أخبار مصر

تحقيق – د.هند بدارى

“حاجة غريبة ،الدنيا لها طعم جديد..حاجة غريبة، أنا حاسس ان دا يوم عيد”..بهذه الكلمات غرد العندليب الأسمر بين أشجار ونخيل حديقة الأندلس فى فيلم ” معبودة الجماهير”، وتجاوبت معه شادية :”وانا حاسة الدنيا هربانة ويانا في ليل كله سعادة ليها فرحة حلوة في عنيه وحلاوتها سكرها زيادة ” وسط نسمات الهواء وعبق الزهور وخرير المياه فى ليلة صيفية .

هذا المشهد الرومانسى كان مألوفا أيام زمان ،ولكن التساؤل الشائك :هل يتكررالآن والى أى مدى مازالت حدائق المحروسة البديعة الملقبة ب”حدائق الرومانسية” محتفظة بجمالها ورونقها ، مثل: الاندلس والحرية والجزيرة والأورمان وغيرها حيث المياه والخضرة والوجه الحسن وما حجم الاقبال عليها خاصة من الشباب فى مناسبات مثل “الفلانتين ” ،وماذا عن خطط تطويرها وتحويلها الى مزارات ثقافية ؟:

استغاثة أشجار الاندلس

من باب الفضول قمت بزيارة سريعة لحديقة “الاندلس ” بشارع الجزيرة بالزمالك ، وهناك لمست بقايا جمال ضيعه الاهمال وغياب التنسيق بين جهات الاختصاص ،فالاشجار لم تعد وارفة الظلال والمساحات الخضراء تآكلت والحشائش صارت صفراء و”النوافير” معطلة بسبب الاكتفاء بالرى بالتنقيط خوفا على الاثار فضلا عن حاجة الحديقة العتيقة الى صيانة للتلفيات فى الأرضيات الرخامية وبعض المقاعد الاثرية الفاخرة.

ولم أشاهد لافتات معلقة بالارشادات والتحذيرات من العبث بزهورها وتماثيلها خاصة تمثال أمير الشعراء أحمد شوقى الذى يتسلقه كثير من الأطفال والشباب للتصوير والمحفور على ظهره بيت شعر خالد “وطنى لو شغلت بالخلد عنه نازعتنى إليه فى الخلد نفسى ” ،و من حسن الحظ أنه من الحديد كى لا ينكسر وأسفله 5 تماثيل لأسود فى مواجهة بحيرة مستطيلة تحوى نافورتين من الرخام محاطة بمدرجات الحديقة المزروعة بالنجيلة يعلوها ممرات من 4 جوانب مبلطة بالرخام .

وتتسع أطراف الحديقة على مدى ثلاثة أجزاء منها الجزء الشمالى وبه الحديقة الفرعونية فى أولها بوابة يتوسطها نموذج لتمثال شيخ البلد وتحفل بالنخيل الملوكى وأشجار نادرة ، والجزء الأوسط يطلق عليه الأندلس العلوية ،واالجنوبى الشهير بالفردوس على شكل قبتين من الخضرة شرقية وغربية يتوسطهما فنار كالمئذنة بين قبتين وسط نافورة ثمانية الشكل مصنوعة من الرخام مزينة بالفسيفساء ومحاطة بثمانية أسود من الحجارة وثمانية ضفادع من الرخام .

وتتوسط المدرجات المزروعة بالنجيلة أحواض من الزهور، منها زهرة أرولة بألوانها الأحمر والأصفر والأبيض وزهرة لانتانا كامارا الصفراء وزهرة ألونكا بعدة ألوان والورد البلدى ويسور الحديقة أشجار الفيكس النتدا والدورنتا بأنواعها والفيكس البلجامينا والفيكس الهواى وتتجمل الفردوس بأشجار السرو العدى رمز الخلود والسرو الليمون والتى يتجاوز ارتفاعها 10أمتار.

مشاكل فى الرى

وعن تدهور حال الزرع ،صرح المهندس الزراعى عربى على عسل مدير حديقة الاندلس بأن شبكة الرى متهالكة ولايتم اصلاحها الا بتصريح من وزارة الاثار حرصا على المبانى والتحف الاثرية .

وأشار الى أن رسوم الدخول للحديقة خمسة جنيهات من الثامنة صباحا وحتى الثانية عشرة مساءا موضحا أن أكثر الزائرين من الطلاب والمرتبطين عاطفيا خاصة فى المناسبات .

ودعا الى تكثيف الاهتمام بحدائق المتنزهات التى تراجع الاهتمام بها والتعاون مع وزارة الثقافة لتنظيم فعاليات فنية وترفيهية لتنشيط الزيارة للحديقة وجذب السياح.

وحتى المهندس عاطف عبد الحميد، محافظ القاهرة، حينما تفقد حديقة الأندلس مؤخرا أبدى استياءه الشديد من سوء حالة الحديقة، معترضا على تدنى حالة المقاعد التاريخية والنافورة التى تتوسط الحديقة والمساحات الخضراء الموجودة بها، وكلف اللواء محمد سلطان، مدير مشروع الحدائق المتخصصة بسرعة إنهاء الاجراءات الخاصة بحديقة الاندلس التراثية بالتنسيق مع وزارة الآثار لإعادة تطويرها ، وفتحها للمواطنين للاستمتاع بها كمتنفس هام لمدينة القاهرة .

تطوير الحديقة

وعن إعادة الحديقة الى رونقها وبهائها ، أكد اللواء محمد سلطان رئيس مشروع الحدائق المتخصصة بالقاهرة فى تصريح خاص للموقع أن مشكلة حديقة الاندلس تم حلها وستتسلم وزارة الاثار الحديقة الاثرية وتباشر أعمال التطويربها لاستعادة رونقها وجمالها مشيرا الى انه يتم حاليا ريها بالتنقيط بدلا من الغمر حفاظا على الجدر والتماثيل الاثرية.

وأضاف أن وزارة الآثار ستطرح مناقصة قيمتها نحو 8 ملايين جنيه ، لتطوير الحديقة بالأمر المباشر مع الاحتفاظ بمعالمها الأثرية ،كما وضع المجلس الأعلى للآثار خطة لترميم وتطوير الحديقة .

وأوضح رئيس مشروع الحدائق المتخصصة بالقاهرة أن الحديقة مسجلة منذ 2009 ضمن الآثار التي أنشئت في العصر الإسلامي ويرجع تاريخها الى عام 1935 حين أنشأها محمد بك ذو الفقار أواخر حكم الملك فؤاد الأول، وتقع على مساحة فدانين من أجود الأراضي الزراعية، وتوجد بها أشجار معمرة مثل شجرة “عُدي” الذي يتجاوز عمرها 90 عاماً، وجوسق حافل بالزخارف الأندلسية العربية الهندسية والنباتية.

وذكر انه يتابع تطوير الحديقة المتخصصة ومن حصيلة التذاكر ينفق على نظافتها وتجميلها ، وأنها تفتح أبوابها من التاسعة صباحاً حتى العاشرة مساءاً وتمتد حتى امنتصف الليل فى المواسم والأعياد .

وأشار إلى أن الحديقة أُغلِقت لمدة 10 سنوات من 1991 حتى 2001 لأعمال الترميم الخاصة التي قامت بها محافظة القاهرة .

نزهة “الفلانتين”

وفى لقاءات مع عدد من الشباب ، عبر محمد حسين محاسب شاب يمارس رياضة المشى على كورنيش النيل عن احساسه بأن الحدائق لم تعد جذابة لهذا الجيل لأن الأماكن المطروحة للنزهة اختلفت بسبب “الموود العام” والامكانيات المادية .

وأكمل : حتى مستوى الزائرين انخفض ولم نعد نرى ثنائيات المحبين “الشيك ” تحت شجرة وأمامهما “كأسين لمون” ،وانتشر الباعة والعشوائيات أى لم تعد فسحة تليق بحبيبة خاصة لوكانت من عائلة راقية .

بينما رحب وليد مدرس وعريس جديد بفكرة قضاء “الفلانتين ” فى حديقة مثل الاندلس خاصة أن سعر الدخول رمزى ، يتراوح بين 5 إلى 7 جنيهات، لكنه بعد الدخول يضطر لدفع فاتورة باهظة لم تكن فى حساباته ، فمثلا كوب العصير يصل 20 جنيهاً، وقائمة الساندوتشات والوجبات السريعة تبدأ من 30 حتى 100 جنيه، وممكن يتورط الخطيب أو الزوج فى ميعاد غداء ويلبى طلبات “الجو” بأى ثمن ! .

وقال أشرف سعيد، الذى اصطحب خطيبته ذات مرة إلى حديقة الحرية والصداقة المواجهة لدار الأوبرا المصرية: ” فعلا المكان جميل من حيث كثرة الأشجار والنباتات والمناظر الطبيعية داخلها، التى تدفع الزائرين لالتقاط صور فوتوغرافية تذكارية ،وتمضية وقت ممتع بأقل تكلفة “.

أما “أحمد ” مصور شاب ،فابدى دهشته ،قائلا ” أنا من العشاق الغلابة، يعنى ممكن أصطحب خطيبتى فى رحلة على كورنيش حي الزمالك الراقي، تحت ظلال أشجاره ونظافة أرصفته وسط الجمال والهدوء”.

واستدرك ،قائلا “لكن لو طلبت نزهة فى سينما أو حديقة أو حفلة أو رحلة نيلية ،فهذه رفاهية وعليها ان تتحمل المصاريف !”.

بينما اتفقت “أميرة ومحمد” متزوجين حديثا على تمضية الفلانتين بالمنزل وسط الزهور والهدايا والشموع والموسيقى ، فهذه ايضا أجواء رومانسية بلا تكاليف ثم انها بعيدة عن عيون الناس وكاميرات الموبايلات لأن أحضان الاشجار لم تعد تستر المحبين مثلما تغنت شادية وحليم ” :علشان احنا مع بعضينا ولاول مرة لوحدينا ولا حدش بيبص علينا غير فرحة قلبنا وعنينا حاجه غريبة” بعد ان تساقطت أوراقها وأصبحت محاصرة بكاميرات المراقبة ورصد المخالفات والمتحرشين .

واحة نيلية أمام الاوبرا

وبجوار حديقة الاندلس «واحة نيلية» تسمى حديقة الجزيرة أسفل كوبري قصر النيل وحتى كوبري «15 مايو» بوسط القاهرة، أمام دار الأوبرا وتعتبر ملتقى مفتوحا يجمع الفن بالجمهورحيث تختفي خلف سياج الخضرة وتنعزل عن الصخب،وفي فضائها المشمس الظليل تقام فعاليات فنية مثل المعارض والحفلات أو الأمسيات الشعرية،تحت رعاية وزارة الثقافة لتشكل حافزا لطاقة الإبداع .

وأثناء افتتاح لوحة جدارية ثقافية مكسيكية مصرية بالحديقة ،التقيت بعدد من زائريها منهم شادى شاب في منتصف الثلاثينيات ،فسألته عن نزهة الفلانتين،فابتسم ،قائلا ” كلنا نحلم بالعودة للرومانسية وقضاء عيد الحب تحت ظلال أشجارعلى النيل ولكن ضغوط الحياة أكبر ودخول الأسرة حديقة متخصصة ليس مكلفا ،فسعر التذكرة 5 جنيهات ولكن بعد الدخول لابد من نفقات اخرى على المشروبات والغداء أو العشاء والباعة الجائلين للفل والترمس واللب وملاهى الاطفال “.

واستدرك ” بصراحة عملتها مرة مع زوجتى وابنى فى عيد زواجنا ووجدت اننا دخلنا ب15 جنيها فقط لكننى دفعت 300 جنيه عند الخروج ولم أكررها خاصة بعد غلاء أسعار الخدمات وألعاب الملاهى “.

وأعربت دعاء السعيد ، طالبة بكلية الفنون الجميلة عن عشقها للمكان لدرجة أنها تتردد مع خطيبها على الحديقة من حين لاخر ليس للقاءات الغرامية وانما للتعاون فى رسم لوحات بديعة لمشروع التخرج ،قائلة “فالمكان مفتوح على النيل والخضرة ويحفز على الإبداع وسط المياه وظل الشجر وعندما نشعر بالملل يمكننا التنزه فى مركب والعودة مرة اخرى دون مضايقات من أحد “.

واستطردت : والعكس فى عيد الحب لا نأتى الحديقة وانما نذهب الى مكان مختلف من باب التغيير مثل السينما أو حفلة بمطعم تيك اواى .

Geplaatst door ‎اخبار مصر egynews.net‎ op zaterdag 11 februari 2017

منافذ حضارية

وعن تطوير الواحة ،أكد رئيس مشروع الحدائق المتخصصة للموقع أنه جارى تطوير ممشى حديقة الجزيرة وتخليصه من الباعة الجائلين قبل نهاية فبرايرمع اقامة منافذ بيع حضارية وتكثيف الاضاءة والفعاليات الثقافية لجذب الزائرين مشيرا لامكانية اقامة حفلات بالمناسبات تختلف أسعارها حسب المساحة والمكان والوقت .

حديقة الاشباح

ومن الاندلس الى المريلاند يا قلبى لاتحزن ، فحديقة العائلات الارستقراطية والمشاهير والمتنفَس الرئيسى لأهالى حى مصر الجديدة، الذى يعود تاريخه لأكثر من مائة عام، تحولت الى بيت للأشباح، تتناثر بها بقايا كتل خرسانية قبيحة واطلال ذكريات للعشاق الذين هجروها بعد إغلاق عدد من منشآتها الترفيهية، فساحة بوابة الدخول تحولت إلى جراج مكتظ بالسيارات ، وتم قطع وإزالة مجموعة من أشجارها التراثية نتيجة النزاع بين المالك والمستأجر منذ 2008 واتهامات بمخالفة نصوص العقد ونزع الأشجارحتى صدر مؤخرا حكم بإخلاء الشركة المستأجرة للحدبقة .

وعن حال هذه الحديقة التى كانت ملتقى الرومانسية ، أبدت وفاء عبد المنعم ، مهندسة من سكان مصر الجديدة،حسرتها على حال “الميريلاند” التى كانت النزهة الجميلة لها ولجيرانها بالحى؛ للاستمتاع بأشجارها ونباتاتها النادرة بأسعار مناسبة.

ثم عادت بالذاكرة للوراء،مرددة “لى فيها ذكريات جميلة أيام خطوبتى تحت الأشجار وحول بحيرتها الصناعية، للبط والمراكب الصغيرة”.

وهمست فى اذنى ” بنتى وزوجها يرفضان أى فسحة بالحديقة فى أى مناسبة خوفا من معاكسات المراهقين “.

أما “عبد الجواد ” تاجر أدوات منزلية ،فقال انه كان من رواد “الميريلاند ” زمان أما الآن ،فصار من زوار حديقة الاورمان حيث اعتاد زيارة معرض الزهورالسنوى بها لكنه لايقام سوى شهر واحد ..فلماذا لايستمر طوال العام أو حتى يفتح أبوابه استثنائيا بعيد الحب لاحياء مشاعر الرومانسية وتسويق الزهورباسعار اقتصادية وتجميل الحديقة التى فقدت رونقها وقل الاقبال عليها من الشباب .

زرع 1600 شجرة

وهنا أكد المهندس إبراهيم صابر، رئيس حي مصر الجديدة، بدء أعمال التطوير بحديقة الميرلاند، للانتهاء منها طبقًا للجدول الزمنى المحدد، ضمن مبادرة “إحياء تراث مصر الجديدة”تحت إشراف محافظة القاهرة ووزارة البيئة والجهاز القومي للتنسيق الحضاري.

وأضاف رئيس الحى أنه من المقرر الانتهاء منها بداية العام المقبل، مشيرا إلى أن التطوير يتضمن 25 فدانا من مساحة الحديقة التى تصل 50 فدانا، وتم رصد نحو 30 مليون جنيه لتنفيذ أعمال التطوير تتحملها الشركة المالكة «مصر الجديدة».

واشار الى أنه جارى حاليا عمل المرافق وممرات و”تراك” ثم بدء زراعة 1600 شجرة لاستعادة جمال الحديقة.

وأكمل صابر أن الشركة المالكة ستعيد طرح 7 فدادين للاستثمار فيها كمدينة ترفيهية ومن المخطط الإنتهاء من المرحلة الأولى للتطوير خلال فبراير 2017.

الحدائق العامة

وفى حديقة الفسطاط بمصر القديمة ، قابلت غادة موظفة حكومية تلعب كرة مع أطفالها فى جو من الدعابة ،فقالت : أنا غيرمشتركة فى نادى واحضر هنا مع الأولاد فى الاجازة والمناسبات ليلعبوا ويشاركوا فى الفعاليات الثقافية مثل المعارض والمتاحف وهذه أرخص وأجمل رحلة لأنى لو ذهبت الى ملاهى شهيرة أو سينما سأدفع ضعف التكلفة وفى “الفلانتين” يشتروا لى ورد من على باب الحديقة ” .

وهنا صرح المهندس حافظ سعيد رئيس الهيئة العامة لنظافة وتجميل القاهرة للموقع بأنه جارى تطوير الحدائق العامة التى تزيد عن 50 حديقة منها الشمع والمنيل واحمد رامى والفسطاط والزهور والنرجس بمدينة نصر وتجميل الميادين المحيطة والتماثيل مؤكدا ان الرسوم لم ترتفع عن 3 جنيهات رغم غلاء الاسعار .

وأكد سعيد أن الاقبال يتزايد فى المناسبات خاصة من الشباب والطلبة وجارى دراسة انشاء حديقة بعين حلوان بالتعاون مع هندسة حلوان بنفقات اقل من 25 مليون.

مزارات ثقافية

وعن تطوير حدائق العاصمة وتحويلها لمزارات ثقافية ،أعلن المهندس عاطف عبد الحميد محافظ القاهرة أن هناك عددا من السفارات تتقدم بشكل معتاد لعمل جداريات ومجسمات تجسد حضاراتهم بالحدائق ، ويتم الموافقة عليها على الفور.

وأضاف أن حديقة الحرية تضم عددا من التماثيل لأدباء وكتاب وشخصيات تاريخية مؤثرة، وسيتم السماح لأى سفارة بوضع تماثيل لشخصيات هامة لديها، مثما حدث بالحديقة الدولية التى تضم جناحات لكل دولة لها الحق فى تمثيل حضارتها بطريقتها.

*وبعد هذه الجولة بين عدد من حدائق الرومانسية الشهيرة ،ننتظر استجابة سريعة من المسئولين لانقاذ متنزهات تاريخية وثقافية من سطوة الاهمال وعدوان المشروعات التجارية على مساحاتها الخضراء كى تستعيد بهاءها وتعود موطنا للجمال وملتقى للفن وواحة للمحبين .