهير بـ”المنصورية”، وهي بذلك فضلت الأماكن الراقية مثل فيفي عبده.

على عكسهما أقامت المطربة الشابة شيرين عبد الوهاب مائدتها في حي البساتين الذي نشأت فيه، وكلفت والدها سيد محمد عبد الوهاب بالإشراف بنفسه على المائدة، وأيضا هناك مائدة الراقصة”بوسي سمير” التي اختارت منطقة”بولاق أبو العلا”، وتحظى المائدة باهتمام مباشر منها حيث تشرف عليها بنفسها.

الأوضاع الاقتصادية ..
رغم ازدهار موائد الرحمن لدى الفنانين، لكن عدد الموائد انخفض بشكل ملحوظ في العامين الماضيين، نتيجة الأوضاع الاقتصادية السيئة، والارتفاع المستمر في أسعار السلع التموينية، وأيضا لإغلاق عدد من الجمعيات الخيرية الإسلامية، التي كانت تقيم الموائد، وتقدم المساعدات المادية والعينية للفقراء من خلال شنط رمضان، وكانت هذه الجمعيات منتشرة في كافة محافظات مصر.

حكم موائد الرحمن..

أجمع العلماء على جواز إقامة موائد الرحمن، لما تمثله من تجسيد واقعي لمعنى التكافل في الإسلام، لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا” .
وعلى المسلم أن يتنبه إلى ضرورة إخلاص النية لله تعالى في ذلك وأن يكون قصده رضي الله تعالى لا رياءً ولا سمعة حتى يكون عمله مقبولًا عند الله تعالى.