أخبار مصر -تحقيق د.هند بدارى

فجأة.. تحولت “القمامة ” الى كنز يتنافس على تجمعيه وبيعه الكثيرون بعدانطلاق تجربة “شراء المخلفات الصلبة من المواطنين” منذ شهرين بأكشاك منفذين فى حى مصر الجديدة، بميدان ابن سندر و شارع أسوان، مع تسيير 4 سيارات بالنزهة ومصر الجديدة تيسيرا على المواطنين الذين لا يستطيعون الذهاب للمنفذين الثابتين لبيع “زبالتهم “.

وتقوم حاليا محافظة القاهرة بتقييم التجربة لتحديد سلبياتها وايجابياتها قبل بدء تعميمها بكل الأحياء وذلك استعدادا  لمنظومة النظافة المقترحة  على مجلس الوزراء والمنتظر تطبيقها فور انتهاء عقود شركات النظافة الأجنبية اخر هذا العام، والهادفة إلى جمع القمامة من المنازل والمحال  مباشرة من خلال شركات نظافة صغيرة محلية ومتعهدي النظافة تحت إشراف هيئة نظافة وتجميل القاهرة.

وقد اثارت أكشاك شراء القمامة غضب الزبالين الذين يعتبرونها تهدد مصدر رزق متعهدى القمامة، بينما يرى مسئولو محافظة القاهرة أن المتعهد يمكن أن يكون همزة الوصل بين أكشاك القمامة والمواطنين.

غضب المتعهدين

وعن رد فعل جامعى القمامة ،أعرب دسوقى مصطفى “متعهد قمامة” بالسيدة عائشة للموقع عن قلقه من منافسة الأكشاك اذا تم تعميمها بكل الأحياء خاصة الشعبية المكتظة بالسكان .

وأضاف أنه يجمع القمامة من المنازل داخل عربته الكارو المتهالكة  ليذهب بها الى منطقة الخصوص لفرزها وبيع ما بها من مخلفات صلبة وبلاستيك وكارتون وورق لافتا الى أنها حتى اليوم “بخيرها ” ولكنه بعد شهور قد لايجد بها سوى “بقايا الطعام والتراب والمهملات”.

وقال عبد النبى محمد جامع قمامة بعزبة النخل  “العائد من فرز القمامة انخفض لتراجع معدلات الاستهلاك والأكشاك تنافسنا لأن هناك آلاف الاسرالتى تأكل وتعمل بفرز وتجميع الزبالة ولكننا خارج منظومة الجمع الحكومية ولا نعرف لصالح من تباع المخلفات على حسابنا رغم وجود  نقابة تدافع عن حقوقنا ومطالبنا ومهنتنا “.

أما محمد مشرف على الجمع بمنطقة الخصوص ،فأوضح أنه منذ ظهور الاكشاك قلت كمية المخلفات الصلبة بأكياس القمامة خاصة “الكانز”،قائلا ” دخلت المهنة التى ورثتها عن والدى -رغم حصولى على بكالوريوس التجارة- منذ عام 1960 ولم ندخل كلنا منظومة الجمع والفرز بشكل رسمى مما اثر على العمالة والمكسب والآن البوابون يفرزون الزبالة من المنبع ويبيعون المخلفات !”.

اضراب الزبالين

وتضامنا معهم ،أعلن شحاتة المقدس، نقيب الزبالين بالقاهرة، أن زبالى منطقة الخصوص الذين يصل عددهم نحو 20 ألف عامل بجمع القمامة،  عملوا إضراب يوم عن العمل بـ5 أحياء بشرق العاصمة ، هى: “المطرية، وعين شمس، ومصر الجديدة، والنزهة، والمرج”وربما يصعدون الامر الى اضراب عام اذا استمرت الأكشاك وزاد عددها .

وأكد نقيب الزبالين بالقاهرة، أن أكشاك شراء وفرز القمامة بالشوارع تقطع عيش الكثير من العاملين بمجال النظافة والذين يصل عددهم 3 ملايين مواطن بالقاهرة.

وأضاف المقدس، أن  العمال يقومون بفرز وإعادة تدوير 8 آلاف طن يوميًا من المواد الصلبة بالمحافظات ببيعها  للمصانع حتى نوفر على الدولة ملايين الدولارات من استيراد البلاستيك والزجاج لصناعة المنتجات، موضحا  أن 60% من زبالة المصريين مواد عضوية مقابل 40% من المواد الصلبة على عكس النسب بالدول الأوروبية.

كما أشار نقيب الزبالين، إلى أن الدولة  سبق أن طبقت هذه التجربة في عهد الدكتورة ليلى اسكندر وزيرة التطوير الحضري والعشوائيات السابقة ولم تنجح .

وطالب بتقنين وضع متعهدى الجمع لخبرتهم بالمهنة  خاصة أن نسبة كبيرة جداً تمثل حلقة الوصل بين البيوت والأكشاك الجديدة لشراء القمامة لأنه من الصعب أن يجمع كل مواطن كما من كرتونات “كانز” ويذهب لبيعها بنفسه .

أهلا بجامعى القمامة

ورغم الإضراب الجزئى الذى قام به بعض جامعى القمامة  فى بعض الأحياء ،أكد المهندس حافظ السعيد رئيس هيئة النظافة والتجميل بالقاهرة  أنه لن يتم إلغاء فكرة أكشاك شراء وتجميع المخلفات الصلبة .
وأضاف أن الفكرة لاقت اقبالا كبيرا من المواطنين بحى مصر الجديدة وسيتم تعميمها حال نجاحها لأنها تساهم بدرجة فعالة فى الحفاظ على نظافة شوارع العاصمة، بالإضافة إلى تشجيع المواطن على فصل القمامة من المنبع بمنزله  لاحتفاظه بالمواد الصلبة التى يمكن بيعها.

وأكد أن إضراب متعهدى النظافة والزبالين لم يؤثر على استقرار منظومة النظافة وأنه تم الاتفاق على إنهاء إضرابهم الجزئى، مقابل حفظ حقوق جامعى القمامة.

واوضح  أن محافظة القاهرة متعاقدة مع الشركة الإسبانية، باعتبارها المسئول الأول عن نظافة جميع الأحياء بالمنطقة الشرقية، مشيرا الى  أنه ليس هناك أى عقود رسمية مع المتعهدين والزبالين.

وأكد السعيد إلى  أنه يمكن لأى متعهد  الانضمام  لمنظومة النظافة بالقاهرة لأنهم جزء منها  كما أن إعادة بيع هذه المخلفات سيتم للمتعهدين أنفسهم الذين كانوا يتولون بيعها إلى مصانع التدوير .

وأوضح أن شراء القمامة سيقتصر على المخلفات الصلبة مثل البلاستيكوالكرتون والزجاج، أما المخلفات العضوية سيتم التخلص منها بنفس الطرق القديمة فى المقالب العمومية مبينا أن تحديد التسعيرة تم وفقا لآليات السوق، ومتوسط أسعار “الفريزة” العاملين في جمع القمامة.

اقبال على الأكشاك

وداخل أحد الاكشاك بمصر الجديدة ،لاحظت تردد عدد من السكان والبوابين والعمال على الكشك المنظم والمزين بشكل جمالى بألوان ولوحات ارشادية لوزن ما يحملون من أكياس قمامة  بواسطة ميزان مخصص لوزن وتسعير المخلفات،
بينما يتولى  أحد العمال في فصل المخلفات البلاستيكية عن المعدنية، ومخلفات الكرتون عن الورق، ووضعها داخل الصناديق والأكياس الضخمة المصنفة .

ورصدت قائمة أسعار المخلفات الصلبة وتشمل:9 جنيهت لكيلو “علب الكانز الفارغة وأطباق الفويل الحراري” بـ3 جنيهات. كيلو زجاجات المياه المعدنية وزجاجات البلاستيك وأي نوع من البلاستيك بـ150 قرشا. كيلو الورق والكرتون بكل أنواعه بـ50 قرشًا. كيلو الخشب بـ20 قرشًا. كيلو الألمونيوم بـ12 جنيهًا.وكيلو الصفيح بـ25 قرشًا وكيلو القمامة العضوية بـ10 قروش.

ومن المترددين عليها ضياء محمود مهندس من سكان مصر الجديدة ،قال :كنت ألقى الزجاجات والعلب البلاستيك فى سلة القمامة حتى سمعت عن  المشروع عن طريق الصحف والانترنت  واقتنعت بالفكرة خاصة بعد ان شجعنى الجيران والاصدقاء على التجربة وفعلا بعت كميات كبيرة من زجاجات المياه الغازية وعلب المياه المعدنية والجرائد والمجلات القديمة بحوالى 50 جنيها ،ومن وقتها أحتفظ بالمخلفات الصلبة وان لم اتمكن من بيعها بنفسى للكشك ،أعطيها للبواب ليستفيد منها “.

بينما ترى د. عبير طبيبة أن ربة البيت يمكنها فرز القمامة ولكن قد لايسمح وقتها ووضعها الاجتماعى أن تذهب للبيع بنفسها وكى تحقق مكسبا لابد أن تخزن كميات كبيرة ثم تحملها الى مقر الاكشاك وبالتالى الأفضل لها أن تعطيها لمتعهد القمامة لأنها رزقه .

وأكدت نرمين طلعت، صاحبة كشك التجميع بشارع أسوان أن هذا المشروع يلقى نجاحا ويسهم فى حل معضلة النظافة تدريجيا ويوفر فرصعمل للشباب .

وأشارت الى أن الأكشاك مفتوحة من الثامنة صباحا وحتى 11 مساءً في الصيف لتناسب ظروف الجميع .

وأكد المهندس إبراهيم صابر، رئيس حى مصر الجديدة، أن الحى دوره إشرافى فقط، فى منظومة شراء القمامة من المواطنين، لتسهيل وتيسير العمل وإزالة المعوقات .

ولفت الى تسجيل اقبال متزايد من السكان على الأكشاك ورصد ملاحظاتهم وبحث أى طلبات ليتم تعميم تجربة “الأكشاك” فى باقى أحياء العاصمة، بعد  نجاحها فى حى مصر الجديدة.
تجربة مبشرة

وأعلن المهندس عاطف عيد الحميد محافظ القاهرة ،أن منفذي شراء المخلفات يتم ادارتهما بواسطة بعض الجمعيات الأهلية تحت إشراف المحافظة .

وتوقع أن يحقق هذا المشروع طفرة كبيرة فى مجال النظافة إلى جانب جدواه الاقتصادية الكبيرة، لسد حاجة مصانع إعادة التدوير، التى لا تجد إلا 25% من احتياجاتها من تلك المخلفات إلى جانب أنه سيوفر فرص عمل للشباب الذين تستعين بهم الجمعيات الأهلية .

وأضاف محافظ القاهرة  انه سيتم انشاء كشكين احدهما بعزبة المسلمين والأخر بجسر السويس ما بين الزيتون ومصر الجديدة كتجربة يتم تقييمها تمهيداً لنشرها علي مستوي المحافظة .

وأشار المحافظ إلى أن المحافظة تسعى الى تقنين نظام لتسجيل المخالفات بالصورة مع تحديد موقعها على خرائط من خلال نظام GPS وإبلاغها للشركات والمتعهدين الذين سيتم التعاقد معهم فور انتهاء عقود الشركات الأجنبية؛ لتتمكن من تلافيها في أسرع وقت وكى يكون هناك توثيق للمخالفات حتى لا تطعن عليها الشركات.

نظام علمى للتدوير

وأكد الدكتور مجدي علام الأمين العام لخبراء البيئة العرب ضرورة تطبيق النظام العلمي في إدارة المخلفات وتأهيل عدد أكبر من الكوادر والاستفادة من متعهدى القمامة .

وأضاف أن كل دول العالم تطبق منظومة إعادة تدوير القمامة وأن الفرز من المنبع( من المنزل أو المتجر والمصنع) يخفض التكلفة لأن المصانع تتسلم الزجاج والورق والاخشاب والمعادن وغيرها من المنزل مباشرة وبالتالي لا تتحمل البلدية تكلفة جمعهم ونقلهم.

ويرى د. مجدي علام أن إقامة أكشاك تشترى من  المواطنين المخالفات الصلبة نموذج من السياسات التي   تتبعها الدول الأوروبية مع اختلاف آليات التطبيق بين الجانبين.

وأضاف أن هذه التجربة أثبتت نجاحات كبيرة في الدول الأوربية، مؤكدا أن هذه المشروعات الصغيرة ستساهم على الدولة بشكل كبير فى  تقليل حجم الاستيراد للمواد الصلبة لصناعة المنتجات خاصة الزجاج .

ويرى أن التجربة تحقق وعيا بيئيا بتشجيع المواطن على عدم إلقاء القمامة في الشارع ولكننا لايجب أن نتعجل نتائجها .

وفى السياق أعلن  النائب أحمد السجينى، رئيس لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب أن اللجنة تعمل على إدخال جامعي القمامة في منظومة النظافة  التى تحتاج عدة تشريعات لضبطها.

وأخيرا ..معضلة نظافة الشوارع تحتاج جهود الجميع على المستويين الرسمى والشعبى ولكن فى اطار منظم يحقق استقرار منظومة العمل لصالح المجتمع .