اعداد - عبد الرحمن عثمان

تغيرت لهجة العديد من القادة الأوروبيين إزاء الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب بعد الفوز الكبير الذي حققه على حساب المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون.

الأوروبيون لم يرغبوا منذ البداية في فوز ترامب ولكنهم مطالبون اليوم بالتعامل معه بالرغم من التباين الواضح في مواقفهم معه إزاء العديد من القضايا الدولية الشائكة مثل الأزمة السورية والملف النووي الإيراني والعلاقات مع روسيا ناهيك عن الرفض الذي يبديه ترامب لاتفاقية باريس للمناخ والبيئة.

و يخطو وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون خطواته الأولى في الدبلوماسية الخميس في ألمانيا بمشاركته في اجتماع وزاري لمجموعة العشرين حيث يأمل شركاؤه بأن يوضح لهم ما يعنيه شعار “أميركا أولا” بالنسبة لباقي العالم.

ويأتي هذا الاجتماع لوزراء خارجية مجموعة العشرين الذي يبدأ في بون ويستمر يومين، في مرحلة سياسية دبلوماسية مهمة يتوجه فيها عدد من كبار مسؤولي إدارة دونالد ترامب إلى أوروبا سعيا لطمأنة الحلفاء القلقين إزاء رسائل الرئيس المتناقضة في غالب الأحيان.

وبدأت هذه المرحلة الأربعاء مع اجتماع لحلف شمال الأطلسي في بروكسل، حض فيه وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس حلفاء واشنطن على زيادة إنفاقهم العسكري وإلا فإن بلاده “ستخفض التزاماتها” تجاه الحلف.

وستتواصل في نهاية الاسبوع مع مشاركة نائب الرئيس مايك بنس في مؤتمر ميونيخ للأمن، الملتقى السنوي الهام في ألمانيا لكبار مسؤولي الدفاع من العالم.

 “الكثير من الغموض”

وتتركز الأنظار في هذه المنتديات الدولية تجاه المسؤولين الأميركيين.

وقال مصدر دبلوماسي أوروبي “ثمة الكثير من الغموض حول ما يريدون وما يتوقعون” مضيفا أن “اجتماع (مجموعة العشرين) سيسمح ربما بإلقاء الضوء على غموض المواقف الأميركية في الوقت الحاضر”.

وكان وزير الخارجية الأميركي مقلا جدا في تصريحاته منذ تولي مهامه، تاركاً للبيت الأبيض أن يرسم الخط الدبلوماسي الجديد للبلاد.

وفي هذا السياق، سجل الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأربعاء تغيرا جذريا جديدا في السياسة الأميركية حيال موضوع رئيسي هو قضية الشرق الأوسط، إذ أكد أن “حل الدولتين” الذي كان يشكل ركيزة كل جهود التسوية الدولية منذ نصف قرن ليس السبيل الوحيد لإنهاء النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.

وفي بون ينتظر الجميع بصورة خاصة من تيلرسون توضيح الموقف الأميركي حيال روسيا، في وقت ترد مؤشرات متناقضة من واشنطن.

وتيلرسون هو الرئيس السابق لمجلس إدارة مجموعة “إكسون موبيل” النفطية مقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وسيلتقي لأول مرة الخميس في ألمانيا نظيره الروسي سيرغي لافروف على انفراد على هامش اجتماع مجموعة العشرين.
وقالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا معلقة على الاجتماع “سنناقش بالطبع (أوكرانيا) ومسائل هامة أخرى (…) مثل العلاقات الثنائية التي وصلت الى طريق مسدود مع الادارة الاميركية السابقة”.

إلا أن موسكو قلقة فبعدما دعا خلال حملته الانتخابية إلى التقارب مع موسكو طالب ترامب هذا الأسبوع بإعادة القرم إلى أوكرانيا، بعدما ضمتها روسيا، ما أثار مخاوف السلطات الروسية التي كانت تأمل أن ترفع واشنطن سريعا العقوبات المفروضة عليها على خلفية هذا الملف.

ويعقد اللقاء في ظل الفضيحة التي اندلعت في الولايات المتحدة بعد كشف معلومات عن اتصالات أجراها مقربون من ترامب مع مسؤولين في الاستخبارات الروسية خلال الحملة الانتخابية، في وقت كان باراك أوباما لا يزال في البيت الأبيض.

وأدى الجدل المحتدم حتى الآن إلى الإطاحة بمستشار ترامب للأمن القومي مايكل فلين الذي كان شخصية محورية في الدائرة المقربة من الرئيس في المسائل الأمنية.

تفَهُّم ألماني

قالت وزيرة الدفاع الألمانية أورسولا فون دير ليين يوم الأربعاء إن بإمكانها تفهم دعوة الولايات المتحدة لشركائها في حلف شمال الأطلسي إلى زيادة التمويل للحلف وإن الشركاء الأوروبيين سيوفون بتعهداتهم “خلال السنوات المقبلة.”

وتطالب الولايات المتحدة منذ سنوات الحلفاء الأوروبيين بإنفاق اثنين بالمئة من مواردهم الاقتصادية على الدفاع وأغضب الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب سياسيين ألمانا حين وصف حلف شمال الأطلسي بأنه عفا عليه الزمن.

وقالت الوزيرة لقناة (آه.إر.ديه) التلفزيونية الرسمية “نحن الأوروبيين .. نحن الألمان .. علينا فعل المزيد من أجل أمننا .. لابد أن نستثمر أكثر في هذا المجال.”

وقالت إنه “حقا ليس من العدل” أن تتحمل الولايات المتحدة من أجل الأمن ضعف ما تتحمله جميع الدول الأوروبية مجتمعة.

وقالت “في هذا الصدد .. فإن الأمريكيين على حق عندما يريدون أن يسمعوا منا كيف سنظهر بصورة مقنعة مدى تمكننا من الوفاء بهدف الاثنين بالمئة في حلف شمال الأطلسي خلال السنوات المقبلة.”

ونبه وزير الدفاع الأمريكي دول الحلف إلى أن عليها أن تحترم تعهداتها الخاصة بالإنفاق العسكري لضمان ألا ” تخفض” الولايات المتحدة دعمها.

وفي أول زيارة له إلى بروكسل بعد أن أصبح وزيرا للدفاع لم يصل جيمس ماتيس إلى حد توجيه إنذار صريح أو تحديد كيف يمكن أن تخفف الولايات المتحدة دعمها. لكنه أضاف أن على الحلفاء تحقيق تقدم في 2017 وتبني خطة تتضمن مواعيد محددة لتحقيق أهداف الإنفاق الدفاعي.

احتكاكات مع الصين

كما سيلتقي تيلرسون لأول مرة في بون نظيره الصيني “وانج يي” من غير أن يتضح في الوقت الحاضر ما إذا كانا سيعقدان لقاء ثنائيا.

وثمة نقاط خلاف كثيرة بين البلدين ولا سيما على الصعيد السياسي حيث اثار ترامب في بادئ الأمر شكوكا حول التزامه بمبدأ “الصين الواحدة” في تعاطيه مع تايوان، قبل أن يتراجع.

وعلى الصعيد التجاري باتت الصين إلى جانب ألمانيا الهدف الرئيسي لهجمات الإدارة الأميركية الجديدة التي تتهمها بالمساهمة في القضاء على الوظائف في الولايات المتحدة من خلال صادراتها الرخيصة .

وأعرب وزير الخارجية الصيني عن أمله بأن يصدر اجتماع مجموعة العشرين “إشارات إيجابية لدعم النهج التعددي” على الصعيد العالمي.

ويتقاسم معظم المشاركين في اجتماع مجموعة العشرين المخاوف ذاتها حيال شعار “أميركا أولا” الذي يتبعه الرئيس الأميركي.

وحذر وزير الخارجية الألماني الجديد سيجمار جابريال الذي يستضيف اجتماع بون بانه “لا يمكن لأي دولة في العالم التصدي وحيدة للمشكلات الدولية الكبرى الساخنة” منددا بالميل إلى “الانغلاق” ونشر “الأسلاك الشائكة” في إشارة إلى تشديد سياسة الهجرة الأمريكية.