أخبار مصر

بابا المحبة .. فى ارض السلام

وسط حالة الغيوم ..و مواقف العالم غير الإسلامي، خاصة في الغرب، تجاه الإسلام والمسلمين، على خلفية أعمال عنف تعلن المسؤولية عنها تنظيمات تنسب نفسها إلى الإسلام .. تاتى زيارة الحبر الاعظم البابا فرنسيس لمصر بابا الفاتيكان الرئيس الأعلى للكنيسة الكاثوليكية فى العالم لتدحض الاتهامات الباطلة وترد كيد من اراد بمصر سوءا وتنير الظلام وتبعث برسائل سلام ومحبة .. فهى زيارة، وإن كانت تعكس العلاقة التى تجمع بين بلد الأزهر ودولة الكاثوليك إلا إنها فى الوقت نفسه تتخذ أبعادًا عديدة .

الزيارة لاقت ترحيبا سياسيا وكنسيا، وهى الزيارة الأولى لبابا الفاتيكان بعد قطيعة دامت 5 سنوات بين الأزهر والفاتيكان؛ بسبب تصريحات البابا السابق، بنديكت السادس عشر، التي اعتبرها الأزهر إهانة للإسلام وتحريض على الكراهية عقب حادث كنيسة القديسين بالإسكندرية، وطالب فيها بحماية أقباط مصر، وأعلن شيخ الأزهر تجميد التواصل مع الفاتيكان، كما تعتبر الزيارة الثانية لأحد باباوات الفاتيكان للأزهر، سبقها زيارة البابا الأسبق يوحنا بولس الثاني في 24 فبراير 2000، منذ بداية العلاقات بين مصر والفاتيكان عام 1947.
وكان الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر ورئيس مجلس حكماء المسلمين، قد التقى مع البابا فرنسيس الثاني، بابا الفاتيكان، يوم 23 مايو 2016 في المقر البابوي بالفاتيكان، وسط ترحيب عالمي واسع بالزيارة التاريخية.كما زار الرئيس عبد الفتاح السيسى الفاتيكان فى شهر نوفمبر العام 2014 .ودعا البابا فرانسيس لزيارة مصر.

من البابا .. الى ام الدنيا

الزيارة التاريخية لبابا الفاتيكان فرانسيس الثاني، إلى مصر يومي 28 و29 من أبريل استبقها برسائل تعبر عن سعادته بهذه الرحلة قائلًا:
“يا شعب مصر الحبيب، السلام عليكم.. بقلب فرح أزور وطنكم العزيز مهد الحضارة وهبة النيل وأرض الشمس والضيافة، حيث عاش الآباء البطاركة والأنبياء وحيث أسمع الله صوته لموسى”.
“آتى كصديق ومرسل سلام وحاج على الأرض التى قدمت منذ أكثر من ألفى عام ملجأ وضيافة للعائلة المقدسة التى هربت من تهديدات الملك هيرودس، ويشرفنى أن أزور الأرض التى زارتها العائلة المقدسة”.
أتمنى أن تكون هذه الزيارة بمثابة رسالة صداقة وتقدير لجميع سكان مصر والمنطقة، ورسالة أخوة ومصالحة بين جميع أبناء النبى إبراهيم والعالم الإسلامى بصفة خاصة الذى تحتل فيه مصر مكانة رفيعة”.

ووصف البابا فرانسيس زيارته لمصر بأنها تشكل إسهاما مفيدًا فى حوار الأديان مع العالم الإسلامى وفى الحوار المسكونى مع الكنيسة الأرثوذكسية العريقة والحبيبة، مضيفاً: “أن عالمنا الممزق من العنف الأعمى الذى ضرب قلب وطنكم العزيز يحتاج للسلام والمحبة والرحمة.. يحتاج لصانع السلام ..لأشخاص أحرار ومحررين.. لأشخاص شجعان يعرفون كيف يتعلمون من الماضى ليبنوا المستقبل دون أحكام مسبقة..
أنه يحتاج لمد جسور للسلام والحوار والأخوة والعدل والإنسانية”.
«أحييكم بمودة وأشكركم على دعوتكم لي لزيارة مصر التي تسمونها أم الدنيا، أشكر الرئيس عبدالفتاح السيسي والبابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية والإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر والأنبا إبراهيم إسحق بطريرك الكاثوليك على دعوتهم لي».
«أيها المصريون الأعزاء شبابا وشيوخا، نساء ورجالا مسلمين ومسيحيين أغنياء وفقراء، أعانقكم جميعا بمودة وأطلب من الله أن يبارككم ويصون بلدكم “.

تشجيع للسياحة ..

زيارة البابا فرانسيس إلى مصر هامة جدا، ورغم أنها قصيرة، إلا أنها حدثا تاريخيا بمعنى الكلمة.
وتكمن فوائد الزيارة التي ستنعكس بالخير على مصر فى جميع المستويات، وعلى رأسها” الأزهر”، في أن وجود البابا في الجامع الأزهر سيكون شهادة مهمة على أن مصر نموذج الإسلام المعتدل، بعيدا عن التطرف والنزاع الذى أصبح يقدم فى العالم الغربى على أنه صورة الإسلام، كما أن زيارة البابا للأزهر ستؤكد للجميع، خارجيا، مرجعية الجامع الأزهر فى الشؤون الإسلامية، وهو أمر مهم يؤكد الثقل السياسى لمصر.
تشجيع السياحة لأن وجود فرانسيس الأول فى مكان مفتوح فى شوارع مصر يؤكد للجميع أن مصر بلد الأمن والأمان، وأنها مستعدة دائما لاستقبال زائريها.

علاقات دبلوماسية ..

وتحتفظ مصر والفاتيكان بعلاقات دبلوماسية منذ الثالث والعشرين من مايو عام 1947 فيما كان بابا الفاتيكان الراحل يوحنا بولس قد زار مصر فى عام 2000 وزار الرئيس عبد الفتاح السيسى الفاتيكان فى شهر نوفمبر العام 2014 والتقى فى سياق زيارته التاريخية بالبابا فرانسيس.

وفى شهر مايو من العام الماضى زار شيخ الأزهر الشريف الدكتور أحمد الطيب الفاتيكان والتقى البابا فرانسيس الذى يؤكد على احترامه لجميع الأديان ويدافع عن ضرورة الحوار بين الثقافات والحضارات وبناء جسور التواصل الإنسانى بين كل البشر على اختلاف اديانهم ومعتقداتهم.

وكان البابا تواضروس بابا الإسكندرية وبطريرك الكنيسة الأرثوذكسية قد رحب بزيارة البابا فرانسيس ووصفها بأنها ستكون “زيارة تاريخية ومباركة” لمصر معيدا للأذهان انه حرص على أن تكون أول زيارة خارجية له بعد تنصيبه هى زيارته للفاتيكان فى العاشر من مايو عام 2013.

وبعد أن أصبح رأس الكنيسة الكاثوليكية والحبر الأعظم للفاتيكان فى الثالث عشر من شهر مارس عام 2013 رحب رجال الدين المسلمين فى الأرجنتين بهذا الاختيار معيدين للأذهان أنه كان دوما كرئيس لأساقفة بيونس إيرس صديقا للمجتمع الاسلامى فى بلده كما أنه من الأصوات المخلصة فى دعوتها للحوار بين كل البشر.

وتبنى البابا فرانسيس خطابا ثقافيا يدعو لبناء الجسور بين الحضارات والبشر فى كل مكان مؤكدا أهمية العدالة الاجتماعية والتضامن مع الفقراء والمعوزين والمهمشين وإعادة التوازن فى العلاقات الاقتصادية بين الدول الصناعية المتقدمة والدول النامية.

ورأى البابا فرانسيس أن “الفقر المدقع والهياكل الاقتصادية الظالمة والتى تنتج اللامساواة إنما تشكل انتهاكات لحقوق الإنسان” كما أدان “الاستغلال الجائر للموارد الطبيعية” داعيا سكان الأرض لأن يكونوا “حراسا للطبيعة” وفى الوقت ذاته فهو من منطلق توجه يدافع عن كرامة الحياة الإنسانية صاحب مواقف مناهضة للإجهاض وما يعرف “بالقتل الرحيم”.

تاريخ من التسامح..
والبابا فرانسيس وهو البابا رقم 266 فى تاريخ الكنيسة الكاثوليكية ولد باسم خورخى ماريو بيرجوليو يوم السابع عشر من ديسمبر عام 1935 فى العاصمة الأرجنتينية بيونس ايرس وكان يعد من اهم رموز الجناح الاصلاحى فى الفاتيكان حتى قبل اختياره كسيد لدولة الفاتيكان.

واختار الحبر الأعظم ورأس الكنيسة الكاثوليكية اسم فرانسيس لنفسه تأسيا بالقديس فرانسيس الأسيزى الذى عرف فى التاريخ الكنسى بوصفه “المدافع عن الفقراء ورجل البساطة وداعية السلام” فيما عرف البابا فرانسيس فى سنوات الصبا والشباب بشغفه بالأفلام والموسيقى الشعبية الأرجنتينية فضلا عن كرة القدم وهو مشجع لفريق نادى برشلونة الأسبانى الشهير “بالبارسا”.

وللبابا فرانسيس صاحب الاهتمامات الثقافية والأدبية عدة كتب من بينها كتاب “اسم الله هو الرحمة ” الذى عرف طريقه لقوائم اعلى مبيعات الكتب فى الغرب كما انه صاحب كتاب “فى السماء والأرض” ومؤلفات ورسائل رعوية ولاهوتية بعضها يحمل عناوين دالة مثل :”تآملات للمتدينين” و”تأملات امل” و”عقل مفتوح وقلب مؤمن”.

وللبابا فرانسيس الذى درس الكيمياء فى جامعة بيونس ايرس اهتمامات اصيلة بحماية البيئة ومواجهة ظاهرة التغير المناخى وقد اصدر كتابا حول هذا الموضوع الذى يهم كل سكان الكوكب الأرضى فيما قال الكاردينال بيتر تركسون الذى يقوم بدور مستشار الشؤون البيئية للبابا فرانسيس بابا الفاتيكان انه من المتعين تشجيع البشر على ممارسة المواطنة البيئية.

والى جانب دراساته اللاهوتية تابع البابا فرانسيس دراسات فى الأدب وعلم النفس فى عامى 1964 و1965 ولعل اهتماماته الأدبية تنعكس فى جماليات لغته ومفردات خطابه البابوى ناهيك عن مضمونها الثقافى والفلسفى الثرى بقدر ما تعبر عن “تكوين منفتح ومشجع للحوار مع كل أصحاب الآراء المختلفة والأفكار المغايرة”.

ولئن توقف الأمريكى كريستيان كاريل فى كتاب “متمردون غرباء : 1979 ومولد القرن ال21” طويلا عند عام 1979 من منظور ان ذاك العام شهد الثورة الإيرانية وسطوع نجم بابا الفاتيكان يوحنا بولس الثانى والغزو السوفييتى لأفغانستان وبدايات تململ ثقافى واضح فى الكتلة الشرقية حينئذ ضد سلطوية موسكو وتسلطها فان عميد الصحافة المصرية والعربية الراحل محمد حسنين هيكل تناول أهمية الدور العالمى للفاتيكان فى كتابه “زيارة جديدة للتاريخ”.

العلاقة مع الحكومة..

عارض البابا خلال رئاسته أبرشية بيونس آيرس عددًا من قرارات الحكومة، خلال احتجاجات 2001 انتقد برجوليو طريقة تعامل الشرطة ووزارة الداخلية مع المتظاهرين. وفي عام 2004 وجه انتقادات للرئيس نيستور كيرشنير خلال الاحتفال بقداس العيد الوطني، ما دفع لإلغاءه في السنوات اللاحقة، وفي عام 2008 انتقد البابا السياسة الحكومية تجاه المزراعين ودعا لدعم الريف الأرجنتيني، وفي عام 2010 عارض بشدة قانونًا يتيح للمثلين الزواج وتبني الأطفال، كما شارك عام 2012 في الذكرى الثلاثين لحرب الفوكلاند.
وعلى صعيد علاقة النشاط السياسي بالأخلاق، فإنه حضّ “المشرعين، ورؤساء الحكومات، والعاملين في مجال الصحة” على تبني قوانين تحفظ حقوق الحياة ، ودعا للعمل وفق مبادئ الكنيسة الكاثوليكية بشأن الإجهاض وغيره من القضايا، وقال “إن الناس لا يستطيعون تبوأ المناصب، وفي الوقت نفسه السماح بارتكاب جرائم خطيرة ضد الحياة والعائلة، وهذا ينطبق بشكل خاص على المشرعين والحكام”. في حين أدى معارضته زواج المثليين لصراع مع رئيسة الأرجنتين كريستينا فرنانديز دي كيرشنر، التي وصفت تفكير الكنيسة بأنه “من القرون الوسطى”، بكل الأحوال فإن الإجهاض لا يزال محظورًا في الأرجنتين. بعد انتخابه بابا، كانت الرئيسة كيشنر أول زعيم دولة يلتقي به البابا في لقاء خاص على مائدة الغداء، وتبادل خلاله الطرفان الهدايا التذكارية، فيما يشكل أساس تحسين العلاقات.

موقفه من الاسلام ..

وسط حالة من الظلام تزداد عتمتها يوماً بعد يوم خاصة في الغرب، تجاه الإسلام والمسلمين، صدرت مواقف تستحق التحليل، كما تستحق الإشادة، تجاه الإسلام والمسلمين، من جانب البابا فرنسيس، وخاصة تصريحه الذي جاء بمثابة ضوء شمعة وسط ليل دامس وبصيص أمل عبر ظلام حالك.
حيث أكد البابا رفضه القاطع لإلصاق تهم الإرهاب أو العنف أو التحريض على أي منهما بالإسلام كديانة وعقيدة ورسالة، وفنَّد إلقاء تلك التهم جزافاً على المسلمين في مجموعهم أو حتى على السواد الأعظم منهم، ودان الربط بين ديانة الشخص أو عقيدته وبين قيام ذلك الشخص بارتكاب جريمة. ونفى البابا كذلك اقتصار ارتكاب أعمال العنف أو الإرهاب على أبناء ديانة واحدة أو عرق في حد ذاته، وهو الدفع نفسه الذي حاولت دوائر منصفة في العالم غير الإسلامي في السابق الترويج له، ولكن لم يكن لأي منها الوزن الذي يتمتع به الحبر الأعظم.

وزادت أهمية تلك التصريحات في ضوء توجيهها انتقادات للسياسات التي تتبعها دول غربية تجاه مواطنيها أو المقيمين على أراضيها من المسلمين، بل الذهاب إلى حد تحميل تلك السياسات جزءاً كبيراً من المسؤولية عن انحراف بعض الشباب المسلمين، سواء في تفكيرهم أو في أفعالهم، ما ينتج عنه القيام بأعمال عنف أو إرهاب وإيجاد المبرر لذلك. ولم يفت البابا تأكيد أن من يتبع نهج العنف والإرهاب ممن يدعي الانتماء للإسلام يتبنى تفسيرات غير صحيحة تتعارض مع جوهر الإسلام السمح.

ويرى المحللين ان البابا فرنسيس تفوق على كثير من المنتمين للإسلام أو الغيورين عليه من أبنائه وعلمائه عندما صاغ هذه السلسلة المترابطة من الأفكار والطروحات المدافعة عن الدين الحنيف والنافية أي صلة حقيقية بينه وبين العنف أو الإرهاب، بذلك النسق الذي ينم عن فهم للعقلية الغربية، وبخاصة الأوروبية، وقدرة على مخاطبتها من الزاوية التي تهم تلك العقلية في الأساس، بالقدر والدرجة والمهارة التي قام بها البابا فرنسيس.

وتأتي أهمية تلك التصريحات من جانب آخر، إذا قارنا بينها وبين تصريحات للبابا السابق بنديكتوس السادس عشر، كانت تقف على النقيض تماماً من تصريحات خَلَفِه. فالبابا السابق تعرض لانتقادات حادة من داخل العالم الإسلامي وخارجه عندما تضمنت محاضرة له في ألمانيا عبارات تم فهمها على نطاق واسع بأنها توحي ضمنياً بوجود علاقة عضوية بين نصوص دينية في القرآن والسُنَّة النبوية وسوابق في التاريخ الإسلامي من جهة وبين أعمال العنف والإرهاب وممارستها والحض عليها من جهة أخرى من جانب بعض المسلمين. وهذا الاختلاف الظاهر للعيان بين تصريحات البابا السابق والبابا الحالي، له جذوره التي تفسره أيضاً والكامنة في الانتماءات الفكرية والأُطُر المرجعية لكل منهما. فالبابا السابق كان ألمانياً وانتمى إلى الدوائر ذات التفسيرات المحافظة داخل صفوف الكنيسة الكاثوليكية عامة، والألمانية على وجه الخصوص، متأثراً بسنوات الحرب الباردة وتعبئة الدعم للتوجهات المحافظة وعدم إبداء المرونة إزاء المنتمين للعقائد الأخرى عموماً، وإن مثَّلت مواقفه تجاه اليهود استثناءً لتلك القاعدة، وكذلك عدم وجود أي قدر من التسامح تجاه أصحاب التفسيرات المغايرة داخل السياق العام للكنيسة الكاثوليكية، بخاصة من ذوي التوجهات الدينية التقدمية أو الليبرالية.

وبالمقابل، يقف البابا الحالي بثبات منذ يومه الأول في الكرسي البابوي مرتكزاً على أرضية تستمد شرعيتها من خلفيته القادمة من الكنيسة الكاثوليكية في أميركا اللاتينية وتأثرها الكبير بظهور وتطور «لاهوت التحرير» في بلدان القارة اللاتينية. وهو انتماء بدا جلياً من خلال مواقف سابقة أعلنها وتبناها تجاه مسائل حيوية ليس فقط للكاثوليك، بل لمجمل البشر، وفي مقدمها قضايا غياب أو عجز اعتبارات المساواة ومتطلبات العدالة الاجتماعية، ووجود تحديات الفقر والجهل والمرض، وموضوعات الحرمان عموماً، وقضايا ذات طابع اجتماعي/ إنساني، وعالمي في الوقت ذاته، مثل إشكالية اللجوء واللاجئين وكيفية التعامل معها، ومسائل متعلقة بالتسامح تجاه الأقليات والفئات المهمشة والمستضعفة مجتمعياً على الصعيد العالمي.

هذه المواقف التي تعتبر الأكثر تحرراً وتقدماً تجاه الإسلام وأتباعه، ربما في تاريخ المواقف البابوية، تستوجب البناء عليها من جانب العالمين العربي والإسلامي عبر جهد منظَّم، وعمل ممنهج، وتخطيط يأخذ في الاعتبار المدى القصير والمتوسط والطويل على حد سواء، ومن خلال رؤية واضحة المعالم تتسم بالتناغم والتجانس وتتضمن تقسيماً تكاملياً، من دون تداخل أو تكرار، للأدوار بين مختلف الأطراف الفاعلة على ساحة العمل لتحسين صورة العرب والمسلمين، وصورة الإسلام ذاته، في المجتمعات غير الإسلامية خاصة، ولكن من دون الاقتصار على المجتمعات الغربية.

ومثل هذا الجهد والعمل سيكون له بالضرورة أكثر من مستوى من مستويات المردود الإيجابي، منها ما يتصل بالعلاقة بين العالم الإسلامي وبقية مناطق العالم، وبخاصة مع الغرب، وأوروبا على وجه التحديد، والحاجة لمعالجة متأنية ومتعمقة ولكن شجاعة واضحة في الوقت ذاته، للجدليات المعقَّدة والمتشابكة لتلك العلاقة من منطلق محاولة استعادة جذور الثقة المفقودة بين الجانبين، وذلك نتاج قرون، وليس مجرد عقود، من بناء تراكمي للشكوك المتبادلة والعداوات الافتراضية أو الحقيقية بين الطرفين. وذلك من خلال إبداء النوايا الحسنة وربطها بخطوات إيجابية محددة ومبادرات بنَّاءة متواصلة وقابلة للتنفيذ، بما يؤكد صدق تلك النيات وعدم ظرفيتها أو طابعها الاعتذاري المحض أو كونها مجرد رد فعل نمطي أو تقليدي على حادث عنف هنا أو فعل إرهابي هناك.

ويخص المستوى الثاني الجاليات العربية والإسلامية في بلدان المهجر، والتي تلقى عليها مهمة ثقيلة، ولكنها حتمية وتاريخية في آن، وهو ما يتمثَّل في التوصل إلى ذلك الخيط الرفيع وتلك الصيغة المثالية، ولكن التي تتصف بالعملية والقابلية للتحقق على أرض الواقع، للجمع بين الحفاظ على الهوية العربية والإسلامية لتلك الجاليات، بما في ذلك تعليم اللغة العربية والدين الإسلامي، أو الديانات الشرقية الأخرى كالأرثوذكسية القبطية مثلاً، وكذلك الحفاظ على منظومة القيم والعادات والتقاليد النابعة من الثقافة الوطنية لدى البلدان التي ورد منها هؤلاء المواطنون أو المقيمون في المقام الأول، وتوريثها من جيل إلى آخر من جهة، وبين تحقيق القدر المطلوب من الاندماج الوطني في البلدان غير الإسلامية، بما يحقق الحد اللازم من الانصهار المجتمعي وشعور جميع المواطنين والمقيمين بوجود روابط مشتركة من الولاء والانتماء تجمعهم، من جهة أخرى.

وويشير المحللون الى انه من المهم أن يلتقط المفكرون والمثقفون والدوائر المؤثرة في الرأي العام في العالمين العربي والإسلامي، الخيط من تصريحات البابا فرنسيس الإيجابية والبنَّاءة تجاه الإسلام والمسلمين، ولو حتى كمجرد مدخل لإعادة النظر في المناهج المتبعة حتى الآن في الدفاع عن الإسلام، ديناً وحضارةً وتاريخاً، ليس من منطلق «الدفاع المطلق»، بل على أرضية «الدفاع الرشيد» الذي لا يعيبه في مواقف معينة أن يمارس النقد الذاتي ويقر بوجود إشكاليات في الفكر والخطاب والسلوك يتعين التصدي لها بشجاعة بهدف معالجتها وتقويمها. كما أنه دفاع يتعين أن يتسم بالمنطق وبفهم العقل الذي يخاطبه ومرتكزاته وأطره المرجعية، ومحاورته على أرضيته وبخطاب مفهوم لديه وبمفردات تكون قريبة منه ومتداولة لدى أتباعه، من دون إغفال واقع أنه يجب تنبيه الطرف الآخر أيضاً إلى أوجه النقص أو القصور لديه والتعبير بصراحة، ولكن في شكل سلمي وحضاري، عن تحفظات أو انتقادات تكون موجَّهة إلى بعض سياساته أو مواقفه أو حتى توجهاته.

ويرفض البابا فرنسيس،الربط بين الإسلام والعنف، مؤكدا أنه يمكن للكاثوليك أيضا أن يتسموا بالعنف، محذرا أوروبا من أنها تدفع قسما من شبابها نحو الإرهاب.
وقال البابا في تصريحات صحفية، “لا أعتقد أنه من الصواب الربط بين الإسلام والعنف”، وذلك ردا على سؤال عن سبب عدم ذكره الإسلام في كل مرة يدين فيها هجوما متشددا،وتابع البابا: “في كل يوم حين أقرأ الصحف أجد أعمال عنف في إيطاليا: أحدهم يقتل صديقته، آخر يقتل حماته، وهؤلاء كاثوليك معمدون”.
وإذا تحدثت عن أعمال عنف إسلامية يتعين علي أيضا أن أتحدث عن أعمال عنف مسيحية. في كل الديانات تقريبا هناك دوما مجموعة صغيرة من الأصوليين. هم موجودون عندنا أيضا”.، ويشدد البابا على أن الدين ليس الدافع الحقيقي وراء العنف.
مردفا ان “القتل يمكن أن يتم بواسطة اللسان تماما كما بواسطة السكين”، محذرا من صعود الأحزاب الشعبوية التي تنشر العنصرية والعداء للأجانب.
ومؤكدا أن الإرهاب “يزدهر عندما يصبح رب المال هو الأول وعندما لا يكون هناك خيار آخر”.
“كم تركنا من شبابنا الأوروبيين من دون مثل أعلى ومن دون عمل، فتوجهوا إلى المخدرات والكحول وإلى الجماعات الأصولية”.
“إنها أعمال جبانة تستخدم الأطفال لتقتل كما حصل في نيجيريا. تستهدف من يصلي كما حصل في الكاتدرائية القبطية في القاهرة أو من يسافر ويعمل كما حصل في بروكسل أو يتنزه في طرقات المدن كما حصل في نيس وفي برلين، أو من يحتفل ببساطة بحلول العام الجديد كما حصل في إسطنبول”.
ومضى البابا يقول “أطلق نداء إلى السلطات الدينية كي تتوحد في التأكيد بقوة أنه لا يمكن لأحد ان يقتل أبدا باسم الله”.
وشدد على ضرورة “تقديم حياة لائقة” للمهاجرين قائلا “لا يمكن أن يحل السلام الحقيقي طالما بقي كائن بشري واحد تُنتهك هويته الشخصية ويتحوّل إلى مجرد رقم إحصائي أو إلى غرض ذي اهتمام اقتصادي”.

في المقابل، دعا المهاجرين إلى “احترام قوانين وثقافات وتقاليد” الدول التي تستضيفهم وشدد على ضرورة أن تقوم السلطات بتقييم “مدى قدرة البلاد على تقديم حياة لائقة للمهاجرين”.

بسيط ..متواضع .. وتقيّ..

كثيرة هي الفضائل التي يمكن أن يعلّمنا إياها البابا فرنسيس. فمنذ لحظة انتشار خبر انتخابه، انتشرت أيضاً أخبارٌ تتحدث عن بساطته وتواضعه وتقواه… إلى جانب فضائل أخرى يتميّز بها.

يقول أحد الصحفيين الأرجنتينيين أنه عندما عُيّن المطران خورخي برغوغليو كاردينالاً من قبل البابا الراحل الطوباوي يوحنا بولس الثاني عام 2001، أرادت مجموعة من المؤمنين مرافقته إلى روما لمشاركته بهذا الحدث الإستثنائي، ولكنه طلب منهم البقاء في “بوينوس آيرس” وتقديم الأموال التي كانوا يريدون تخصيصها للسفر إلى الفقراء، وهذا الأمر تكرر خلال انتخابه بابا حيث دعا المؤمنين للقيام بالأمر عينه وعدم السفر من الأرجنتين إلى الفاتيكان.
بالإضافة إلى ذلك، عُرف عنه أنه لم يرد يوماً أن يحصل على سائق سيّارة، وكان يتنقل في وسائل النقل العامة أو في القطار، وعندما كان يسافر إلى روما بالطائرة، كان يختار دائماً الفئة السياحية.

أما خادم إحدى رعاية أبرشية “بوينوس آيرس” الأب خوان إيساسمندي فيصف البابا الجديد بأنه “شخص مهمّ جداً بالنسبة لمدينته. فهو كان يمرّ بشوارعها سيراً على الأقدام بمفرده، دون أية مشكلة، ملقياً التحية على الجميع. وهم يحبّونه كثيراً.

وعن تواضعه كشفت احدى الصحف الأرجنتينية أنه، منذ 12 سنة، قامت السيدة بيلار مارتينيس ثوبيريا، أم لستّة أولاد، بإرسال رسالة إلى رئيس أساقفة “بوينوس آيرس” الكاردينال بيرغوغليو، منتقدة إياه على عدد من الأمور. وكردّ على هذه الرسالة، اتصل الكاردينال بالسيدة وشكرها على الرسالة مؤكداً أنه سيأخذ ما قيل بعين الإعتبار، طالباً منها أن تصلي كثيراً له. وقالت بيلار: “كان هذا مثالاً كبيراً عن تواضعه… قد اتصل بي على رقم منزلي”. وتضيف: بعد سنوات، تكررت الحادثة نفسها، مع السيدة بيلار، فاتصل من جديد طالباً منها المزيد من الصلاة لأجله”، وهنا شرحت أنها تأثرت كثيراً، وبعد أن مرّ الوقت فكّرت أنه “قد يكون الإعلام هو سبب انتقاداتي بسبب انتقاص واجتزاء بعض مواقفه وإبرازها بطريقة خاطئة”. فتابعت: “أرسلت له هذه المرة رسالة مدح، مشجعة إياه على الإستمرار بما يقوم به، ولكنه هذه المرّة لم يردّ على الرسالة”، معتبرة أن “هذا دليل كبير عن تواضعه”.

وبعد وفاة الطوباوي يوحنا بولس الثاني عام 2005، شرح الكاردينال برغوغليو ببساطة السبب الذي دفعه إلى صلاة أسرار الوردية الـ15 يومياً، قائلاً: “إذا لم أكن أخطئ الذكر، حدث ذلك في العام 1985. ذهبت عصر أحد الأيام لصلاة المسبحة التي كان يقودها الأب الأقدس. كان أمام الناس، جاثياً على ركبتيه، وكان الجمع كبيراً”.،وفسّر برغوغليو كيف أنه، وعندما شعر أنه بقيادة راعيه، شرد قليلاً، وتأمل بصورة البابا، وبتقواه، وقال: “هذه التقوى كانت بمثابة شهادة حياة بالنسبة لي، فبدأت أتخيّل الكاهن الشاب، طالب الكهنوت، الشاعر، العامل، الطفل في فارسوفيا… في الوضعية نفسها، جاثياً على ركبتيه، يصلي السلام تلو السلام… هذه الشهادة أثّرت بي كثيراً. شعرت بأن هذا الرجل، الذي اختاره الله لقيادة الكنيسة، كان يتبع الطريق المؤدية إلى أمّه في السماء: الطريق الذي بدأه منذ صغره”. وتابع الكاردينال برغوغليو: “حينها، فهمت ثقل هذه الكلمات التي قالتها عذراء غوادالوبي للقديس خوان دياغو: “لا تخف، ألست هنا معك وأنا أمّك؟… حينها فهمت حضور العذراء في حياة البابا”.
وأكد الكاردينال برغوغليو أنه منذ ذلك الحين لم تمحَ صورة يوحنا بولس الثاني من رأسي، وبتّ أصلّي أسرار الوردية الـ15 كل يوم”.
“نحب البابا كائناً من يكون”: هذا ما أكده القديس خوسيماريا مراراً في تعاليمه، وغالباً ما كان يدعو لتكرار عبارة: (كلنا مع بطرس نحو يسوع عبر مريم) كدليل اتحاد تام مع رأس الكنيسة الواحدة الجامعة المقدسة الرسولية، بعيداً عن أية مقارنة بين بابا وبابا آخر، وإيماناً بعمل الروح القدس في الكنيسة.

أن هذه الزيارة تعد ردا عمليًا على محاولات تلك الجماعات المجرمة التى ترمى إلى تمزيق الوطن من خلال إحداث الفتن الطائفية، كما تعد أيضا تثمينا وتقديرا للدور الحضارى للأزهر الشريف وقدر هذه المؤسسة العلمية التى تنشر الوسطية والتى تبين مبادئ الإسلام ورؤيته للأديان واحترامه للإنسان وتجسد الدور الحضارى لمصر ومكانة مصر بلد الأزهر الشريف،حيث كانت ولازالت مصر مصدر للإشعاع الحضارى لجميع دول العالم من خلال علماء الأزهر ومن وفدوا إليه وتعلموا فى أروقته ومعاهده وكلياته.
كما تعكس الزيارة مدى ثقة بابا الفاتيكان الكبيرة فى مصر قيادة وشعبًا وقدرتها على مواجهة تيارات التطرف والإرهاب والقضاء عليها واستئصال جذورها، وتوجِّه رسالة سلام للعالم من أرض الكنانة.
وكلنا امل ان يكون للزيارة مردودها الإيجابى للعالم أجمع بأن مصر بلد السلام والأمان .