اعداد - أمينة يوسف

النجم الذي صعد سلم المجد من القاع حتى وصل إلى قمة لم يسبقه إليها أحد ولم يلحقه بها حتى الآن إنه الفنان أنور وجدي أو محمد أنور الفتال الذي ولد في 11 أكتوبر 1911 لأبوين سوريين عاشا بالقاهرة وقاسى كثيرا في بداياته الفنية .

عانى انور وجدى في بداية حياته الفقر لدرجة جعلته يتمنى الثراء مقابل فقدان صحته وكافح إلى أن أصبح نجم نجوم زمانه لتكتمل قصته الدرامية بأن ينقلب حاله ويتمنى قبل وفاته أن يأخذ الله جميع أمواله مقابل قدرته على تناول ساندوتش فول، ورحل في 14 مايو 1955 تاركا خلفه تراثا فنيا تأليفا وتمثيلا وإخراجا وإنتاجا واكتشافا للنجوم .

دخل أنور المدرسة الفرنسية “الفرير” والتي تعلم فيها المخرج حسن الامام والفنان فريد الأطرش والمطربة أسمهان والفنان نجيب الريحاني واتقن خلال دراسته اللغة الفرنسية، غير أنه لم يستمر طالبا فقد ترك الدراسة بعد أن أخذ قسطاً معقولاً من التعليم لكي يتفرغ للفن وأيضاً لأن ظروف أسرته لم تكن تساعد على الاستمرار في الدراسة وعمل في العديد من المهن ولم يكن منتظماً في العمل بسبب عمله كهاوٍ في العديد من الفرق الفنية الصغيرة لكن عينه دائما كانت على هوليوود وظل حلم السفر لأمريكا يراوده حتى أنه أغرى زميلين له بمحاولة الهروب معه لأمريكا ليعملوا في السينما لكن محاولتهم باءت بالفشل فبعد أن تسللوا إلى باخرة في بورسعيد، تم ضبطهم .. وطرده أبيه من المنزل عندما علم بأنه يريد أن يكون ممثلاً.

حياته الفنية وعشقه للسينما

فشلت محاولة أنور وجدي للسفر لهوليوود ولكن ظل يراوده حلم التمثيل فاتجه إلى شارع عماد الدين ليتمكن من رؤية فنانى العصر لعله يحصل على الفرصة، ومع ميلاد فرقة رمسيس قرر أن ينضم إليها فكان يتسكع كثيراً أمام أبواب المسرح عسى أن يقتنص الفرصة من خلال لقائه بأحد النجوم وتصادف أثناء تسكعه أمام كواليس المسرح الخلفية قابل الفنان يوسف وهبي من البروفات واقترب منه وتوسل إليه أن يأخذه ليعمل معه في مسرح رمسيس حتى لو أدى لتقديم الشاى والقهوة وكنس غرف الفنانين لكن يوسف وهبى كان في عجلة من أمره لإرتباطه بموعد مهم فتركه دون أن يعبأ بما طلبه منه ولم ييأس أنور وجدي وتوسل إلى قاسم وجدي الريجسير أن يقدمه إلى يوسف وهبي وبالفعل حدث أن عمل في مسرح رمسيس وكان أجره ثلاثة جنيهات في الشهر وأصبح يسلم الأوردرات للفنانين وسكرتير خاص ليوسف وهبي.

كان أول ظهور له حينما قام بدور ضابط رومانى صامت في مسرحية “يوليوس قيصر” وكان أجره حينذاك 4 جنيهات شهريا ما مكنه من الاشتراك في أجرة غرفة فوق السطح مع زميل كفاحه الفنان عبد السلام النابلسي.

وأثناء ذلك كتب بعض المسرحيات، ذات الفصل الواحد لفرقة بديعة مصابنى مقابل 2 أو 3 جنيهات للمسرحية، وعمل في الإذاعة مؤلفا ومخرجا وقدم بعد ذلك مواقف خفيفة مسرحية من إخراجه وكتب نصوصا وقصصا نشر بعضها في المجلات الصادرة في تلك الفترة.

وبدأ أنور تمثيل أدوار رئيسية وأشتهر في دور عباس في مسرحية “الدفاع” مع يوسف وهبي 1931. حتى وجد فرصة أفضل في نفس العام مع فرقة عبد الرحمن رشدي، فانتقل إليها وانتهى به المطاف في الفرقة القومية نظير أجر شهري قدره 6 جنيهات، وأصبح يقوم بأعمال البطولة، وأشتهر بدوره في مسرحية “البندقية”.

“أنور وجدي” ممثل ومخرج ومنتج

أنور وجدي من نجوم السينما المصرية ومن كبار صناعها منذ بداية الأربعينيات وحتى رحيله في منتصف الخمسينيات، كتب وأنتج وأخرج العديد من أفلامه التي كان نجمها وبطلها الأول مثل ليلى بنت الفقراء وطلاق سعاد هانم وأربع بنات وضابط، كما أنتج وأخرج وكتب أفلاماً لنجوم آخرين مثل ليلة الحنة.

ويعد أنور وجدي الممثل الوحيد الذي مثل مع ثلاثة من أهم نجوم الغناء وهن أم كلثوم، وأسمهان، وليلى مراد.

قدم بعد ذلك فيلم أولاد الذوات (1932)، والدفاع (1935)، بياعة التفاح (1939)، وانتصار الشباب (1941)، وليلى بنت الريف (1941)، وأشتهر في تلك الفترة بدور الشاب الثري المستهتر. تعامل أنور وجدي مع مجموعة من أهم مخرجين تلك الفترة، منهم أحمد جلال وأحمد سالم وتوجو مزراحي وأحمد بدرخان.

أسس أنور وجدي شركة الأفلام المتحدة للأنتاج والتوزيع السنيمائي عام 1945 وقدم من خلالها حوالي 20 فيلم من أشهرها سلسلة الأفلام التي قام ببطولتها مع ليلى مراد (قلبي دليلي (1947)، عنبر (1948)، غزل البنات (1949).. وأفلام أخرى)، وقدم أيضا الطفلة المعجزة فيروز في ثلاثة أفلام من أنتاجه (ياسمين (1950)، فيروز هانم (1951)، دهب (1953).

وكان فيلم أربع بنات وضابط (1954) آخر الأفلام التي أنتجها.

أشترك أنور وجدي في 6 أفلام من أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية وهم العزيمة (1932)، غزل البنات (1949)، ريا وسكينة (1953)، أمير الانتقام (1950)، الوحش (1954)، غرام وانتقام (1944)، كان بطلا في 4 أفلام منهم.

سر قبلة أنور وجدي لـ”الغول” الفرنسي

تلقى أنور وجدى قبلة من المصارع الفرنسي موريس تيليت على خده وذلك بعد أن حاول تيليت أن يقبل ليلى مراد، فقرر أنور وجدي أن يقوم بهذه المهمة ولكن تيليت لم يقتنع وأصر على تقبيل ليلى مراد.

موريس هو المصارع الفرنسي صاحب الشخصية الحقيقية للفيلم الكارتوني الشهير “شريك الغول” وشريك ولد كطفل عادي، وبمظهر طبيعي تماما وكان يلقب تيليت بـ “الملاك” بسبب وجهه الملائكي وفي عام 1917 غادر تيليت ووالدته روسيا بسبب الثورة وانتقل إلى فرنسا بلد والديه وفى سنة 1920 وعندما بلغ 17 عاما أصيب بمرض نادر يسمى “ضخامة النهايات” وهو ورم غدة ينتج عنه العملقة ويصبح الجلد سميكًا وضخامة الأنف والشفتين واللسان وضخامة الأحشاء والأطراف والحدب وغيرها من شواذ النمو وبسبب مرضه ضاع حلمه أن يصبح محاميا فخدم في البحرية الفرنسية 5 سنوات كمهندس.

زواج انور وجدى وليلى مراد

التعامل الأول لليلى مع أنور وجدي كان من بوابة فيلم “ليلى بنت الفقراء”حينها كان الأول منتجا للعمل وبعد مرض المخرج كمال سليم نصحته بأن يؤدي المهام مكانه.

وفي أحد الأيام بعد انتهاء التصوير فاجأها بأمر الزواج خلال مداعبته لها “يا سلام يا ليلى لو اتجوزتك وعشت معاكي على طول؟” فكان المشهد الختامي لفيلم “ليلى بنت الفقراء” هو حفل الزفاف الحقيقي لليلى مراد وأنور وجدي وذلك في أكتوبر 1945.

وبعد زواجهما أسس أنور شركة إنتاج وأصبح محتكرا لليلى لدرجة أنه لم يكن يتقبل أن تلعب بطولة فيلم لصالح شركات أخرى وروت في أحد أحاديثها النادرة عنه أنه كان يتعمد افتعال خلاف معها قبل موعد التصوير حتى تذهب إلى الأستوديو وهي في حالة نفسية سيئة تنعكس سلبًا على أدائها.

فكان أنور يرفض إعطاء ليلى أجرًا عن الأفلام التي تؤدي بطولتها من إنتاجه مكتفيا بدفع الضرائب المستحقة عنها ومع رفضها لذلك الأمر ضربها في أحد المرات.

اشتبك أنور مع ليلى من جديد بعد أن قبلت ليلى مراد العمل مع المنتج أحمد سالم في فيلم “الماضي المجهول” حينها غضب أنور وكسر أثاث المنزل وخرج غاضبًا.

في عام 1951 طلق أنور ليلى أول مرة ووفق رواية الكاتب صالح مرسي كان السبب هو افتعاله لخلاف بسبب “عدم وجود كمون في المنزل” لتتجه إلى فندق “سيميراميس” لتقيم فيه قبل أن يتدخل شقيقاها إبراهيم ومنير ويحلان الأزمة.

أطلق أنور عليها شائعة تبرعها بمبلغ 50 ألف جنيهًا لإسرائيل حتى يفسد على فيلمها “سيدة القطار” النجاح وترتب عليه وضع الحكومة السورية اسمها على القوائم السوداء وحظر فيلمها في الأردن ثم شمل المنع كل أفلامها.

في عام 1953 كان الانفصال بين أنور وليلى بعد أن ضبطه مع الفرنسية “لوسيت” واكتشفت خيانته لها.

دهاء انور وجدى

دفع دهاء انور وجدى لكي يرضي رغبة ليلى مراد بالاستمرار في العمل مع الموسيقار محمد عبد الوهاب إلى جانب إحساسه بأنه خير من يجيد تشكيل صوتها إلى الدخول مع عبد الوهاب في مشروع شراكة فنية في إنتاج الأفلام لكي يثبت لهما : ليلى مراد وعبد الوهاب حسن نواياه فشرع وجدى في إنتاج وإخراج ثلاثة أفلام وهي “عنبر ” ” قلبي دليلي ” ” غزل البنات ” ولكن دائرة الشجار عادت لتطفح من جديد في ما بين ليلى وأنور بسبب مطالبتها بحقها في الأجر عن سلسلة الأفلام التي قامت بتمثيلها لصالح شركته ومشيرة الى انه جرى استغلال أغانيها ورواج أفلامها وهنا كان طلاقها ثلاثاً.

فيروز وأنور وجدي

في مارس عام 1950 قدم الفنان إلياس مؤدب الطفلة بيروز أرتين كالفيان لأنور وجدي ليكتشفها وتصبح الطفلة فيروز التي لقبت باسم شيرلي تمبل المصرية أشهر طفلة في تاريخ السينما المصرية فأحضر لها مدرب رقص اسمه ايزاك ديكسون قام بتدريبها لبضعة أسابيع وبعدها أدخلها معهدا خاصا للباليه وجرى اتفاق بين والد فيروز وأنور وجدي على توقيع عقد احتكار، تتقاضى بموجبه ألف جنيه مصري عن كل فيلم تقوم بتمثيله، على أن يعتبر العقد لاغيا إذا لم ينتج لها أنور وجدي في خلال العامين الأولين فيلمين على الأقل.

وبالفعل أنتج لها 3 أفلام وهم ياسمين عام (1950)، وفيروز هانم عام (1951)، ودهب (1953).

https://www.youtube.com/watch?v=T7ViZpx0YvI

استطاع أنور وجدي بذكائه الفني والإنساني أن يدرك أن جمهور السينما في تلك الفترة كان يقبل أكثر على الأفلام ذات الطابع الغنائي فقدم في معظم أفلامه الغناء والاستعراض ونجح في ذلك إلى حد بعيد، وأهتم كثيرا بالرقص والغناء وكانت اللوحات الاستعراضية من أشهر ما عرف به، وكانت الديكورات ضخمة فضلا عن الاهتمام بالملابس وبذلك كان منتجا لا يبخل على أفلامه، مع ذكاء واضح في إيجاد الحلول لبعض المشكلات أثناء التصوير.

ليلى فوزى وانور وجدى

كان الاثنان لبعضهما الحب الأول وبينما لم يرغب “أنور” فى الزواج من أى امرأة قبلها او بعدها كان لوالد “ليلى فوزى” رأى آخر حيث رفضه بحجة أنه ممثل وفضل عليه المغنى عزيز عثمان خوفا على ابنته من معجبات أنور الكثيرات.

مغنى “بطلودا واسمعوا ده” كان متزوجا من جميلة الجميلات ليلى فوزى..!!

لم تكن ليلى فوزي محظوظة في الحب والحياة الأسرية فقد تزوجت من صديق والدها الفنان “عزيز عثمان” الذى كان يتردد على منزلهم دائما وكانت ترى فيه الأب لكنه طلب زواجها ووافق عليه والدها برغم أنه يكبرها بـ30 عاما فوافقت ليلى لكي تتخلص من تحكم والدها فيها ظنا منها أنها ستنال حريتها إلا أن عزيز عثمان شد الخناق عليها مثل أبيها وغيرته الجنونية عليها وزادت الخلافات والمشاكل.

طلقت من عزيز عثمان من أجل عيون وجدى

ولأن الحب الصادق فقط هو ما يخلق زواجا ناجحا فشلت ليلى فوزى أو أنور وجدى فى الزواج من عزيز عثمان وليلى مراد على الترتيب حيث طلبت ليلى الطلاق من عزيز للرجوع إلى حب عمرها وهو ما حدث فعلا حيث تزوجا بعد انفصالهما عن أزواجهما فورا.

حزن على فقدان بصره لأنه لن يستطيع رؤية “ ليلى”

قبل رحيله بأيام تسبب سوء حالة “أنور وجدى” الصحية وإصابته بسرطان المعدة فى فقدان بصره وبالرغم من الألم الشديد والبكاء المتواصل الذى كان يعيش فيه، إلا أن قلبه هو الذى كان مجروحا فعلا لأنه لن يستطيع رؤية حب عمره “ليلى فوزى” ويمتع عينه بجمالها بعد ذلك

آخر كلمة نطق أنور بها لليلى “أنا أول مرة أحب بجد”

“خليك معايا أنا أول مرة أحب بجد” بهذه الكلمات التقط وجدى” آخر أنفاسه وهى يشهد بحبه لـ”ليلى” وأخذ يبكى ودموعه الساخنة تنزل على يدها فى مشهد لم تستطع كل الأفلام الرومانسية وقصص الحب الجبارة استيعاب رقته.

رحل بعد 4 شهور فقط من زفافهما

بعد شهر عسل خيالى بين القاهرة والسويد رحل “أنور وجدى” عن العالم تاركا زوجته وحب عمره “ليلى فوزى” وراءه والتى افترقت عنه حيا وميتا تاركاً فى قلبها جرحا عميقا لم تستطع الشفاء منه بعد ذلك

قدم الفنان أنور وجدى أهم الافلام التي سجلت في انطلاقة السينما في مصر وحفر اسمه واحدا من أهم الفنانين ومن أهم رواد السينما العربية وقد نال منه المرض، بعد معاناه كبيرة معه حيث لفظ أنفاسه الأخيرة وهو لم يكمل أحدا وخمسون عاماً في 14 مايو 1955 في ستوكهولم وكانت وفاته صدمة ومفاجئة كبيرة لكل محبيه ولمصر باكملها وخسارة للفن والفنانين فقد كان في قمة عطائه ومجده الفني والإنساني الكبير.