أخبار مصر

روحاني .. “إصلاحي” لكن ليس مع العرب

إكتملت اليوم سيطرة التيار  المسمى “المعتدلين الإيراني” على شئون الحكم وإتخاذ القرار ، بفوز الرئيس الإيراني حسن روحاني في إنتخابات الرئاسة 2017. . بفترة رئاسة ثانية بأغلبية مريحة.

وأعلن وزير الداخلية الإيراني عبد الرضا رحماني فضلي أن روحاني فاز بـ 23.5 مليون صوت بنسبة 57 % مقابل 15.7مليون صوت بنسبة 38.5 % لمنافسه رئيسي.

وقال إن عدد المصوتين بلغ 41.2 مليون ناخب، فيما وصف بأنه إقبال كبير بشكل غير متوقع.

واعتبر روحاني أن الفائز الحقيقي هو الشعب الإيراني. .وتعهد في تغريدة على تويتر بأن يبقى مواليا لمؤيديه.

ولقي فوز روحاني ترحيبا دوليا شمل تعبيرا عن الأمل في استمرار الحوار بين إيران والعالم.

وكان قائد الثورة الاسلامية آية الله علي خامنئي قد عبر عن شكره وتقديره للشعب الايراني على مشاركته التي وصفها  بالحماسية الواسعة في الانتخابات.

وقال إسحاق جهانجيري، نائب الرئيس الذي انسحب من الانتخابات قبل أسبوع واحد من التصويت، في تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي تويتر: “أهنيء الأمة الإيرانية بهذا الفوز العظيم والملحمة الكبيرة التي لا تُنسى التي سطرها هذا الشعب، والتي أثبتت أنه ماض على الدرب الصحيح إلى الحكمة والأمل.”

إيران بين مشهدين 

لا تبدو إيران كما كانت قبل 4 أغسطس 2013، تاريخ تسلم الرئيس حسن روحاني مهام منصبه لأول مرة . فقد تغيرت ملامح المشهد بشكل ملحوظ. من سيطرة مطلقة للمحافظين الأصوليين إلي صعود تدريجي للمعتدلين من المحافظين والإصلاحيين في الداخل، ومن تشدد وراديكالية إلي مرونة وصفقات في الخارج.

ومن خلال هذا الملف سنحاول النظر إلى مقومات السياسة الخارجية لإيران وخاصة في منطقتنا العربية في ظل رئاسة “حسن روحاني” وسيطرة التيار الإصلاحي المفترض أن يكون معتدلا.

لم يكن نجاح حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية الحادية عشرة ” 2013 ” نجاحاً للتيار الإصلاحي، بل هو نجاح لسياسي من داخل المؤسسة لكن لديه آراء سياسية أقل تشدداً في قضايا الحريات الاجتماعية.

كما أنه حاول أن يقدم توجهات لحل المشاكل الاقتصادية في إيران عبر التقدم في مسألة التفاوض حول برنامج إيران النووي، التي بدأها عندما كان أميناً عاماً لمجلس الأمن القومي الإيراني بعد عام ٢٠٠٣.

والسؤال المهم الآن هو: هل كان روحاني يمتلك الأدوات التي يستطيع أن يفرض بها توجهاته السياسية دون حضور المرشد الأعلى للثورة علي خامنئي وكذلك مؤسسة الحرس الثوري؟ بالطبع لم يكن من الممكن، فتحقيق الاتفاق النووي كان أقرب للمستحيل دون حضور للمؤسسة السياسية للنظام بكل لاعبيها بما فيها الرئاسة.

لقد لعبت السياسة الخارجية الإيرانية -خلال عهد روحاني- على تأكيد أن إيران تدار بلون واحد من السياسة، وأن التعدد ربما لم يكن موجود إلا بشكل تكتيكي وليس إستراتيجياً، لكن السؤال الأهم في هذا السياق هو حول ما حصل في رئاسة روحاني فيما يتعلق بالسياسة الخارجية وإنهاء مقولة وجود صوتين بإيران في مؤسسة صناعة القرار؟

وربما يكون روحاني تجنب المواجهة المباشرة مع المؤسسة الدينية التقليدية ومؤسسة الحرس الثوري لأسباب سياسية تتعلق بطموحه الشخصي في العودة رئيساً في الانتخابات الثانية عشرة، لكن ذلك لم يُخفِ وجود حرب كلامية وانتقادات لسياسات حكومة روحاني من المحسوبين على المؤسسة المحافظة والحرس الثوري.

بالطبع تجاوز هذا الأمر السياسة الداخلية إلى السياسة الخارجية، ولا سيما التشكيك في نتائج الاتفاق النووي ومدى صدقية الولايات المتحدة الأميركية والغرب في الوفاء بالتزاماتهم نحو طهران وينطبق هذا أيضا على الحضور العسكري الإيراني في سوريا والعراق، وهو الذي كان يتم بعيدا عن المؤسسة السياسية من حيث نقاشه.

وفي الحقيقة تزايدت عسكرة السياسة الخارجية الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط مقابل التفاوض بشأن البرنامج النووي مع القوى الخمس الكبرى (الولايات المتحدة، روسيا، بريطانيا، فرنسا، الصين) وألمانيا. . لقد أصبح العمل الأساسي لوزارة الخارجية الإيرانية التبعية وتبرير ما يفعله الحرس الثوري في سوريا والعراق واليمن ومحاولات وضعه في سياقات سياسية.

حين بدأ روحاني حملته الانتخابية عام ٢٠١٣ جعل ضمن أولوياته إخراج إيران مما يسمى “المربع الأمني”، أي الدولة التي ينظر لها العالم على أنها تهديد.

وخلال هذه السنوات حاول وحكومته تحقيق ذلك، لكن الواضح أن شيئاً لم يتحقق سواء بالنسبة إلى نظرة المنطقة لإيران أو حتى دول كثيرة في العالم.

ويبدو أن التصور الموجود اليوم هو أن السياسة الخارجية الإيرانية في تدخلاتها الإقليمية تسير في مسار متطرف، في ظل عسكرة يعمل السياسيون على تبريرها.

لقد حضرت ملفات السياسة الخارجية في الانتخابات الرئاسية الإيرانية بشكل خجل، وهو حضور مرتبط بالأوضاع الداخلية لا سيما الاقتصادية منها.

تعد عسكرة السياسة الخارجية الإيرانية بمنطقة الشرق الأوسط من العلامات المميزة لفترة رئاسة روحاني، وحاليا  تبدو إيران في مواجهة جملة من التطورات تجعل مسار عسكرة السياسة الخارجية هو الخيار ربما الوحيد بامتياز.

ذلك أن التطورات التي تبعت تولي دونالد ترمب مقاليد الأمور في البيت الأبيض، وموقف إدارته المعادي للنظام السياسي في إيران، وشعور الخصومة المتنامي في جوار إيران، سواء بين الحكومات وأوساط الرأي العام، تدفع بأجندة السياسة الخارجية إلى حالة من الدفاع عن النفس، وهذا بحد ذاته يدفع بالهاجس الأمني والعسكري للحضور في المشهد السياسي.

ربما تحدث المرشحون عن سياسة خارجية تقوم على الانفتاح، لكن الانفتاح الذي يطرح في طهران لن يكون بالضرورة مقبولاً من دول المنطقة، مما يبقي سياسة إيران الخارجية برمتها -وفي المنطقة بشكل خاص- في مربع الاتهام.

في سياق متصل؛ قد يكون الحديث عن انفتاح في السياسة الخارجية أو عن نوع من البراجماتية نوعاً من التكتيك لتحقيق بعض الانفراجات الاقتصادية ولو كانت مؤقتة، لتخفيف بعض مظاهر الاحتقان الاجتماعي بسبب تراجع الأوضاع الاقتصادية.

تأثير سيطرة الإصلاحيين

بقدر ما حملته نتائج انتخابات الرئاسة 2017 وقبلها انتخابات مجلسيى الشورى والخبراء في مارس 2016، من دلالات مهمة على صعيد المشهد السياسي في إيران وتوازنات القوى داخله، بقدر ما أُثيرت بشأنها تساؤلات من حيث تداعياتها المحتملة على المسارات المستقبلية للسياسة الخارجية الإيرانية، سواء تجاه العالم الخارجي بشكل عام، أو تجاه إقليم الشرق الأوسط، وفي القلب منه منطقة الخليج العربي بشكل خاص.

يعد غياب قضايا السياسة الخارجية عن برامج المرشحين في انتخابات مجلس الشورى الإيراني على وجه التحديد، هو أمر معتاد في تاريخ هذه الانتخابات بشكل عام، ولم تكن الانتخابات الأخيرة استثناءً من ذلك، وهو ما يمكن إرجاعه إلى مجموعة من العوامل، أولها سيطرة الشأن المحلي الإيراني وما يرتبط به من قضايا داخلية على أولويات الناخبين والمرشحين على حد سواء.

وثانيها، أن البرلمان الإيراني يظل دوره ثانوياً في القضايا المتعلقة بالسياسة الخارجية الإيرانية، ويمثل الاتفاق النووي مع مجموعة (5+1) نموذجاً ذا دلالات مهمة في هذا الشأن، خاصةً بعد أن هدد البرلمان بعدم الموافقة على أي اتفاق نووي مع الغرب، وهو الأمر الذي تم تجاوزه في النهاية.

أعلنت المفوضة العليا للسياسة الأوروبية الخارجية والأمنية فيديريكاموجريني أن المتفاوضين بشأن البرنامج النووي الإيراني توصلوا إلى اتفاق خلال الاجتماع الذي عقد في العاصمة النمساوية فيينا يوم 14 يوليو 2015.

وأكدت أن الاتفاق وملاحقه سيقدم لمجلس الأمن الدولي للتصديق عليه، موضحة أنه سينفذ بالتنسيق والتعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وذكرت وكالة الأنباء الإيرانية أن الاتفاق ينص على الإفراج عن جزء من الأرصدة الإيرانية المجمدة في الخارج.

وحرصت الوكالة على توضيح أن المنشآت النووية في البلاد ستستمر في العمل، وأنه “لن يتوقف أي منها أو يجري التخلص منها.. إيران ستواصل التخصيب، وأبحاث وتطوير أجهزة الطرد المركزي (أي أر6 وأي أر-5 وأي أر4 وأي أر8) ستستمر” لمدة عشر سنوات، “وبما يتفق مع خطتها لأنشطة البحث والتطوير الخاصة بالتخصيب”.

وذكر الإيرانيون أن حظر السلاح سيرفع وستحل محله قيود جديدة، بحيث سيكون بإمكان طهران أن تستورد وتصدر الأسلحة على أساس أن تقدر كل حالة بقدرها.

وبحسب الإيرانيين، فإن العقوبات الاقتصادية والمالية الأوروبية والأمريكية على إيران سترفع عند بدء تنفيذ الاتفاق.

دبلوماسيون أكدوا أن الاتفاق ينص على إعادة العقوبات على إيران خلال 65 يوما في حال عدم الالتزام به، ويدعو للسماح بدخول الأمم المتحدة إلى كل مواقع إيران النووية.

كما أن حظر الأسلحة الأممي المفروض على إيران سيستمر خمس سنوات، مثلما سيستمر الحظر على مبيعات الصواريخ لمدة ثماني سنوات.

ويسمح الاتفاق لطهران بتصدير منتجات نووية كاليورانيوم المخصب، وقالت مصادر للجزيرة إنه ينصكذلك على إلغاء تجميد المليارات من الأرصدة الإيرانية بالخارج.

كما يسمح بدخول المفتشين إلى المواقع المشبوهة بما فيها المواقع العسكرية، ولإيران تأجيل دخولهم أو التظلم إلى هيئة تحكيم تكون هي طرفا فيها.

 

ومقابل التزامات إيران تتعهد الأطراف الأخرى، برفع كافة العقوبات عن إيران بما فيها العقوبات المفروضة من الأمم المتحدة وبشكل مواز مع تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتتعهد الولايات المتحدة الأميركيةوالاتحاد الأوروبي بعدم فرض أي حظر جديد على إيران ن كما تتعهد كافة الأطراف باحترام نصوص الاتفاق وعدم الإقدام على أي خطوة تسيء للاتفاق وأهدافه.

وفي حال الاختلاف أثناء تطبيق الاتفاق تنظر اللجنة المشتركة المكونة من جميع الأطراف في أي خلاف يطرأ في مرحلة تطبيق الاتفاق لمدة 15 يوما، وإن عجزت اللجنة عن حلها تحال المشكلة إلى وزراء الخارجية، وفي حال لم تحل خلال 15 يوما، تحال المشكلة إلى لجنة استشارية مؤلفة من ثلاثة أشخاص بينهم عضو مستقل.

وفي حال استمر الخلاف، تحال المسألة إلى مجلس الأمن، الذي سيصوت بدوره على رفع أو استمرار الحظر المفروض على إيران.

وفي حال فشل مجلس الأمن في استصدار أي قرار، يعاد فرض عقوبات الأمم المتحدة على طهران، من جديد.

لا يعني غياب قضايا السياسة الخارجية عن برامج المرشحين في الانتخابات التشريعية الإيرانية الأخيرة، انعدام تأثيرها على السياسة الخارجية الإيرانية، إذ من المتوقع أن يكون لها تأثير في بعض دوائر هذه السياسة، وفي مقدمتها علاقات إيران مع الغرب، خاصةً الدول الأوروبية، التي قد تشهد نوعاً من “الانفتاح المحسوب” خلال الفترة القادمة.

ويمكن اعتبار الزيارات التي قام بها الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى كل من إيطاليا وفرنسا والفاتيكان في نهاية يناير 2016 ، بداية لهذه المرحلة الجديدة في الدبلوماسية الإيرانية، حيث سيتم البناء عليها في السنوات المقبلة، إضافة إلى تعزيز العلاقات القائمة بالفعل مع دول مثل روسيا والصين والهند، بهدف فك العزلة السياسية والاقتصادية التي عانتها إيران على مدار أكثر من عقدين كاملين.

أما عن التأثير المحتمل لنتائج انتخابات مجلس الشورى الإيراني في هذا الشأن، فيمكن إلقاء الضوء عليها من خلال بُعدين رئيسيين، هما:

1- ما كشفت عنه نتائج هذه الانتخابات بأن ثمة قدراً كبيراً من الدعم للسياسة الخارجية التي اتبعها الرئيس روحاني في الانفتاح على العالم الخارجي، وتحديداً منذ التوصل إلى الاتفاق النهائي بشأن أزمة البرنامج النووي الإيراني في يوليو 2015 . ولعل هذا ما يمكن فهمه من تصريح الرئيس الإيراني حسن روحاني، قبيل الانتخابات، بأنها “ستكون بمنزلة الاستفتاء على السياسات التي انتهجها منذ توليه مقاليد الحكم وحتى الآن”، وعلى ما يبدو فإن الاستفتاء جاء في صالحه، ليمثل أحد العوامل الدافعة نحو استمراره في تبني هذه السياسة.

2- حاجة الرئيس الإيراني إلى تركيبة سياسية أكثر انسجاماً داخل البرلمان بما يتماشى مع سياسته “الانفتاحية” تجاه الغرب، لاسيما أن البرلمان الإيراني، على الرغم من تمتعه بصلاحيات محدودة في هيكل السلطة داخل إيران، يمكن أن يمثل عائقاً أمام روحاني في هذا الشأن؛ إما من خلال رفض إقرار مشروعات القوانين الاقتصادية ذات الصلة بتنظيم العلاقة مع الغرب مثلما حدث مع الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي خلال الفترة الممتدة بين عامي 1997 و2005، أو من خلال رفض تعيين بعض الوزراء، مثلما حدث خلال فترة حكم الرئيس السابق أحمدي نجاد.

في هذا السياق، يمكن القول إن مجلس الشورى العاشر بتركيبته الحالية كان له دور “داعم” للرئيس الإيراني في ضبط عملية “الانفتاح” الاقتصادي، من خلال دوره في إقرار التشريعات المرتبطة بالسياسات الاقتصادية التي من شأنها تنظيم علاقة إيران مع الدول الأوروبية بشكل خاص، على نحو يُحرر الرئيس الإيراني نسبياً من قيود الصراعات مع المحافظين في هذا الشأن، وهو ما يراهن عليه روحاني بعد نجاح الإصلاحيين في الانتخابات الأخيرة لمجلس الشورى، خاصةً أن الاقتصاد الإيراني مازال في حاجة إلى سنوات إضافية قبل أن يتمكن من استعادة ثقة المستثمرين الأجانب.

السياسة الإيرانية وصناعة التوتر في الشرق الأوسط

إن سياسة “الانفتاح” التي يتبناها الرئيس حسن روحاني تجاه العالم الخارجي والغرب تحديداً والمتوقع استمرارها بعد الانتخابات الأخيرة، لا يمكن إسقاطها على السياسة الخارجية الإيرانية تجاه منطقة الشرق الأوسط وتحديداً دول الجوار في الخليج العربي وسوريا والعراق ولبنان ، فهذا “الانفتاح” المشار إليه استدعته “ضرورات” اقتصادية بالأساس ويتم بـ”دعم” أو على الأقل “عدم ممانعة” من القيادة الدينية، مُمثلة في المرشد الأعلى، والأمنية، مُمثلة في الحرس الثوري.

ومن ثم لا يعني ذلك حدوث تغيير في منطلقات وأهداف السياسة الخارجية الإيرانية التي تخدم مشروع توسعي إيراني في المنطقة، لم تتخل عنه طهران منذ قيام الثورة في عام 1979، وربما كان الاختلاف من فترة حكم إلى أخرى في أدوات تنفيذ المشروع بالأساس.

وثمة فكرة يحاول بعض الكتَّاب الإيرانيين المحسوبين على “الإصلاحيين” تصديرها إلى بعض دول المنطقة، وهي أن “الإصلاحيين” و”المعتدلين” في إيران يسلكون فى السياسة الخارجية طريق “التعامل” أو “الانخراط” Engagement، ويرغبون في علاقات جيدة مع الدول المهمة والمؤثرة سياسياً واقتصادياً في المنطقة، مثل السعودية ودول الخليج العربية، إضافة إلى دول، مثل تركيا ومصر تسعى إيران إلى “التعامل معهم”.

ويضيف هؤلاء أن برلماناً يملك عدداً أكبر من الإصلاحيين سيدعم توجهات الرئيس روحاني في مزيد من الانفتاح على الدول المجاورة، وتهدئة التوتر الذي يسود الإقليم.

وفي واقع الأمر، من الصعب تصور أن يكون لنتائج الانتخابات الرئاسية والتشريعية الإيرانية الأخيرة تأثير حقيقي على السياسة الخارجية الإيرانية في المنطقة، وتحديداً تجاه دول الجوار، وذلك لعدد من الاعتبارات التالية:

1- إن السياسة الخارجية الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط تحكمها اعتبارات “الثورة” وليس “الدولة”، ويديرها بصورة أساسية المرشد الأعلى للثورة الإيرانية وقيادات الحرس الثوري الإيراني وممثليه في وزارة الخارجية وأجهزة الأمن والمخابرات.

وتكشف التجارب الماضية عن أن تعاقب الرؤساء والتيارات السياسية على الحكم في طهران بين إصلاحي ومعتدل ومتشدد، لم تُسفِر عن معارضة حقيقية لسياسات المرشد تجاه المنطقة. فالرئيس الإيراني حسن روحاني ووزير الخارجية جواد ظريف، المحسوبان على التيار “الإصلاحي”، وآخرون، على الرغم من تبنيهم دبلوماسية الانخراط والتعامل مع دول المنطقة، لم يستطيعوا فعل شيء أمام السياسات العدائية التدخلية التي يتبناها الحرس الثوري الإيراني المدعوم مباشرة من المرشد الأعلى تجاه العديد من دول المنطقة وخاصة سوريا والعراق ولبنان واليمن ودول الخليج .

2- لا توجد اختلافات جوهرية بين “المحافظين” و”الإصلاحيين” في إيران فيما يتعلق بالسياسة الإيرانية في المنطقة، فقد تنافس في إنتخابات الرئاسة “الرئيس حسن روحاني” ممثلا للمعتدلين و ” ابراهیم رئیسي ” ممثلا للمحافظين وإثنين آخرين أكثر تشددا وفي الإنتخابات التشريعية السابقة تنافست ثلاثة تيارات أساسية (التيار المحافظ ويضم المتشددين، والتيار الإصلاحي ويضم إصلاحيين ومحافظين أقل تطرفاً، وذلك تحت مسمى “قائمة الأمل”، وتيار الاعتدال الذي كان يتزعمه الراحل هاشمي رفسنجاني، ويُقال عنه التيار البرجماتي ويضم أيضاً إصلاحيين ومحافظين).

هذا التقسيم قياساً إلى السياسة الخارجية الإيرانية تجاه المنطقة يتسم بقدر كبير من المرونة، لدرجة تكاد تختفي معها أي فروق جوهرية في هذا الشأن، فجميعها يتفق على خدمة المشروع التوسعي الإيراني في المنطقة، وتبدو الاختلافات كما سبقت الإشارة في أدوات التنفيذ.

وعلى الرغم من أن خبرة التاريخ الإيراني تشير إلى أن التيار “الإصلاحي” غالباً ما يعتمد في سياساته على الأدوات الدبلوماسية، التي يصاحبها عادة انفراجة ما في علاقات طهران مع دول الجوار على نحو ما بدا خلال فترة حكم الرئيس الأسبق محمد خاتمي والعامين الأول والثاني من حكم الرئيس الإيراني الحالي حسن روحاني، بيد أن الفترة الحالية التي أصبح يسيطر عليها “الإصلاحيون” و”المعتدلون” في إيران، ربما تمثل استثناءً من ذلك، على نحو يُتوقع معه أن يظل الطابع “الصراعي” هو المسيطر على هذه العلاقات حتى بعد الانتخابات الأخيرة في إيران، وذلك استناداً إلى عدد من العوامل، منها:

أ- توقيت الانتخابات الإيرانية الأخيرة، فقد جاءت في وقت تشهد فيه العلاقات الإيرانية – الخليجية، وتحديداً مع السعودية، توتراً وتصعيداً غير مسبوقين، لدرجة انتقلت فيها هذه العلاقات من “مرحلة الحرب الباردة” إلى مرحلة “المواجهة المفتوحة” في كل من اليمن وسوريا والعراق ،  وتم ذلك في ظل وجود رئيس إيراني محسوب على “الإصلاحيين” وليس “المحافظين”.

ب- عوامل الصراع باتت أكثر قوة وتأثيراً وتعقيداً في مناطق الاشتباك بين إيران ودول الخليج، فبالإضافة إلى دائرة الخليج التقليدية والتي تعد حالة البحرين محورها الرئيسي، فإن السياسة الإيرانية تجاه دوائر الاشتباك الأخرى بين إيران ودول الخليج التي تمتد لتشمل اليمن وسوريا والعراق ولبنان، دخلت في مرحلة أكثر تعقيداً على نحو يصعب معه تصور أن تكون هناك تفاهمات مشتركة بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران بشأنها.

ج- لا توجد مؤشرات تفيد بأن إيران بصدد إجراء مراجعة لسياستها تجاه دول الجوار على نحو يدفع تجاه مرحلة جديدة من التهدئة، بل العكس من ذلك، تفيد بعض التقديرات بأن “إيران تحاول التمدد  وزيادة بؤر التوتر ف اليمن [ بدعم الحوثيين  بإعتبارهم ذراعها لإشعال الأوضاع على الحدود السعودية الجنوبية[ ودعم كل من الحكومتين الشيعيتين في سوريا والعراق بمواجهة سكان البلدين من السنة.  ،”. وهو ما يدعم التواجد الإيراني المباشر شمال وجنوب دول الخليج العربي

خاتمة:

إن المراقب لتطورات السياسية الخارجية الإيرانية في ظل ولاية الرئيس “حسن روحاني” الأولى ” لا يمكنه أبدأ التفرقة بين رئيس إصلاحي أو محافظ أو متشدد فجميع من يتولون السلطة في إيران نهجهم واحد تجاه دول الجوار العربي ، شاء أم أبى، وهو تأجيج الصراع “السني الشيعي” ومحاولة الهيمنة على منطقة الخليج العربي واليمن  والهلال الخصيب في سوريا والعراق ولبنان.

وأن كل ما يحدث الآن هو إشعال لحروب بالوكالة تخوضها أطراف غير إيرانية لصالح المشروع الإيراني سواء كانوا “حزب الله” في لبنان أو” الحشد الشعبي “في العراق أو العلويين في سوريا أو الحوثيين في اليمن.

والسؤال الذي يفرض نفسه هو هل ستقدم إيران”الإصلاحية “في مرحلة ما قريبة على حرب مباشرة مع دول الخليج العربي ؟!