أخبار مصر

سحر الخان .. حالة من العشق

رائحة البخور والعطور والمشربيات ..اصوات باعة العرقسوس والعناب .. دقات الازاميل وهي تعمل في صواني النحاس ..  روحانيات من زمن فات ..عبق التاريخ فى أشياء تحتويك بحالة خاصة بمجرد أن تطأ اقدامك شوارع خان  الخليلى الضيقة ذات الملامح المتميزة بحوانيتها الصغيرة التي تتلألأ بما فيها من بضائع ومقاهيها ذات السحر الخاص، ومآذنها الأثرية ،وغيرها من الامور التي لم تستطع عوامل الزمن ان تمحها او تغير منها او تغير من اهل المنطقة الذين تطبعوا بها ، لتحتل مكانة خاصة جدا بين الاحياء التاريخية والسياحية في مصر ويقصدها عشاق التميز من الشرق والغرب .، فهو المزار السياحي الشعبي الأنيق، الذي يشتهر بحواريه التي تنقل زواره إلي عالم ألف ليلة و ليلة الأسطوري.فهو واحد من أعرق أسواق الشرق، يزيد عمره قليلاً على 600 عام، وما زال معماره الأصيل باقياً على حاله منذ عصر المماليك وحتى الآن. هاجر اليه عدد كبير من تجار مدينة الخليل الفلسطينية ويعملون فيه بالتجارة ، وقد سمي بهذا الاسم نسبة لمؤسسه وهو أحد الأمراء المماليك وكان يدعى جركس الخليلي من مدينة الخليل.

سوقاً ومتحفاً ..

ولعل ما يجعل خان الخليلي هدفاً لزوار القاهرة أنه في مجمله عبارة عن سوق رائجة للتحف، والمجوهرات داخل دروبه المتشعبة وهو مايفسر شغف  النساء بالتجول في طرقاته وحواريه، حيث يجمع بين عراقة القديم وتكنولوجيا الحديث .. فتوجد به أحدث ما أنتجه العصر مع أقدم الصناعات والمنحوتات اليدوية التي أبدعها الفنان المصري البسيط.،ومن أبرز منتجاته والتي تحظى باهتمام زواره سواء كانوا عرباً من بلاد شبه الجزيرة العربية أو أوروبيين أو أمريكان ، الأيقونات، والتماثيل، والمشغولات الفنية من سجاجيد مزركشة بالرسومات النادرة، وجميع هذه المنتجات مستوحاه من مختلف الطرز الفنية للحضارات التي مرت علي مصر أبتداء من الحضارة الفرعونية، والرومانية، ومرورا بالقبطية، وإنتهاء بالحضارة الإسلامية.، فهو عبارة عن مجموعة متناسقة ومتعانقة من الحواري والممرات والدروب والأزقة التي تشبة بمحلاتها الصغيرة والمتلاصقة لوحة تشكيلية فاتنة تجمع بين الدقة الهندسية الحديثة، وغرابة العالم الأسطوري القديم.

نشأة متميزة ..

يقع خان الخليلي في شارع مواز لشارع المعز لدين الله الفاطمي. ويوجد به اثنان من أشهر مساجد مصر الاسلامية هما الجامع الازهر الذي تم بناؤه في العهد الفاطمي، ومسجد الحسين الذي يحظى بمكانة كبيرة في نفوس المصريين الذين تربطهم عاطفة شديدة القوة بآل بيت النبي.، وللخان تاريخ ونشأة متميزة، فقد كان هذا المكان ضمن الرقعة الإستراتيجية التي إحتوت علي قلب الدولة الفاطمية خلف القصر الغربي الصغير، ذو الأبواب المتعددة، والذي كان مخصصاً لاقامة الخليفة المعز لدين الله الفاطمى، وسكنه بعد المعز الخلفاء الفاطميين، وأولادهم،  ولا تزال إلي الآن دروب خان الخليلي تحمل فخامة الفاطميين التي تتجسد في واجهات مبانيهم التي بني معظمها علي طراز العمارة الفاطمية، وكذلك احتوي الشارع علي مباني من العصور المتتالية الأيوبية، والمملوكية، والعثمانية.

رحلة في الخان ..

اول مايخطف بصرك عند دخول الخان ماتبقى من (مشربيات) مطلة على الشارع أو الحارة، وأسبلة جميلة مشغولة واجهاتها بالنحاس وفيها أحواض الماء التي كانت تروي العطشان وعابر السبيل في الزمن الذي كان.
ويحتاج زائر الحي إلى حساسية خاصة في المرور داخل الأزقة الضيقة وسط زحام أسطوري من البشر والمقاعد الخشبية التي رصها أصحاب المقاهي لجذب الرواد، وبمجرد أن تدخل الشارع يتناهى إلى الأسماع عبارات الترحيب المصرية خفيفة الظل، وكلمات أولاد البلد المرحبة تدعو الزائرات والزائرين للفرجة، “واللي مايشتري يتفرج”. ولو دخلت أحد الحوانيت فإن البائع يستقبلك بعبارة “مصر نورت” ويرد الزائر الذي له خبرة بعالم القاهرة السحري ومفرداتها اللغوية “مصر منوره بأهلها”، ويبدأ في عرض ما لديه من بضائع، لاتفارقه ابتسامته، وكلماته المتدفقة حول جودة بضاعته، وأنها صنعت خصيصاً لعشاق الفن اليدوي. وتجار الخان خبراء في فن البيع، ورثوا التجارة والشطارة عن الأجداد، وهم يعرضون الأصيل والمزيف من البضائع، ولهم ولع عجيب بالمساومة، كما يتسمون بصبر وجلد على إقناع الزبون.

ويتميزالأسلوب الذي تعرض به البضائع حيث  تتلاصق الأسواق وتمتلئ الحارات بالحوانيت التي تعرض نفس البضاعة بأسعار متفاوتة، أمر أشبه مايكون بمعرض دائم ومستمر للبضائع المختلفة، ممايتيح فرصة ممتازة للمشتري في أن ينتقى مايريد ويختار الأجود، ويفاصل ويساوم ليحصل على الأمتن والأرخص.
بضائع من كل صنف ولون، من الذهب والماس والفضة إلى أوراق البردي التي تحمل كلمات الهيروغليفية وتمائم وأيقونات وقصائد غزلية، ونقوشات باللون الأزرق تحكي في اختزال مدهش أجمل حكاية عشق في التاريخ (حكاية إيزيس وأوزوريس) التي يقبل عليها السياح الأجانب.

وفي الخان  يجد السائح كل ما يرغب في شرائه من القاهرة بدءا من القطع الاثرية الفرعونية المقلدة بحرفية ودقة شديدة، مرورا بالمشغولات النحاسية والارابيسك التي تخطف العين عندما تقع عليها، انتهاء بالعباءات وبدل الرقص الشرقي التي تجذب السائحين من كل الجنسيات ، ومحلات الفضة التي تضم أرقى المشغولات الفضية التي لن تجدها إلا في خان الخليلي وتحظى بإقبال شديد من السائحين العرب والأجانب.
المصنوعات الجلدية والنحاسية لها مكان مخصص في الخان لا يقصده السائحون فقط، لكنه يعتبر أحد مقاصد العاملين في مجال التمثيل من الذين يحضرون للخان لشراء الملابس والإكسسوارات التاريخية التي يظهرون بها في الاعمال التاريخية كالسيوف والخوذات النحاسية والاحزمة.اسعار هذه المنتجات تتفاوت حسب حجم الشغل الموجود فيها والخامات المصنوعة منها وتبدأ من جنيهات قليلة  وتصل الى آلاف الجنيهات. ويمكن لأي سائح شراء ما يرغب به من هدايا حسب ذوقه وامكانياته.

على كل لون ياسبحة ..

كرنفال الزائرات والزائرين لحي خان الخليلي يتداخل مع ملابس مزركشة رصها أصحاب الحوانيت كنوع من العرض والإغراء والجذب على واجهة المحلات، وتتدلى مئات وربما آلاف (المسابح) داخل فترينات العرض، أو في أيدى صبية صغار يعرضون أنواعاً شتى من المسابح، بعضها مصنوع من بذر الزيتون والبلاستيك وتسمى (نور الصباح)، وبعضها الآخر ينتمي لفصيلة الفيروز والمرجان والكهرمان واليسر، ومنها مايصنع من خشب الصندل، وتصنع المسبحة على آلة يدوية صغيرة ودقيقة اسمها (المخرطة).

وفي خان الخليلي تحرص النساء من كل الجنسيات على شراء (العقد) الذي تتدلى منه (عين حورس)، وتصنع العقود من خامات شتى، وما على الزبون إلا تحديد طلبه وفق إمكاناته المالية، وهنا يخرج له البائع (تحفة فنية) ربما مر على صناعتها مئات السنين، يوم أن كانت القاهرة في العصور الوسطى مركزاً تجارياً عظيماً، تجلب بضائع الشرق الأقصى وترسلها في شتى طرق الملاحة في البحر الأبيض المتوسط. كان ذلك في العصر الذهبي لتجارة التوابل مع بلاد الهند والسند وبلاد تركب الأفيال وتشترى الرجال، ففي القرن السادس عشر نقل إلى خان الخليلي أغرب سوق في تاريخ القاهرة القديمة والحديثة، وهو سوق (العبيد) الذي ذاع صيته في الشرق والغرب ووصفه الرحالة باعتباره من أهم الأسواق التي اختلطت فيها جميع الجنسيات.
لقد انتهي ذلك العصر بكل مافيه من ملامح ، ونحن الآن في عصر جديد مختلف، ينظر فيه السائحون والزوار إلى البضائع المتناثرة في الأرجاء والفاترينات على أنها (هدية) من قاهرة المعز لدين الله الفاطمي، وفي المحلات الصغيرة المتلاصقة إبداع التجار في رص المشغولات الذهبية والفضية والنحاسية. على أن أهم مايلفت النظر في مشغولات خان الخليلي هو دقة الصناعة اليدوية، هناك محلات تعرض قلادة أو أسورة عليها نقوشات ومنمنمات قضى في نقشها صانع ماهر أياماً وربما شهور. والذهب هو الذهب مهما مر الزمان أو تغيرت الأوطان، والسياح الأجانب يحرصون على شراء المشغولات الفضية، لكن السياح العرب يحبون الذهب، وقد زحفت محلات من شارع الصاغة الشهير إلى خان الخليلي بحثاً عن (زبون) رفيع الذوق، يقدر ما بين يديه من نفائس.

العطور والبخور..

وتسبح في الفضاء روائح جميلة تصل إلى السائح الذي يعبر الزقاق في اتجاه شارع الموسكي حيث تكثر تجارة العطور العربية والآسيوية والأوروبية، هنا عطر الملك، والعنبر، والياسمين والفل،  وربما الآن زجاجات ذات أشكال وألوان غريبة تحتوى عطوراً غير مألوفة تتراوح ألوانها ما بين الزيتي في لون البترول الخام، والأصفر الذهبي، والبنفسجي الممزوج بالعنبر.
اما (الأسانس) الذي يتم تصنيع هذه العطور منه فهو التركيبة الفعلية للعطر بدون إضافة كحول تذكر ، وعلى سبيل المثال هناك  عطراً زيتي الملمس، فاقع الأريج  يتم استخلاصه من نوع معين من ذكور الغزال يسمى “وعل المسك”، أما هذا الذي يخلط لونه البنفسجي بعتامة تتألق تحت الضوء فهو خلاصة البنفسج، أما زيت العنبر فيفرزه نوع واحد من الحيتان يسمى حيتان العنبر، والحوت لايفرز هذا العنبر إلا وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة أو يعانى سكرات الموت.

أما البخور فله مملكة خاصة في الخان، ويعتقد الناس أن دخان المستكة يمنع العين والحسد، أما الكسبرة فهي زعيمة مملكة البخور ويطلق عليها الناس اسم (الفك والفكوك) أي أن من يشمها تذهب عنه العقد بلا رجعة. الا ان  زائر خان الخليلي فلابد أن تكون له رجعة.

وعندما تشعر بالجوع أثناء تجوالك في خان الخليلي يمكنك الذهاب الى أشهر محال تقديم أطباق الكباب والكفتة في منطقة مصر القديمة كلها والموجود امام جامع الحسين ويشهد ازدحاما كبيرا، سواء من المصريين او السياح العرب والاجانب. وبعد أن تتناول طعامك يكون أمامك الفرصة لتناول طبق من الارز باللبن او العاشوراء  الموجود في المنطقة منذ ما يزيد على سبعين عاما ويحظى بشهرة كبيرة في مناطق متعددة من مصر. أما إذا اردت ان «تحبس» الاكلة كما يقول المصريون للدلالة على هضم ما تناولوه من طعام فتستطيع الانتقال الى مقهى الفيشاوي الشهير لاحتساء الشاي الاخضر بالنعناع .،وهو من المقاهي التاريخية في الخان ويرجع بناءه لعام 1769 ويعتبر بهجة المكان الذى يذهب إليها الناس من كل حدب وصوب  و يعد احد اشهر مقاهي مصر وكانت في الماضي مركزا لالتقاء نخبة المجتمع من الفنانين والمثقفين والادباء من امثال سيد درويش وسلامة حجازي وحافظ ابراهيم وزكريا أحمد وبيرم التونسي، الى جانب شلة الحرافيش التي كان يتزعمها الاديب نجيب محفوظ الذي كان احد عشاق تلك المنطقة حتى انه كتب رواية كاملة دارت احداثها فيها وحملت اسم «خان الخليلي».

ومن أهم آثار الخان “المسافر خانة” ، وكان في الأصل فندقًا ، ثم أصبح مرسمًا للفنانين ، ويحوي غرف كثيرة مبنية على الطراز الإسلامي . ، ويتخلل الحي العتيق أزقة وحواري تحتاج إلى فراسة لفك ألغازها، وطلاسمها، فالأزقة متراصة بشكل مركب، متداخلة ، متعددة الألوان، حيث لم يتوصل أحد حتى الآن إلى الفلسفة المعمارية التي بني على أساسها خان الخليلي، فالأرض مبلطة بحجر بازلتي أسود لامع، والسوق مسقوف بخشب تحدى الزمن وعوامل التعرية، والشمس تتسلل حوانيت عديدة تشكل مع بعضها سراديب مليئة بالكنوز ، والتحف النادرة ، والمصنوعة بمهارة.

اذا كنت من زوار المحروسة لن تكتمل جولتك السياحية دون ان تذهب الى خان الخليلى فهو قبلة السائح الذى يبحث عن التميز
اما اذا صادفت زيارتك شهر رمضان فانت من المحظوظين لو سمحت ظروفك بارتياد الخان لما له من طقوس خاصة، تشعرك بجو من الألفة والمتعة التي تجدها في زينة الخان، وبشاشة قاطنيه من سكان وعمال وأصحاب حرف، ومطاعم ومقاهي تتباهى لتقديم أشهى المأكولات والمشروبات باختلاف انواعها شعبية وشرقية وغربية. حيث تتمتع بمذاق فريد لن تنساه .