إعداد/ عبد الرحمن عثمان

رغم صمت هدير المدافع وقعقعة السلاح في منطقة البلقان منذ نحو 18 عاما، إلا أن دول البلقان كلها تقريبا تعيش فوق بركان من القلاقل السياسية والعرقية التي تجعل دولها عرضة للإنفجار كل لحظة.

فهي ضحية لخلفيات من صراع النفوذ بين البلدان الغربية وروسيا وأطماع “صربيا الكبرى” و “ألبانيا الكبرى” .

وقد اعرب رئيس المجلس الاوروبي دونالد توسك عن قلقه هذا الاسبوع من “التوترات والانقسامات” ومن “التأثيرات الخارجية غير الصحية” في هذه المنطقة الهشة.

الازمة السياسية في مقدونيا تتحول إلى عرقيا

اتخذت الأزمة السياسية التي تعصف بمقدونيا منذ سنتين منحى عرقيا ، إذ دعا اليمين الى التظاهر والى الوحدة الوطنية، لمواجهة مطالب غير مسبوقة للأقلية الألبانية.

وكان يسود الاعتقاد ان القضية انتهت على ما يبدو منذ 2001 عندما منح اتفاق في نهاية شهور الانتفاضة التي اسفرت عن سقوط ما بين مئة ومئتي قتيل، الاقلية الألبانية التي تشكل بين 20 و25 بالمئة من السكان، مزيدا من الحقوق.

وجنب هذا الاتفاق البلد الذي يشكل السلاف الارثوذوكس اكثرية سكانه، نزاعا مثل النزاعات التي ادت الى تفكك يوغوسلافيا السابقة.

لكن نتائج الانتخابات النيابية التي أجريت في ديسمبر برعاية الاتحاد الاوروبي ، تهدد بإيقاظ الشياطين الكامنة في هذا البلد الفقير ذو الـ 2،1 مليون نسمة، بعد أن كان يفترض ان تؤدي الى الخروج من شلل سياسي طويل

ومنذ 2015، تقتصر الحياة السياسية على تبادل الادانات والاتهامات بالفساد وعمليات التنصت غير الشرعية بين المعارضة الاشتراكية الديموقراطية واليمين القومي الذي يتولى الحكم منذ 2006. وتراقب هذه المبارزة المريرة التي تخلو من دلالات عرقية، احزاب البانية منقسمة.

وقد غيرت الانتخابات كل شيء، لكنها لم تتخذ المنحى الذي يرغب فيه الاتحاد الاوروبي. ولم تفرز صناديق الاقتراع اي منتصر بكل ما للكلمة من معنى، ولم يتخط اليمين بزعامة نيكولا غرويفسكي الرجل القوي في البلاد، المعارضة الاشتراكية-الديموقراطية، إلا بفارق بسيط (51 مقعدا في مقابل 49).

ووفر هذا الفارق الضئيل للناخبين الألبان دور “صانعي الملوك”. وفي اعقاب اجتماعات كثيرة في مكتب رئيس وزراء الأخ الألباني الاكبر إيدي راما في تيرانا، أعدوا مجموعة من المطالب المشتركة، لاسيما منح”اللغة الألبانية” وضع “اللغة الرسمية” في كل انحاء البلاد.

-“ألبانيا الكبرى”-

وافق زوران زايف زعيم المعارضة الاشتراكية الديموقراطية، والعدو اللدود لنيكولا غرويفسكي على المطالب، حتى تنفتح امامه على ما يبدو ابواب سلطة يرغب فيها منذ عشر سنوات.

لكن الرئيس جورج ايفانوف المقرب من نيكولا غرويفسكي، رفض تكليفه تشكيل حكومة مشيرا الى “تهديد للسيادة ووحدة الاراضي واستقلال مقدونيا”. ودانت البلدان الغربية هذا القرار الذي وصفته المعارضة بأنه “انقلاب” متهمة اليمين باللعب بالنار.

لكن مقدونيين يشكل الاشخاص الناضجون اكثريتهم، يتظاهرون منذ السادس من مارس على وقع الصفارات والاناشيد الوطنية، وقد تزينوا بالأحمر والذهبي، لوني علم البلاد، معربين عن قلقهم من اقامة نظام “فدرالي” ومطالبين “بانقاذ وحدة البلاد”.

وفي هذه التظاهرات، يعبر المشاركون عن الارتياب بالاتحاد الاوروبي الذي ترشحت مقدونيا للانضمام اليه.

وعبرت ليديا فاسيليفا مصممة الازياء (60 عاما) عن خشيتها من ذلك. وقالت ان “مطالب الالبان لا تنتهي. ونتجه خطوة خطوة نحو البانيا كبرى وعندئذ تزول مقدونيا”. واعلنت المغنية الذائعة الصيت كاليوبي بوكلي “هذا وطننا، وليس لدينا وطن آخر”.

وقد حصلوا على دعم موسكو التي تتهم تيرانا بالتحرك وفي ذهنها “خطة ألبانيا كبرى”. وترفض البانيا المجاورة هذا الاتهام. وتقيم أقليات البانية ايضا في “الجبل الأسود” واليونان وصربيا. وتقع مقدونيا على حدود كوسوفو التي تسكنها اكثرية من الألبان.

– “تصعيد ممكن”-

تنفي البانيا التي تعد حليفا متينا لحلف شمال الاطلسي، اي تهمة بالتدخل. وقد اكد وزير خارجيتها ديتمير بوشاتي ان الاهتمام “بوضع الألبان خارج الحدود واجب دستوري”. وكتب ايدي راما على موقع فيسبوك ان الالبانية “ليست لغة العدو، بل لغة شعب مؤسس لمقدونيا، ولولا الألبان، لما قامت مقدونيا”.

لكن المحلل الصربي المستقل الكسندار بوبوف قال ان هذه “الصيغة المؤيدة للالبانية” التي تناقش في تيرانا، تشكل “خطرا” على دول البلقان. واضاف “نظمت تظاهرات حتى الان، والتصعيد ممكن، وبالتالي الوصول الى مرحلة نزاع”.

وفجر السابع من مارس، تسببت عبوات مولوتوف بأضرار طفيفة في مبنى تاريخي في بيتولا، جنوب مقدونيا. ففي هذا المبنى، تم الاتفاق في 1908 على الابجدية الألبانية الموحدة. وقال نصير ارسلاني، مدير المتحف، “لسنا بحاجة الى هذا النوع من الحوادث”.

ودعت تيرانا “ألبان مقدونيا الى تجنب الوقوع في أفخاخ التحريض”. ووجه علي احمدي، المتمرد السابق الذي بات زعيم ابرز حزب ألباني في مقدونيا “حزب التكامل الديموقراطي” نداء لـ “ضبط النفس”.

ويقول المحللون ان انتخابات جديدة او حكومة تحالف، تستطيعان وحدهما وقف هذه الدوامة. وهما امران مستبعدان حاليا.

* هل يمكن ان يقوض انضمام “جمهورية الجبل الأسود” الى الأطلسي استقرار هذا البلد؟.

* لقد تخلى “الزعيم” ميلو ديوكانوفيتش رسميا عن الرئاسة لمساعده دوسكو ماركوفيتش. لكن الهدف لم يتغير، اي الانضمام الى حلف شمال الاطلسي في 2017.

* أدى هذا الخيار الذي واجه احتجاجات في البلد الصغير الذي يشكل السلاف والارثوذوكس اكثرية سكانه، الى تظاهرات عنيفة في 2015. ويتخوف كثيرون من ان تستأنف عندما يجتمع البرلمان في الربيع للتصديق على الانضمام.

واتهمت سلطات “الجبل الأسود” “قوميين من الروس” و”اجهزة إستخبارات من “روسيا الإتحادية” بتنظيم انقلاب أجهض يوم الانتخابات التشريعية في أكتوبر 2016. واودع خمسة عشر من الصرب، بينهم ناشطون موالون لروسيا، السجن. وفي فبراير قرر القضاء توقيف زعيمي المعارضة الموالية لروسيا، اللذين اعلنا تأييدهما لما خطط له معسكر ديوكانوفيتش، ثم تراجع عن هذا القرار.

– هل يريد صرب البوسنة الانفصال؟

بعدما نادى زعيم صرب البوسنة ميلوراد دوديك في 2016 بحقهم في الاحتفال ب “عيدهم الوطني”، بات يتحدث باستمرار عن استفتاء حول انفصال “جمهوريته الصربية”. وبات دوديك الذي كان “مدلل” من البلدان الغربية، يستخدم تعبير “صربيا الكبرى”، ويتحدث مع فلاديمير بوتين، ويعرب عن قلقه من التنامي المفترض للتيار الاسلامي بين البوسنيين المسلمين، ويعرب عن شكوكه في ديمومة البوسنة “المكان الذي لا يرغب فيه احد”.

يعتبر البوسنيون ان تنظيم استفتاء للانفصال “خط احمر” في بلد مقسوم، بعد اكثر من عشرين عاما على نزاع بين عرقياته الثلاث [ مسلمون وصرب وكروات] اسفر عن 100 الف قتيل. ويؤكد ميلوراد دوديك انه سيمتنع عن اتخاذ اي قرار “غير عقلاني” لكنه نبه الى “اننا لن نتخلى عن هذه الفكرة”.

– تسوية ممكنة في كوسوفو؟

اعترف حوالى 110 بلدان باستقلال كوسوفو التي شهدت حربا اسفرت عن 13 الف قتيل في 1998-1999. لكن بلجراد المدعومة من موسكو، لم تعترف بهذا الاستقلال الذي تم دعمه بإنضمام البلاد للأمم المتحدة 2008.

وأتاحت المحادثات بين بلجراد وبريشتينا منذ 2011 تحت اشراف اوروبي، احراز تقدم مثل منح كوسوفو رمز الهاتف الدولي في الفترة الاخيرة. لكن هذا التقدم يشهد منذ بضعة اشهر تعثرا. فسكان كوسوفو يتلكأون في تشكيل تجمع البلديات الذي تعيش فيه الاقلية الصربية، والمنصوص عليه في اتفاق تطبيع العلاقات.

وتم تصعيد الشحن العرقي حين ارسلت بلجراد في يناير قطارا دعائيا كتبت عليه عبارة “كوسوفو هي صربيا” ثم اوقفته قبيل وصوله الى الحدود.

ومن القضايا الاخرى التي تثير توترا رغبة الرئيس هاشم تاجي في تشكيل جيش لكوسوفو واعتقال السلطات الفرنسية للمتمرد السابق راموش هراديناي الذي تطالب به صربيا متهمة اياه بارتكاب جرائم حرب.

ويمكن ان تعرض المحكمة الخاصة استقرار كوسوفو للخطر، لأنها ستوجه عما قريب تهما بـ “جرائم حرب” الى متمردين سابقين اصبحوا مسؤولين سياسيين رفيعي المستوى.

– هل تشهد منطقة البلقان “حربا باردة”؟

يقول ميلوس سولايا استاذ العلاقات الدولية في البوسنة، ان روسيا “تعزز موقفها” فيما يريد الحلف الاطلسي “ان يكون اقرب ما يمكن من الحدود الروسية”. واضاف ان “لا شيء يعد غير قانوني” على هذا الجانب وذاك “شرط الا يتعرض السلام للخطر”.

في فبراير اوضح الامين العام للحلف الاطلسي ينس ستولتنبرج في ساراييفو، ان الحلف يراقب “عن كثب” الحضور الروسي “المتزايد” في البلقان.

وما زال الحلف اكبر قوة اقليمية. فموسكو لا تستطيع الاعتماد إلا على تعاطف الصرب، فيما يضم الحلف بين اعضائه كرواتيا وألبانيا ورومانيا وبلغاريا، وان كانت صوفيا تحرص على مراعاة علاقتها التاريخية بروسيا.

وانضمام كوسوفو حتمي الى الحلف الاطلسي الذي سيسيطر على جميع سواحل البلقان عندما تنضم “الجبل الأسود” اليه. ويعتبر الخبير السياسي حجر الدين سومون ان هذا الانضمام “سيدفن أحلام روسيا التي تعود الى الحقبة القيصرية” بالحصول على منفذ على البحر المتوسط.