أخبار مصر

وحدة الدم ..الأرض .. والتاريخ ..

لعل التنوع .. أحد أهم ملامح القوى الناعمة التى يمتلكها المجتمع المصرى منذ آلاف السنين،..حيث تميزت العلاقة بين المصريين بكل اطيافهم طوال التاريخ بانها سوية تشكل نسيج واحد قوى ومتين .. فلا تكاد تستطيع التمييز بين مسلم ومسيحى . ولم تؤد خبرة التعايش بين المصريين المختلفين فى المعتقد الدينى إلى مشكلات كبرى.
وبشهادة التاريخ .. خاضوا الحروب معا وانتصروا معا, وبالامس القريب كان ميدان التحرير خير دليل علي ذلك خلال ثورة25 يناير .
ويشير المؤرخين الى انه لم يسبق الاحتلال البريطانى توترات طائفية بين المسلمين والمسحيين يمكن ذكرها.

الاسلام دين السلام ..والمسيحية دين المحبة

المسلم والقبطى أخوه بوحدة الدم والأرض والتاريخ ، تتأصل فى نفوسهم نفس العقيدة وهى الايمان بالله ونبذ الحروب ويتنفسون نفس المفاهيم السمحة التى تحض على الكراهية والتناحر فالاسلام دين السلام والمسيحية دين المحبة ، وعلى الارض نحيا بالمحبة والسلام ..

وحدتنا هى أصل عراقتنا والتاريخ شاهد على العصر ، فمصر هى أول من عرفت الوحدة الوطنية وكانت هى المسار والفلك الذى تبعته كافة الآمم ، فجاءت الوحدة الوطنية سابقة بقرون على فتح مصر على يد عمرو بن العاص و أتى لفتح مصر تحت راية السلام والإسلام ، ليس كرهاً أو رغما عن أهل مصر من المسلمين والأقباط ، بل جاء الفتح الإسلامى لمصر لما كان يعانيه المصريين من إضطهاد للمسيحية ، حيث كان المصريين يعانون من اضطهاد الرومان لعقيدتهم المسيحية أو المسلمون الذين يلتزمون بعقديتهم الإسلامية ، فكما جاء فى الاسلام الحنيف ” لا إكراه فى الدين ” فكان دخول عمرو بن العاص الى مصر بأمر من رسول الله ( ص ) حيث صاغ فى عهد كتبه عمرو بن العاص – عهد الله ورسوله وعهد أمير المؤمنين (بسم الله الرحمن الرحيم.. هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبهم فى برهم وبحرهم لا يد خل عليهم شئ من ذلك ولا ينقص).
فجاء فتح مصر على يد عمرو بن العاص حاملاً رسالة السلام والاسلام لشعب مصر آمنين على حرية اختيار عقيدتهم اعمالا لأحكام الدين الحنيف بحرية العقيدة .

وقد شرفت مصر وشعبها بتلك الوصية النبوية الشريفة التى أوصى بها رسول الله ( ص ) وهو على فراش المرض ، حينما قال “قبط مصر فإنهم أخوال وأصهار وهم أعوانكم على عدوكم، وأعوانكم على دينكم “، وهو أول دستور يحكم مصر منذ بداية الفتح الإسلامى- أقباطا أخوالا ومسلمين أعماما فى أسرة واحدة متعاونين فى أمور الدنيا متساندين فى شئون الدين تكريسا لحكم الدين الحنيف بأن الدين واحد والشرائع شتى، وإيمانا بالرسالات السماوية لا يفرق بين كتبه ورسله وأنبيائه أجمعين.
وهو ما رسخت معه حقوق الوطن والمواطنة والتى هى فريضة على الاسلام وهى حماية المسيحية وقبط مصر بإعتبارهم أهل الكتاب مع المسلمين فهم أمة وأصحاب أرض واحدة .

ويمكن من خلال استقراء العلاقات بين المسلمين والأقباط عبر العصور المختلفة، القول بأن المجتمع المصرى لم يدخل يوما فى حزام المجتمعات الطائفية بشكلها المعروف وإن كانت هناك بعض التفاعلات من آن لآخر لم تخل من أعراض تشى بطابعها الطائفى..
حتى لفظ قبطى المستخدم لوصف المسيحيين فى المجتمع المصرى قد اُستخدم كثيراً لا تعبيراً عن الدين ولا طموحاً فى إيجاد وحدة سياسية أساسها الدين، ولكنه استخدم بمعنى “المصرى الأصيل” مسيحياً كان أو مسلماً، واستعمل هكذا ليميز المصريين “الأصلاء” عن المتمصرين، أى أنه فى إحدى الفترات الماضية كان لفظ قبطى يعنى مصرى بغض النظر عن الديانة التى يعتنقها، إلا أنه الشائع بين المؤرخين وجموع المثقفين والعامة أيضا – وحسب المعنى الإصطلاحى –أن الأقباط هم المصريون الذين يدينون بالمسيحية، ولكن فى النهاية فإن أقباط مصر ومسلميها يجمعهم وطن واحد، وكل منهم قد ارتضى بأن يعبد الله على ما رآه صواباً.

فعندما دخل الإسلام مصر حرر المسيحيين من الاضطهاد الرومانى وكان ذلك أحد العوامل فى قبول المصريين مسلمين ومسيحيين للغة العربية، فأصبحت اللغة السائدة لدى الجميع مما صنع نوعاً من الوعى والتفكير المشترك.
فمفهوم التسامح والتعايش في الإسلام هو التعامل مع غير المسلم وفق الحكمة واللين والمعروف، وكذلك رسالة المسيح التي تجسدها الكنيسة هي المحبه والتسامح وقبول الأخر ، فالاحترام هو أساس لترسيخ العلاقات بين الأفراد.
ووقفت الكنيسة المصرية ضد عمليات التبشير الأوروبى, كما وقف بطريرك الأقباط مثل مشايخ الإسلام وحاخام اليهود مع الثورة العرابية عام 1882 فى صراعها مع الخديوى توفيق. وإن لم يمنع ذلك من وجود خلافات سطحية تظهر وسريعا ما تخبوا.

بداية تأسيس الدولة المصرية الحديثة..

فى المراجع التاريخية يشار دائما إلى عهد محمد على باشا (1805 – 1848) أنه بداية تأسيس الدولة المصرية الحديثة،
والذى عمل بسياسة التسامح وروح المساواة بين جميع المصريين منذ توليه حكم مصر سنة 1805 .
فقضى محمد على الكبير والذى تولى حكم مصر وهى فى حالة من الإضطراب والهزل الإقتصادى على التفرقة بين المسلم والقبطى مؤمنا بأن كلاهما يستطيع أن يقدم للوطن سويا أحسن ما لديه ،
كما اتجهت سياسة محمد على إلى مساواة تامة بين المسلمين والأقباط في الحقوق والواجبات فعين أقباطاً مأمورين لمراكز برديس والفشن بالوجه القلبى، دير مواس وبهجورة والشرقية.،حيث عاشت مصر أبهى عصورها الذهبية من النماء والازدهار .

ومن أهم المظاهر التى تمتع بها الأقباط فى عصر محمد على الزاخر هو الغاؤه للزى الرسمى الذى كان مفروضا على الأقباط إرتداءه ، كما ألغى كافة القيود التى كانت تفرض على الاقباط لممارسة طقوسهم الدينية وكان لا يرفض طلب للأقباط فى أى طلب لبناء أو إصلاح الكنائس .،كما كان محمد على أول حاكم مسلم يمنح الموظفون الأقباط رتبة ” البكوية ” كما إتخذ له مستشارين من المسيحيين .

أما فى عصر سعيد باشا (1854- 1863) والذى عمل على استمرار روح التسامح الديني والمساواة بين المسلمين والأقباط فقام بتطبيق قانون الخدمة العسكرية على الأقباط وألغى الجزية التي ظلت جاثمة على صدور الأقباط منذ الفتح العربي في منتصف القرن السابع.

ودخل الأقباط لأول مرة في سلك الجيش والقضاء وسافر بعضهم إلى أوروبا وكانت النهضة التعليمية لها نصيب الأسد فيها. ولا ننسى أن سعيد باشا عين حاكماً مسيحياً على مصوع بالسودان.

وفى عهد الخديوى إسماعيل باشا فى الفترة من (1863- 1878) والذى قرر علانية ورسمياً بترشيح الأقباط لخوض إنتخابات أعضاء مجلس الشورى ، ثم تعين قضاة من الأقباط في المحاكم .

كما منح للأقباط حق الحصول على ” الباشوية ” وكانت لأول قبطى وهو واصف باشا والذى كان يعمل فى وظيفة كبير التشريفات وأخرون .

ولا شك أن أحداث ثورة 1919 تجلت فيها مظاهر الوحدة الوطنية في أبهى صورها ، حيث كانت القيادة الوطنية – بزعامة سعد زغلول- واعية منذ البداية بأهمية مكانة الوحدة الوطنية والتي باركها ودعمها الشعب كله والتي أفرزت شعارات تقدمية مثل “الدين لله والوطن للجميع” “عاش الهلال مع الصليب”.

حيث كان يشارك الأقباط فى الحياة السياسية بكل قوة ووطنية ، وكانت فترة تاريخية خصبة من حيث اختفاء التمييز الديني وبناء وتقلص معه دور الدين على الساحة السياسية ، إلى أن قامت جماعة الإخوان المسلمين بزعامة الشيخ حسن البنا بالمطالبة بالحكم الدينى في مصر ورغم هذا تصدى له الوفد دائماً أبداً ضد هذا المطلب الديني وانتصر المجتمع المدني الديمقراطي حتى قيام ثورة 23 يوليو 1952.

الإخوان المسلمين..

كانت من أشد الفترات التى عايشت انتكاسات طائفية فمع إعادة ظهور التيار الدينى المتشدد ” الإخوان المسلمين ” وممارسة أنشطتها التى استهدفت ضرب الوحدة الوطنية فى تلك الفترة ، صاحبتها ظواهر أخرى استهدفت تخريب الاقتصاد القومى فى عملية توظيف الأموال وضرب السياحة والاستثمار لخلق أزمة البطالة بما سهل معها تجنيد أعداد من الشباب لخدمة أغراض الإرهاب، فضلا عن التحول من الإرهاب المسلح بقتل الأبرياء من المواطنين ورجال الشرطة وذلك إلى الإرهاب المعنوى بإشهار سلاح التكفير على التفكير والإبداع، بل على المجتمع بأكمله توصلا لقلب نظام الحكم والاستيلاء على السلطة.
وفى حقبة الثمانينات والتى بدأها الرئيس الاسبق محمد حسنى مبارك بإعلان الخيار الديمقراطى، وبإطلاق سراح المعتقلين من رموز العمل الوطنى، الى القضاء فى فترة التسيعنات على الارهاب ، والتاكيد دوما على مبدأ المواطنة والمساواه فى الحقوق والواجبات بين كافة أبناء الوطن .

المواطنة .. أعلى مستويات الانتماء ..

والمواطنة هى علاقة اجتماعية ترتبط بالأدوار التى يؤديها الأفراد، وتفاعلهم مع الآخرين ومع الدولة التى يعيشون فى كنفها، وهى لا تُمنح ولكنها حق لكل مواطن يعيش على أرض الوطن. ، و هى أعلى مستويات الانتماء لجماعة تكونت منها دولة، و مفهوم يرتكز على قيم المساواة فى الحقوق والواجبات والمشاركة والمسئولية الاجتماعية وتكافؤ الفرص بين جميع أبناء الوطن دون تمييز.

وترتبط المواطنة بظروف المجتمع وتتأثر بالمرحلة التى يمر بها، والدليل على ذلك اختلاف حالات المواطنة فى المراحل المختلفة لحكم مصر منذ ثورة 1952، فعلى سبيل المثال نجد أن السمة الأساسية لمرحلة الزعيم جمال عبد الناصر كان لها طابع التكامل الوطنى للجميع، أما مرحلة الرئيس السادات فتتسم بأن بها طابع التكون الطائفى؛ مما شكل تطوراً سلبياً بحق التكامل بين مكونات المجتمع وبصورة يصعب تقديرها إذا لم نضعها فى إطار الأزمة المجتمعية الشاملة، وتعتبر مرحلة الرئيس مبارك مرحلة إعادة التوازن والثقة فى مفهوم التكامل بين المسلمين والأقباط إلى حد كبير رغم وقوع عدة فتن طائفية فى المجتمع المصرى، بينما تلاشت الفروق الطائفية أثناء ثورة 25 يناير التى أطاحت بنظام مبارك، ثم عادت للظهور عقب انتهاء الثورة وتولى المجلس العسكرى حكم البلاد، وأخذت فى الازدياد والاحتقان خلال العام الذى تولى فيه محمد مرسى رئاسة مصر، وعقب ثورة 30 يونيه وإسقاط نظام الرئيس مرسى قلت حدة الفتن الطائفية بوضوح خلال تولى المستشار عدلى منصور رئاسة مصر بشكل مؤقت، ومع تولى الرئيس عبد الفتاح السيسى رئاسة مصر.
ظهرت الفتنة فى ثوب السياسة فنجد من حين لآخر تطل علينا بعض الاعمال التخريبية بهدف احداث فتنة فى المجتمع فى محاولة للنيل من وحدته .

ولم يتحرك الأقباط فى المجتمع يومًا من منطلق أنهم جماعة مغلقة أو ذات عناصر متماثلة، حيث أدى انتشارهم فى جسم المجتمع، وتنوعهم الطبقى والفئوى، إلى الارتباط العضوى بالسياق الاجتماعى الثقافى المصرى.
و عن أوضاع الأقباط فى ظل الدولة العثمانية يقول “المقريزى” كان منهم كُتاب المملكة ومنهم التجار، والباعة، ومنهم الأساقفة والقساوسة، ومنهم أهل الفلاحة والزراعة، ومنهم أهل الخدمة والمهنة.
كما حرص الأقباط على التحرك نحو الاندماج فى المجتمع، الأمر الذى دعم مسيرة الحركة الاستقلالية، التى برز دورها الواضح فيما بعد تولى محمد على، وتأسيس ما اصطلح على تسميته بالدولة الحديثة فى مصر، وتجسد الجماعة الوطنية وتكامل مكوناتها وبزوغ المواطنة.

والمواطنة هى علاقة اجتماعية ترتبط بالأدوار التى يؤديها الأفراد، وتفاعلهم مع الآخرين ومع الدولة التى يعيشون فى كنفها، وهى لا تُمنح ولكنها حق لكل مواطن يعيش على أرض الوطن. ، والمواطنة هى أعلى مستويات الانتماء لجماعة تكونت منها دولة، وهى مفهوم يرتكز على قيم المساواة فى الحقوق والواجبات والمشاركة والمسئولية الاجتماعية وتكافؤ الفرص بين جميع أبناء الوطن دون تمييز.
وترتبط المواطنة بظروف المجتمع وتتأثر بالمرحلة التى يمر بها، والدليل على ذلك اختلاف حالات المواطنة فى المراحل المختلفة لحكم مصر منذ ثورة 1952، وحتى ثورة يناير 2011 .

وتعريف الفتنة الطائفية فى مصر يتمثل فى كونها أزمة أو معركة أو صدام لا يستطيع المحللون أو المراقبون لأحداثها التحديد بوضوح الحق مع أى طرف من أطراف النزاع، كما أن الفتنة قد تكون مدبرة بفعل فاعل، أو تكون بشكل عفوى دون إعداد مسبق، وغالبا ما تنشأ الفتنة فى أجواء التوتر والاضطراب، كما يشكل نقص المعلومات أحد أهم العوامل الرئيسة لتأجيج الفتنة.
ويرى المحللون انه لاسبيل إلى تخطى هذه الأزمات إلا بمواجهة أسبابها، بأقصى قدر ممكن من الصراحة والشجاعة والحسم؛ لأن الصمت عن تلك الأسباب، هو بمثابة تجاهل لألغام مزروعة فى الوطن.،وارتبطت الفتنة الطائفية بالعديد من العوامل على مدار تاريخ مصر، منها سياسات الفاعلين الرئيسيين على رأس النظام، وعدم وجود مشروع أو هدف قومى يُسعى إلى تحقيقه، فضلاً عن التدخلات الخارجية فى الشأن المصرى.

لقد قاوم المصريون علي قلب رجل واحد المستعمر أياً كان رومانياً بيزنطياً فارسياً أو مملوكياً أو عثمانياً أو فرنسياً أو إنجليزياً أو إسرائيلياً. ناضل المسلمون والمسيحيون علي السواء ضد الغزاة واشتركوا في حروب 1948 – 1956 – 1967 – 1973 وهم يد واحدة وقلب واحد وروح واحدة.

وجاءت ثورة 25 ينايرلتظهر تلاحم كل أبناء الوطن مسلمين وأقباط وما شهدناه في ميدان التحرير من وقوف الشباب القبطي متشابكي الأيدي ليكونوا دروعاً بشرية وطوقاً أمنياً لحماية إخوانهم المسلمين أثناء تأدية الصلاة..

إن وحدتنا الوطنية هي صمام أماننا نحن المصريين و شعار الدين لله والوطن للجميع وعاش الهلال مع الصليب سيظل شعاراً لكل أبناء الشعب المصري الواحد بعنصريه المسلم والمسيحي ويعيش المصريين على ارضها تظللهم سماء واحدة وأرض واحدة .
لقد حاولوا كثيرا زرع الفتنة لينالوا من وحدة المصريين لكنهم باءوا بالفشل .

عظيمة هى أرض مصر بتاريخها وشعبها الأصيل ، فهم جزء من الأرض ورائحة التاريخ ومذاق الإتحاد والوحدة ، لقد حافظوا على وحدة هذا التراب منذ أمدً بعيد ، وسالت دماؤهم مسلمين وأقباط على هذه الأرض الطيبة لترفع علم الشموخ والانتصار على مدى عقود وعهود طويلة زاخرة بأمجاد هذا الشعب من البواسل .