أخبار مصر

الشمس في قدس الاقداس .. موعد يتجدد

كانت السماء مصدر الالهام وموضع العقيدة عند المصريين القدماء .. ولم تكن براعتهم في علم الفلك مثلها كما في العلوم الاخري بل ارتبطت بالعقيدة .. رغم قصور الادراك في بعض العصور .. الا انهم عرفوا ان هناك الها في السماء.. ونشأت لديهم تصورات عن حركة الكواكب والشمس والقمر والنجوم والربط بينها وبين الديانة. .

ولعل ظاهرة تعامد الشمس على معبد ابوسمبل الذي احتفلنا به صباح اليوم هو اكبر دليل على اهتمام وبراعة الفراعنة في رصد حركة الشمس والنجوم والكواكب .

ويعد تعامد الشمس حدث سياحي كبير يتوافد الاف السياح في كل عام لمتابعته ..وتكتسب احتفالية هذا العام اهمية خاصة لموافقتها مرور 200 اف عام على اكتشاف معابد ابوسمبل

ويستند «تعامد الشمس» إلى حقيقة علمية اكتشفها قدماء المصريين وهى أن لشروق الشمس من نقطة الشرق تماما وغروبها من نقطة الغرب تماما في يوم الحادي والعشرين من شهر مارس ثم تتغير نقطة الشروق بمقدار ربع درجة تقريبا كل يوم إلى ناحية الشمال، حيث تصل في شروقها إلى نقطة تبعد بمقدار 23 درجة و27 دقيقة شمال الشرق في الثاني والعشرين من شهر يونيو.

وقد كان تعامد الشمس يحدث في 21 فبراير واكتوبر قبل نقل معبدي ابو سمبل لانقاذهما من الغرق في عام 1960

واستند قدماء المصريين في اكتشافهم إلى أن الشمس تمر على كل نقطة في أثناء شروقها وغروبها مرتين في كل عام، وأن المسافة الزمنية بينهما تختلف تبعا لبعد كل نقطة عن نقطة الشرق تماما.

و”تعامد الشمس” على وجه رمسيس الثاني مرتين في العام، يومي الثاني والعشرين من شهر أكتوبر والثاني والعشرين من شهر فبراير، جاء نتيجة لاختيار قدماء المصريين نقطة في مسار شروق الشمس تبعد عن نقطتي مسارها زمن قدره أربعة أشهر لتتوافق مع يوم 22 أكتوبر و22 فبراير من كل عام ثم قاموا ببناء المعبد بحيث يكون اتجاه المسار الذي تدخل منه الشمس على وجه رمسيس الثاني من ناحية الشرق من فتحة ضيقة.

وجعل القدماء المصريين هذه الفتحة ضيقة بحيث إذا دخلت أشعة الشمس في يوم وسقطت على وجه التمثال فإنها في اليوم التالي، تنحرف انحرافا صغيرًا قدره ربع درجة وبهذا تسقط الأشعة في اليوم التالي على جدار الفتحة ولا تسقط على وجه التمثال.

يشار إلى أن هذه الظاهرة اكتشفت في عام 1874 حيث قامت المستكشفة «إميليا إدوارذ» والفريق المرافق لها برصد هذه الظاهرة وتسجيلها في كتابها المنشور عام 1899 (ألف ميل فوق النيل) والذي جاء فيه «تصبح تماثيل قدس الأقداس ذات تأثير كبير وتحاط بهالة جميلة من الهيبة والوقار عند شروق الشمس وسقوط أشعتها عليها».

وتحدث الظاهرة حين تدخل أشعة الشمس في الصباح المبكر إلي قدس الأقداس بمعبد ابو سمبل ، فتضئ هذا المكان العميق في الصخر والذي يبعد عن المدخل بحوالي ستين متراً .

بما لا يدع مجالا للشك بأن سقوط أشعة الشمس بهذه الكيفية محسوب بدقة حسب علم الفلك والحساب عند قدماء المصريين حيث حسب بدقة ووجه نحو زاوية معينة حتى يتسنى سقوط هذه الأشعة على وجوه التماثيل الأربعة .

ففي الساعة السادسة وخمس وعشرين دقيقة في يوم 22 فبراير ، أو الساعة الخامسة وخمس وخمسون دقيقة في يوم 22 أكتوبر بالضبط من كل عام يتسلل شعاع الشمس في نعومة ورقة فيملأ قسمات وجه الفرعون داخل حجـرته في قدس الأقداس في قلب المعبد المهيب ، باعثا إحساس بالرهبة والخوف ، ثم يتكاثر شعاع الشمس بسرعة مكوناً حزمة من الضوء تضئ وجوه التماثيل الأربعة داخل قدس الأقداس .

ويظل المشهد عبر مشوار من الزمن طوله أكثر من ثلاثة آلاف سنة

 

حسابات الفلك :-

من المعلوم أنه نتيجة للحركة الحقيقية لدوران الأرض في مدار شبه دائري حول الشمس ، فإنه يتبعه حركة ظاهرية لدوران الشمس على ما يسمى بدائرة البروج السماوية وهي دائرة تميل بمقدار 23.5 درجة على ما يسميه الفلكيون دائرة الاستواء السماوي ، لذلك فإن للشمس حركة يومية للمكان التي تشرق منه على الأفق ، فهي تشرق من اتجاه الشرق الحقيقي يومي 21 مارس ، و 23 سبتمبر من كل عام وهما بداية الربيع والخريف .

أما في فصلي الربيع والصيف فإنها تشرق من ناحية الشرق مع انحرافها لبضع درجات ناحية الشمال حيث تبلغ قيمة هذا الانحراف أقصى ما يمكن يوم 21 يونيو ومقداره 23.5 درجة من ناحية الشمال ، أما في فصلي الخريف والشتاء فإنها تشرق من ناحية الشرق مع انحرافها لبضع درجات ناحية الجنوب حيث تبلغ قيمة هذا الانحراف أقصى ما يمكن يوم 21 ديسمبر ومقداره 23.5 درجة ناحية الجنوب ..

وبالتالي فإذا كان هناك ممر طويل على الأفق ومغلق من ناحية الغرب فإن أشعة الشمس سوف تتعامد على جداره المغلق مرتين كل عام إذا كان محور هذا الممر في اتجاه الشرق أو منحرفاً عنه ناحية الشمال أو الجنوب بزاوية مقدارها 23.5 درجة كحد أقصى .

لذلك فدخول أشعة الشمس إلي معبد أبو سمبل مرتين في العام وتعامدها على التماثيل الأربع في قدس الأقداس هذا أمر طبيعي لأن درجة انحرافه عن الشرق الحقيقي هو عشر درجات ونصف ناحية الجنوب .

عبقرية :-

لكن تبقى المعجزة .. إذا كان يومي تعامد الشمس مختاراً ومحددين عمداً قبل عملية النحت .. لأن ذلك يستلزم معرفة تامة بأصول علم الفلك .. وحسابات كثيرة لتحديد زاوية الانحراف لمحور المعبد عن الشرق .. بجانب المعجزة في المعمار بأن يكون المحور مستقيم لمسافة أكثر من ستين متراً ولا سيما أن المعبد منحوت في الصخر ؟!! .

قيل أن يومي 21 فبراير ، و21 أكتوبر هما عيد ميلاد جلوس رمسيس الثاني على العرش .. مع أنه ليس هناك أي مرجع تاريخي يؤكد أو حتى يشير إلي هذا القول .

وذكرت بعض المراجع بأن هناك أدلة على أن أصل الفكرة في تشييد معبد في أبو سمبل كانت لسيتي الأول ، وأن جزءاً كبيراً من الداخل كان قد نحت قبل أن يعتلي رمسيس الثاني العرش .

ويعتقد أن هذان اليومان بداية موسم الزراعة عند قدماء المصريين (21 أكتوبر) بعد انحسار مياه الفيضان والتي كانت تغرق كل الأراضي القابلة للزراعة وبداية موسم الحصاد (21 فبراير) لبعض المحاصيل التي يمكن أن تُأكل وهي خضراء كالبصل والفول الأخضر .

وهما بلا شك يومان مهمان في حياة الإنسان المصري القديم عندما كانت تزرع الأرض لمرة واحدة في العام على نظام الري بالحياض .

وقد أكد هذا الاعتقاد ما كتبه “كنت كتشن” في بداية الفصل الرابع من كتابه (رمسيس الثاني فرعون المجد والانتصار) بأنه ما كاد تشرق شمس يوم 27 من شهر الصيف الثالث (أوائل يونيه 1279 قبل الميلاد) حتى أعلن تتويج الملك رمسيس الثاني بعد وفاة والده الملك سيتي الأول .

منذ عصر ما قبل بناء الأهرامات أهتم المصريون القدماء بتتبع حركة الشمس بين النجوم ورصدها رصداً دقيقاً منتظماً .

الفراعنة سبقوا :-

من الأدلة البارزة على دقة ارصادهم وسبق غيرهم في رصد ودراسة حركات الأجرام السماوية دراسة عميقة مؤسسة على أرصاد دقيقة منتظمة ، ومعرفة بأصول الرياضيات : ـ

أولاً : أنهم استخدموا تقويماً فلكياً محكماً من أقدم العصور اتخذوا فيه السنة النجمية وحدة أساسية في قياس الزمن ، وقاسوا أطوالها 365.25 يوم بظاهرة الاحتراق الشروقي للشعرى اليمانية وكان ذلك يحدث وقت فيضان النيل ، وتدل نقوشهم على أنهم عرفوا ذلك قبل بناء الأهرامات ، وابتكروا السنة المدنية وقسموها إلي اثنتي عشر شهراً كل منها ثلاثين يوماً يضاف إليها خمسة في نهاية العام نسئ تقام فيها أعيادهم .

أما معاصريهم من الرومانيين واليونانيين والآشوريين كانوا يتخبطون في محاولات لربط أوائل الشهور القمرية بأوائل الشهور المدنية .

ويدلنا هذا على أنهم عنوا بدراسة حركة الشمس الظاهرية وسط النجوم الثابتة منذ أقدم عصور التاريخ واستنبطوا من ذلك طول السنة النجمية وليس في هذا ما يدعوا إلي الغرابة فقد كانت الشمس أهم معبوداتهم .

ثانياً : بناء الأهرام كمقابر للملوك نظراً لإيمانهم بالبعث . فيلاحظ في بناء الأهرام أنها أقيمت عند خطي عرض 30 5 شمالاً على حافة المستوى الصخري وليس في وسطه ، وأضلاع قواعدها تنطبق مع الاتجاهات الأصلية لأقرب خمس دقائق قوسية بآلاتنا الحديثة .

وتتساوى أضلاعه إلي أقرب عشرين سنتيمتراً وكذلك فإن ممراتها المائلة تنطبق على المستوى الزوالي ، وتضئ الشمس خلال سبعة أشهر نصفها قبل ونصفها بعد الانقلاب الصيفي الأوجه الأربعة عندما يكون على خط الزوال ، وقد استنتج بعض الفلكيين حالياً أن الممرات الداخلية كانت تستعمل كآلات زوالية لرصد النجوم وأن ضوء الشعرى اليمانية كان عمودياً على الوجه الجنوبي للهرم الأكبر عام 2700 قبل الميلاد .

وتدلنا هذه الدقة في تعيين الاتجاهات وتحديد المواقع إذا ما قيست بصعوبتها في الوقت الحاضر باستعمال الأجهزة الحديثة على أن الكهنة المصريين الذين كانوا يشرفون على بناة الأهرام لابد وأنهم استعانوا بالأرصاد الفلكية في تعيينها

ومن آثارهم التي تدل على عنايتهم بدراسة الأجرام السماوية صور البروج النجومية التي يحلى بها سقف معبد دندرة والموجودة الآن في متحف اللوفر بباريس والنقوش على جدرانه التي تبين ساعات النهار والليل وأوجه القمر ومسار الشمس بين النجوم

حسابات الفراعنة والتكنولوجيا :-

تشير حسابات التكنولوجيا الحديثة الى أن اختيار موقع معبد ابو سمبل في الجنوب قد يكون راجع لأسباب فلكية ومعمارية بجانب قدسية المكان ..

واوضحت برامج للحاسب الآلي تمت تغذيتها بمعطيات وبيانات فلكية وجغرافية وطبوغرافية لحساب زوايا ارتفاع الشمس فوق الأفق سمت السموات (الأفقية) لمعبد أبو سمبل لكل يوم على مدار العام ، وكذلك حساب الزوايا الأفقية للشمس المشرقة عند خطوط العرض المختلفة لمصر القديمة بداية من خط عرض 20 درجة حتى 35 درجة .

اوضحت أن فروق الزوايا الأفقية للشمس المشرقة في أيام التماثل يومي 21 فبراير و 21 أكتوبر تضييق كلما اتجهنا جنوباً فهي لمنف 9.2 دقيقة قوسية ولطيبة 7.5 دقيقة قوسية ، ممـا قد يشير بأن اختيار المعبد في الجنوب قد يكون راجع لأسباب فلكية ومعمارية بجانب قدسية المكان ، والزاوية الأفقية هي زاوية انحراف الشمس عن الشمال الجغرافي مقاسة في اتجاه الشرق وهي الزاوية التي يجب أن ينطبق عليها تماماً اتجاه محور المعبد يومي 21 فبراير و 21 أكتوبر لكي تتم ظاهرة تعامد الأشعة على قدس الاقداس عند شروق الشمس ، حيث أن زاوية انحراف محور المعبد عن الشمال الجغرافي هي مائة درجة وثلاثة وثلاثون دقيقة قوسية وثلاثة وثلاثون ثانية قوسية مقاسة في اتجاه الشرق قبل نقل المعبد لأعلى الهضبة خلال الستينات من هذا القرن لإنقاذه من الغرق تحت مياه بحيرة السد العالي ، كما يجب التنويه بأن عملية نقل المعبد ثم إعادة تركيبه تمت بدقة متناهية لتعتبر عملاً هندسياً معمارياً لم يسبق له مثيل .

كما اتضح من الحسابات بأن الشمس من المفروض أن تشرق على معبد أبو سمبل يوم 21 فبراير الساعة السادسة واثنين وعشرين دقيقة لو لم يكن هناك حاجب طبوغرافي لها على الأفق الشرقي .

لكن من الثابت أن الظاهرة تحدث عند الساعة السادسة وست وعشرين دقيقة وعندما تتطابق الزاوية الأفقية للشمس مع زاوية اتجاه محور المعبد تماماً ، حيث أنه خلال هذه الدقائق الزائدة تكون الشمس ارتفعت فوق الأفق بمقدار 34 دقيقة قوسية وأصبحت التلال التي في الجهة الشرقية للنيل لا تحجب وصول أشعتها للمعبد ولقدس الأقداس . فهناك إذن علاقة ما بين ارتفاع التلال الشرقية وزاوية اتجاه محور المعبد .

وهذا الاستنتاج الأخير يؤكد بأن اتجاه محور المعبد كان مختار بدقة متناهية ومحدد مسبقاً قبل عملية النحت لتح
قيق ظاهرة تعامد أشعة الشمس على قدس الأقداس يومي 21 فبراير و 21 أكتوبر ، من كل عام وأن الحسابات أجريت على أسس وأصول فلكية وجغرافية وطبوغرافية ورياضية سليمة منذ حوالي ثلاثة آلاف وثلاثمائة عام .

رمسيس الثاني :-

قبل أكثر من 3300 عام نحت رمسيس الثانى معبده العظيم فى جبل شامخ من جبال جنوب مصر، أراد القائد المنتصر أن يخلد لنصره الكبير فى موقعة “قادش” وعلى أحجار معبده الرائع نقش تفاصيل معاركه وانتصاراته وطقوس شكره للإله .

فبعدما دبت الخلافات بين الأسر المصرية الفرعونية استغل الحيثيون الفرصة وسيطروا على أجزاء كبيرة من الاراضي التابعة للفراعنة واستمر الوضع قائما حتى تولى الحكم الملك المحبوب رمسيس الثاني في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، والذي جمع جيشا كبيرا وانطلق به لمواجهة الحيثيين في منطقة قادش قرب نهر العاصي في سوريا، وجرت معارك كبيرة اختُلف من المنتصر فيها، لكن رمسيس الثاني اعتبر نفسه منتصرا وعاد الى مصر، واحتفالا بالنصر أمر ببناء معبدين في منطقة ابو سمبل بأسوان، معبد كبير له ومعبد أصغر لزوجته الجميلة الملكة نفرتاري لتكون تذكارا لبطولاته عبر القرون.

اختار رمسيس الثاني منطقة ابو سمبل بين الجندلين الأول والثانى جنوبى أسوان عند نقطة تبعد حوالى “166 ميلاً” جنوبى خزان اسوان، ويضم بين ذراعيه ربوة صخرية عالية ترتفع نحو مائة متر، وهى بذلك تعتبر فى حد ذاتها ظاهرة نادرة وسط هذه الصحراء المترامية المستوية، وهى الضفة التى تتميز بها الصحراء النوبية التى يجتازها النيل قبل أن يمسح على وجه مصر القبلى فى طريقه إلى الدلتا..

لقد اراد رمسيس الثاني صاحب المعبد أن ينحت لنفسه مبنى منقطع النظير، يفوق به كل من سبقه، ويدل على عظمته وضخامة ملكه بين الفراعنة..

بدأ بنا المعبد حوالى سنة 1244 قبل الميلاد واستمر البنا لمدة حوالى عشرين سنه لغاية 1224 قبل الميلاد.

ويروي ان أسرى الحرب قاموا ببناء المعبد وأنهوا عملهم قبل سنة 1259 ق.م

وكرس هذا لعبادة “رع حر ما خيس” أ “رمسيس الثاني” مثل معابد عديدة في النوبة .. الموحَّد مع الرَّبيْن أمون رع، ورع حور اختي (الشمس البازغة).

أما الصغير فهو مخصص لنفرتاري زوجة رمسيس الثاني موحَّدة مع الربة حتحور.

المعبد الكبير :-

يبلغ ارتفاع واجهته 33م وعرضها 38م، ويدخل المعبد في الصخر مسافة 63م. نُحتت في الواجهة أربعة تماثيل عملاقة لرمسيس مجسِّداً الأرباب، ويبلغ طول كل من التماثيل 20م. والقسم العلوي من أحدها مكسور.

وعلى الرغم من ضخامة هذه التماثيل فقد أبدع المثّال في نحت ملامح الوجه الوسيم، والابتسامة الرقيقة التي تستقبل الشمس المشرقة.

وفوق التماثيل نطاق نقشت فيه أسماء رمسيس الثاني وألقابه «المؤلَّه والمولود من الشمس والمختار منها».

ويأتي فوق ذلك إفريز من الأفاعي المقدسة، ويليه إفريز منحوت يمثل قردة على نسق واحد، ترفع أذرعتها مهللة للشمس المشرقة.

وفوق البوابة التي تتوسط الواجهة تمثال للرب رع حور اختي.

وبجانب أرجل التماثيل العملاقة أو بينها تماثيل أسرة الملك (أمه وزوجته المحبوبة نفرتاري وأولاده).

ومن الواضح أن تمثيل أفراد الأسرة كان بتأثير أفكار أخناتون التي كانت منتشرة قبل ذلك بنحو قرن.

وثمة منحوتات تمثل الأسرى:-

يصل المرء من البوابة إلى قاعدة معمّدة فيها ثمانية تماثيل – حاملة بارتفاع 10م، تمثل رمسيس على هيئة الرب أوزيريس رب العالم الأسفل والشمس الغاربة، وزين السقف بالصقور المبسوطة الأجنحة والنجوم.

وعلى جدران قاعدة الأعمدة نحتت مناظر تمثل مراحل معركة قادش.

وتلي القاعة المعمَّدة قاعة أصغر منها وفيها أربعة أعمدة مربعة نحتت عليها مشاهد تمثل رمسيس الثاني مع الأرباب.

وفي جنبات هذه القاعدة عدة غرف لحفظ القرابين.

وبعد ذلك حجرة قدس الأقداس وفي صدرها تماثيل أربعة: لبتاح رب منفيس، وأمون رع رب طيبة، ولرمسيس، ثم للرب رع حور اختي رب مدينة أون (هليوبوليس).

يدخل أول شعاع من أشعة الشمس المشرقة لقدس الأقداس، مضيئاً التماثيل ومخرجاً الفرعون من الظلمات، مرتين في كل عام (20 شباط و20 تشرين الأول).

المعبد الصغير :-

يقع على نحو 150 م إلى الشمال من المعبد الكبير. واجهته مزينة بستة تماثيل، أربعة منها لرمسيس الثاني والآخران لزوجته الملكة العظمى نفرتاري الموحدة مع الربة حتحور.

يعبر المرء من المدخل إلى قاعة معمَّدة، يزين أعمدتها من الأمام رأس الربة حتحور «الطيبة» وعلى بقية الجوانب مشاهد للملك والملكة ومختلف الأرباب.

أما الجدران فهي حافلة بمناظر من حياة الملك، ومنها مشاهد تحكي قيامه مع نفرتاري بتقديم القرابين من الزهور والأطعمة والأِشربة.

وتلي هذه القاعة قاعة ثانية يوجد على جدرانها أيضاً مشاهد تمثل الملك وزوجته في حضرة الأرباب.

وأخيراً يصل المرء إلى قدس الأقداس فيقابل في الصدر تمثالاً للربة حتحور.

200 سنة

إن قصة اكتشاف معبد أبو سمبل قصة طريفة لعب القدر دوراً كبيراً فيها ، حيث تبدأ القصة فى عام 1812 حينما جاء إلى مصر مكتشف سويسرى اسمه” جون بيركهارت” وقرر أن يذهب إلى النوبة لزيارة المعابد الموجودة هناك .

وفى يوم 22 مارس 1813 وصل إلى بلدة أبو سمبل لزيارة معبد الملكة “نفرتارى” زوجة” رمسيس الثانى”، وبعد أن انتهى من زيارته أخذ يبحث عن ابنه الذى كان معه فى هذه الرحلة فلم يجده فبدأ يصعد فوق الرمال المتراكمة على الجبل، وفجأة وجد نفسه أمام رؤوس أربعة تماثيل ضخمه مدفونة فى الرمال وكلها منحوتة فى الجبل نفسه.

وغادر” بيركهارت ” أبوسمبل ليذيع خبر هذا الإكتشاف فى جميع أنحاء العالم.

في عام 1816 وصل إلى أبو سمبل عالم الآثار الإيطالى ” جيوفانى بلزونى” على رأس بعثة من الفنيين وتوصلوا فى يوليو سنة 1817 إلى اكتشاف المعبد.

ويمر هذا العام قرنين من الزمان على اكتشاف معبدي ابو سمبل..

و حينما زار المستكشف “بلزونى” لأول مرة هذه المنطقة، أعجب بمنظر إفريز المعبد الكبير و تماثيل القردة الستة الضخمة عندما أشرف عليها من بعيد ، و أخذ بلزوني يتسلق المنحدر الرملي حتى ظهر له رأس تمثال، كان المعبد الكبير مطموراً فى الرمال إلى حد لم يكن يظهر منه سوى رأس أحد التماثيل الضخمة فوق الرمال التى كانت تغطى البوابة والواجهة التى فوقها.

وكان تمثال ” حور-آختي ” المنقوش بأعلى الباب مدفوناً حتى الرقبة و قدر أن الباب موجود أسفل التمثال صاحب الرأس الصقرية على عمق 35 قدما من الرمال الناعمة التي تغوص فيها الأقدام و حرض بلزوني على صنع حاجز من سعف و فسائل النخيل عند المكان الذي ظنوه مدخلا للمعبد ، حماية له من الردم مرة أخرى بالرمال ، و في اليوم التالي حضر “ثمانون عاملا ” قبلوا العمل بنصف الأجر المتفق عليه ، و بعد إنتهاء العمل تسلم أخو الكاشف أجرهم بنفسه ، و لم يعطهم منه شيئا و تعجب بلزوني من هذا الأسلوب .

بيد أن المستكشف العظيم نجح فى رحلته الثانية التى قام بها فى عام 1817، فى تطهير واجهة المعبد بحيث سهل دخوله إلى الغرف الداخلية.

وبذا كان الأوروبيين أول من نفذوا إلى داخل المعبد، ذلك أن المستكشف “بيرخاردت” الذى كان أول من لفت الأنظار إليه بعد زيارته فى عام 1812، ولم يستطع أن يرى أكثر مما رأى بلزونى عند زيـارته الأولـى.

ومـنذ أيام بلزونى جرى تطهير المعبد العظيم مراراً وتكراراً بصورة حاسمة على يد “ليـسيوس” أثـناء بعثته الكبيرة التى قام بها فى سنوات ” 1842- 1845 ” وعلى يد “ماربيت” فى عام “1869م”، وأخيراً “بارسانتى” فى عام 1910م.

وكانت عملية التنظيف الأخيرة هى أكملها حيث نتج عنها اكتشاف مقصورة فى الجانب الشمالى من الواجهة، لم يسبق معرفتها من قبل.

وقد قام السيد” بارسانتى” بحماية المعبد مما كان يتهدده من سيل الرمال المستمر والتى لا تهدأ، وذلك بأن قام ببناء أسوار عالية فوق الهضبة المرتفعة التى يبدأ منها تدفق الرمال بغية حجز التيار الرملى الجارف وتحويل مجراه.

لم تكن هذه اخر الاخطار التي تهددت معبدي ابو سمبل .. فقد كادا ان يغرقا في منتصف القرن الماضي ،
غير أن هذا المصير لن يأتى إلا بعد أن يتوقف الإنسان عن تقييم واحد من أعظم الأعمال الفنية والأثرية العظيمة التى خلفها الماضى، تقديراً كافياً بحيث يعتبره جديراً بالحماية والمحافظة على ذلك التراث العظيم الشامخ.

إنقاذ المعبدين :-

كان هذان المعبدان مهددين بالغمر كغيرهما من المعابد المماثلة في بلاد النوبة، عند إنشاء السد العالي.

وبدأ التفكير عام 1955 في إنقاذ تلك المعابد، ووضع في عام 1958 “مشروع إنقاذ آثار النوبة” وفي سنة 1959 طرحت عدة حلول لحماية المعبديْن.

ووجه في 1960 نداء عن طريق اليونسكو لكل المهتمين في العالم للمشاركة في الإنقاذ.

وفي 1963 تبنت الحكومة المصرية واليونسكو والهيئات المعنية أسلوب تقطيع المعبدين ونقلهما إلى مكانهما الحالي فوق جبل أبو سمبل على ارتفاع 65م فوق المستوى السابق.

وبدأت الأعمال في العام نفسه وشارك فيها ما يقرب من خمسين دولة وهيئة أثرية مع اليونسكو ومصر.

وبعد أعمال الرفع الهندسي والتصوير، والتصوير الفوتوجرامتري، واستكمال كل أصناف التوثيق، تمت إزالة نحو 150 ألف متر مكعب من الصخور من فوق المعبدين، ثم بدأت عمليات نشر أحجارهما بوزن 10-15 طناً لكل قطعة، ونقلت بعد ترميمها إلى مكانها الجديد، وركبت مرة ثانية وحُقنت بدقة وكُحِّلت وانتهى ذلك العمل في 1966، وبدأت أعمال تقنية عالية لإعادة تشكيل الجبل فوق المعبدين، فجُعلت فوق المعبد الكبير قبة خرسانية فريدة من نوعها بقطر 59م وفوق المعبد الصغير قبة تعادل نصف الأولى ثم غطيتا بالصخور كما كانت الحال من قبل، ثم جُهزت المجموعتان بأحدث أساليب قياس الحرارة والرطوبة والسلامة من الهزات والكوارث وتأمين الإضاءة وغير ذلك من التدابير التي جعلت العمل قمة في الدقة والتقنية والاحترام العميق للآبدة بصفتها كنزاً من كنوز الإنسانية فضلاً على قيمتها القومية.

وانتهى العمل في 1968، وأصبح موقع أبو سمبل مركزاً سياحياً من الدرجة الأولى، يضم محطة توليد للكهرباء ومحطة لتصفية الماء وفنادق ونوادٍ ومؤسسات رسمية وغير ذلك، والمعبدان يقومان الآن على شاطئ بحيرة ناصر يواجهان أشعة الشمس التي تشرق عليهما كل صباح.