اخبار مصر - اميرة ماهر

والأذن تعشق قبل العين احيانا .. حين يتحول سحر الصوت الى فرشاة ترسم صورا للبصيرة .. يفتح افاق الخيال.. يحرك طاقة العقل ويبث الحياة عبر الأثير .. ومن عبقرية الصوت كان الراديو او الاذاعة .. ذلك الاختراع الذي غير وجه التاريخ .. وصار جزءا من حياة الناس اليومية .. يسمعونها وتسمعهم مهما بعدت المسافات او ضاقت الاماكن..

ولاهمية الاذاعة وتأثيرها يحتفل العالم في 13 فبراير باليوم العالمي للراديو .. ويرجع ذلك الاختيار إلى اليوم الذي بدأ فيه بث أول إذاعة للأمم المتحدة في عام 1946.

غير أن وراء تحديد يوم للاحتفال بالراديو قصة طريفة تظهر مدى تأثيره في جمهور المستمعين منذ بدايته .. فقد رغبت أسبانيا -وهي الدولة التي قدمت اقتراح اليوم العالمي للراديو- أن يكون ذلك اليوم المقترح 30 أكتوبر .. ففي ذلك اليوم من عام 1938 بثت على إذاعة بي بي سي الأم معالجة درامية لرواية الكاتب الإنجليزي إتش جي ويلز (حرب العوالم) التي يتخيل فيها احتلال كائنات من المريخ للأرض.

وكانت مدة المعالجة الدرامية الإذاعية ساعة، قُدم معظمها على هيئة نشرة أخبار. وقد أدى هذا إلى انتشار الاضطراب بين جمهور المستمعين الذين اعتقدوا أن ما يسمعونه من أحداث هو نشرة أخبار حقيقية.

وفي نهاية مناقشات اليونسكو آثر الأعضاء يوم 13 فبراير.

أنتم الاذاعة

اختير للاحتفال اليوم العالمي للإذاعة في السنوات الماضية مواضيع مختلفة تضم على سبيل المثال المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، والشباب، والإذاعة في أوقات الطوارئ والكوارث.

وهذا العام يجري الاحتفال تحت شعار “أنتم الإذاعة” .. وذلك لابراز اهمية مشاركة الجمهور في كل ما تقدمه الاذاعة .. فما زالت الإذاعة الوسيلة الإعلامية الأكثر نشاطاً والأكثر تفاعلاً مع الناس والأكثر إشراكاً للجمهور، إذ تتكيف الإذاعة مع التغيرات التي نشهدها في القرن الحادي والعشرين وتوفّر سُبلاً جديدة للتفاعل والمشاركة.

وتملك الإذاعة قدرة فريدة على الجمع بين الناس وتيسير إقامة الحوار البنّاء فيما بينهم من أجل إحداث التغيير المنشود، بينما يمكن أن يؤدي استخدام مواقع التواصل الاجتماعي وتشتت الجمهور إلى تشرذم الناس وحبسهم في فقاعات إعلامية مع من يشاطرونهم الآراء.

وتطلعنا الإذاعة على الآراء والمواقف المتنوعة اللازمة للتغلب على المصاعب التي نواجهها عن طريق الإصغاء إلى مستمعيها والعمل على تلبية احتياجاتهم.

وتعمل الإذاعة على إعلامنا وتغيير أحوالنا عن طريق برامجها الترفيهية والإخبارية، وكذلك البرامج الحوارية التي تُشرك فيها المستمعين. فلا يشعر الإنسان الذي يملك مذياعاً بالوحدة أبداً، بل يشعر دائماً بوجود صديق له في الإذاعة.

نشأة الراديو

من معجزة الصوت الالهية وانتقاله عبر الهواء.. كانت طموحات الانسان ليعبر بصوته حدود المكان .. حتى توصل العالم الإيطالي “جوليلمو ماركوني” إلى فكرة استخدام الموجات الكهرومغنطيسية في إنتاج الإشارات الصوتية لمسافات بعيدة، وظل ماركوني يطور أبحاثه ودراساته حتى توصل أخيراً إلى اختراع الراديو.

ونجح ماركوني في اختراع جهاز خاص وذهب إلى إنجلترا وعرض الجهاز وسجله هناك وأنشأ شركة ماركوني لتصنيع الراديو، وهو أول رجل أرسل واستقبل بنجاح الإشارات الإشعاعية على مختلف المسافات.

وطور “ماركوني اختراعه وفي سنة 1901م تمكن من إرسال الموجات عبر المحيط الأطلنطي، كما قام بتطوير الموجات القصيرة واكتشاف طريقة استخدام توصيلة الأرضي لزيادة مدى الإرسال في الراديو.

وفي سنة 1909 حصل على جائزة نوبل في الفيزياء عن اختراعه الراديو، وقد كان هذا الاختراع هو الأساس الذي قامت عليه صناعة الراديو الإذاعي والتليفزيون فيما بعد، فكل هذه الأجهزة تستخدم الموجات في نقل الصوت والصورة عبر الأثير إلى المحطات الأرضية والتي بدورها تقوم بنقلها إلى محطات الإذاعة والتليفزيون ليسمعها ويشاهدها الجمهور.

وهناك علماء أعلام في تاريخ الراديو منهم الألماني هاينريش هيرتس، والبريطاني أوليفر لودج، والأسباني سيرفيرا بافيرا، ثم الهندي شاندرا بوز، ممن ساهموا في اكتشاف الموجات الكهرومغناطيسية، واختراع أجهزة التلغراف اللاسلكي التي مهدت لظهور جهاز الراديو.

وفي تاريخ الراديو اسم آخر كان له أثر كبير في انتشار ذلك الجهاز في العالم، وخاصة في القارة الإفريقية، هو تريفر بيليس.

ففي أوائل التسيعينيات كان بيليس يشاهد برنامجا تليفزيونيا لجمع التبرعات للمحتاجين في إفريقيا لمواجهة الجفاف هناك، وفكر في حاجة السكان هناك، وسط الصحراء، لوسيلة تساعدهم في الوصول للمعلومات بكلفة زهيدة.

وتولدت لديه فكرة الراديو الذي لا يحتاج إلى بطاريات للتشغيل، وصمم بيليس جهازا يشحن يدويا وقت الحاجة -كما كانت بعض أجهزة الغرامفونات القديمة تعمل في الماضي.

وفي أبريل عام 1994 عرضت بي بي سي اختراع بيليس الذي عرف آنذاك بـ(Freeplay Radio)، ثم صُنّع بأحجام مختلفة يسهل حملها، وشحنها يدويا وقت الحاجة للاستماع.

البث الاذاعي

بدأ البثّ الإذاعي التجريبي نحو عام 1910، حينما نقل لي دي فورست برنامجاً، من مسرح غنائي، في مدينة نيويورك، في الولايات المتحدة الأمريكية، نجمه المغني الشهير، إنريكو كاروسو.

بدأت خدمات البثّ الإذاعي، في العديد من الدول في عشرينيات القرن العشرين.

ومن المحطات التجارية الأولى محطة تجارية، في مدينة ديترويت الأمريكية، التي بثّت بثّاً منتظماً، ابتداءً من 20 أغسطس 1920؛ ومحطة بثّ إذاعية تجريبية، في مدينة بتسبيرج الأمريكية، وهي محطة كدكا، التي بدأت البثّ عام 1916، واضطلعت بنقل نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية، عام 1920.

أمّا أول محطة إذاعة أسترالية، وهي سيدني المحدودة، فبدأت الإرسال في 13 نوفمبر 1923.

وتلتها محطة أخرى، بدأت البثّ في يناير 1925. وفي نيوزيلندا، منحت الحكومة ترخيصاً لشركة الإذاعة النيوزيلندية، عام 1923؛ ثم استبدلت بها، عام 1932، مجلس الإذاعة النيوزيلندية.

وبدأت خدمات البثّ الإذاعي الأيرلندية عام 1926، وكانت جزءاً من وزارة البريد والبرق، حتى عام 1960، حين أصبحت هيئة.

أمّا هيئة الإذاعة البريطانية، فقد بدأت إرسالها عام 1922، ثم أصبحت هيئة عامة، عام 1927.

وفي ديسمبر 1932، بث الملك جورج الخامس أول عيد ميلاد ملكي، إلى المستعمرات البريطانية، آنذاك؛ فسُمع صوته في بلدان بعيدة، كأستراليا ونيوزيلندا.

وبدأ البثّ الإذاعي، في جنوبي آسيا، في عشرينيات القرن العشرين وكانت شركة إذاعة الهند، هي أول محطة بثّ إذاعي هندية، تمنح ترخيصاً للبثّ، وذلك عام 1927 ولكنها توقفت عن عملها؛ فيما بعد، نظراً إلى افتقاد الناس الأجهزة الإذاعية. وفي عام 1932، أنشئت محطة إذاعة الحكومة الهندية، وأُعيدت تسميتها، عام 1936، بإذاعة كلِّ الهند.

في الشرق الاوسط بدأ البث الإذاعي في مصر في عشرينات القرن العشرين وكانت عبارة عن إذاعات أهلية, وبدأ بث الإذاعة الحكومية المصرية في 31 مايو 1934 بالاتفاق مع شركة ماركوني, وتم تمصيرها في عام 1947 وإلغاء العقد مع شركة ماركوني.

وقُبَيْل الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945) وبُعَيدَها، كان العصر الذهبي للإذاعة؛ على مستوى العالم .. حيث سبقت هذه لفترة الانتشار الواسع للتليفزيون، وحظيت البرامج الإذاعية، في العالم اجمع بشعبية كبيرة.

أهمية الاذاعة

تُعدّ الإذاعة، الوسيط الدائم القادر على الجمع بين مختلف الأفراد والجماعات، خاصة في الأوقات العصيبة ،  إذ يمكن تلقي الإذاعة في جميع الأحوال والأوقات، سواء أكنّا في طريقنا إلى العمل أم في مكاتبنا أو منازلنا أو حقولنا، وسواء أكنّا في زمن السلم أم الحرب أم في حالات الطوارئ..

وتتيح الإذاعة للناس كافة، رجالاً ونساءً، التعبير عن آرائهم وتعمل على تبليغها وتصغي الإذاعة إلى الجماهير، وتسعى إلى تلبية الاحتياجات وهي وسيلة فعالة للذود عن حقوق الإنسان وصون كرامته، ووسيلة فعالة أيضاً لإيجاد الحلول اللازمة للمصاعب التي تعترض سبيل كل المجتمعات.

وبحسب ما جاء في رسالة مديرة منظمة اليونسكو ايرينا بوكوفا في احتفال هذا العام بيوم الراديو العالمي ، تستطيع الإذاعة توفير وسيلة آنية متاحة للجميع لتسوية الخلافات وتعزيز الحوار من أجل مواجهة التحديات الجديدة والتصدي لتغير المناخ ومكافحة التمييز.

وتؤكد ان الاذاعة تلعب الاذاعة دورا مهما لإيجاد حلول مبتكرة للمشكلات المحلية، والمضيّ قدماً في تعزيز حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين والحوار والسلام من خلال المستمعين الذين يحتلون مكان الصدارة في البرامج الإذاعية في الوقت الحاضر بفضل سياسات إشراك المستمعين في البرامج ..

لقد تمكن الراديو -باعتباره وسيطا إعلاميا ذا تاريخ طويل- من الاستمرار على قيد الحياة والتأثير منذ بدء أول بث إذاعي في أوائل العشرينيات من القرن الماضي، وحتى حلول عصر المعلوماتية والتكنولوجيا الرقمية، وهو يعد الآن أكثر الوسائط الإعلامية جذبا للمستمعين في أرجاء العالم كافة من حيث وصوله إلى أكبر عدد منهم ، حيث تمكن الراديو من الانتشار بالرغم من ظهور التليفزيون، والإنترنت، والهواتف المحمولة، ومواقع التواصل الاجتماعي ، بل إنه فرض نفسه كوسيط على الهواتف المحمولة التي أصبحت أداة لبث محطات إذاعية كثيرة، تجذب عددا كبيرا من المستمعين في بلدان كثيرة.

تطور الإذاعة

في خمسينيات القرن العشرين، بدأ التليفزيون يافس بقوة ، وبدا ان عصر الاذاعة الذهبي قد انتهى ، واعتقد الكثيرون، أنه سيقلل من الأهمية، التي حظيت بها، في مجال الاتصالات؛ لقِلة عدد مستمعيها؛ لكن هذا الاعتقاد سرعان ما تبدد؛ حيث تزايدت اعاد المستمعين ، بفضل التطور في الاداء الاذاعي بما يناسب العصر، حيث شكلت الموسيقى المصدر الرئيسي للتسلية الإذاعية، ولا سيما موسيقى الروك، التي استحدثت في خمسينيات القرن العشرين، وغدت أهم أنواع الموسيقى، في الغرب، واكتسبت الإذاعة العديد من المستمعين، وبخاصة المراهقين، ببثّها أنواعاً أخرى من الموسيقى، مثل موسيقى البوب.

كما تطورت برامج الإذاعة، لاجتذاب المزيد من المستمعين؛ فشملت، مثلاً، المقابلات الإذاعية، والمكالمات الهاتفية، إضافة إلى التخصص بإذاعة الأخبار فقط، الذي يتميز بنقل الأحداث وتحليلها تحليلاً وافياً، وعميقاً. وتتوافر، في بعض الدول الصناعية، الآن، محطات متخصصة بخدمة مجموعة معينة من الناس، أو بثّ نوع واحد من الموسيقى.

وأسهم في ازدياد شعبية الإذاعة، ظهور الأجهزة الإذاعية المحمولة، الصغيرة الحجم، التي مكنت المستمعين من نقلها إلى أي مكان يريدون، ما كان مصدر متعة لهم. وشهد جهاز السيارة الإذاعي، كذلك، تطوراً ملحوظاً، وعمّ جميع السيارات، المصنعة في أوروبا واليابان والولايات المتحدة الأمريكية.

كذلك، أسهمت الشعبية المتزايدة للبثّ بتضمين التردد FM، في زيادة نموّ الصناعة الإذاعية، نظراً إلى ما يقدمه من صوت عالي الجودة، يفوق تقنية تضمين الاتساع AM.

وشارك البثّ بالصوت المجسّم (الستريو)، الذي بدأ بالظهور في ستينيات القرن العشرين ـ في ازدهار الإذاعة وانتشرت أجهزته، في العقدَين التاليَين، لقدرتها على نقل الموسيقى، وغيرها من البرامج، كالحفلات والمسرحيات، نقلاً قريباً جداً من الواقع.

مزيد من الإنتشار

يعتبر الراديو الرقمي هو الجيل القادم للبث الإذاعي، والذي يعني انتهاء حقبة زمنية شهدت بث موجات (AM) منذ عام 1920  وبث موجات (FM) منذ عام 1940، إنها الثورة التي سوف تحول جودة إذاعات الموجات المتوسطة (AM) وكأنك تسمع موجات (FM)، بل وسيحول موجات (FM) الحالية إلى نقاء وصفاء الأقراص المدمجة (CD)، إضافة إلى نقاء الصوت المسموع فانه يتيح زيادة عدد القنوات الإذاعية التي يمكن أن تبث بمعدل خمسة إضعاف بحد أقصى.

كما يمكن لهذه التقنية من إمكانية إرسال الأحرف التي تظهر على شاشة الراديو الصغيرة، حيث يمكن بث حالة الطقس أو اسم البرنامج الحالي، أو يمكن لإدارة المرور أن ترسل رسائل نصية عن حالة الطرق والاختناقات التي فيها ، كما يمكن البحث عن القنوات باسم القناة مباشرة والذي يظهر على شاشة الراديو دون الحاجة لمعرفة التردد.

وتشير التوقعات الى إلى أن برامج المستقبل، ستكون مشابهة للبرامج الإذاعية الحالية؛ إلا أنها ستكون مصحوبة بالصور والنصوص والأشكال؛ ما سيرفع قيمتها المعلوماتية. فعلى سبيل المثال، يمكن نقل المعلومات المحلية عن مشاكل الحركة، أو مقترحات اختيار الطريق، عبْر إحدى قنوات بيانات البثّ السمعي الرقمي.

ويمكن للسائقين الحصول على هذه المعلومات، من خلال أحاديث مبرمجة، أو عبْر نصوص أو خرائط. وقد تصاحب المعلومات السمعية معلومات نصية أخرى؛ فقد يعرض، مثلاً، اسم مقطوعة موسيقية، أو اسم مؤلفها، أو رقم هاتف برنامج إذاعي معين، أو دليل برامج إليكتروني ـ على شاشة العرض البلوري السائلي لمذياع.

أما أجهزة الراديو التي تستقبل هذا البث والتي بدأ تصنيعها حاليا، وخاصة في راديو موديلات السيارات الجديدة، فسيتيح لك تسجيل أي برنامج والاستماع له لاحقا، أو عندما تضطر لإيقاف الراديو لأي سبب ، فانه لن يفوتك برنامجك المفضل، بل سيبدأ الراديو باستكمال البرنامج من حيث وقفت أنت، وهذا كله بفضل التحول الرقمي.

راديو الإنترنت

أصبح العالم بفضل ثورة الاتصالات وسرعة نقل المعلومات سواء كانت مرئية أو مسموعة أو مكتوبة، يلهث وراء آخر المعطيات والأنباء .. وعبر الانترنت ظهر شكل جديد من الاذاعات .. ليشكل نافذة إعلامية آخذة في التوسع والانتشار.

بدأت فكرة إذاعات الانترنت في أميركا عام 1993 بإذاعة تحمل اسم «انترنت تالك راديو» وكانت تبث لعدد محدود من الساعات على مدار اليوم، تبعتها أول إذاعة انترنت تبث على مدار اليوم في أميركا أيضا عام 1995 تحت اسم «اتش. كي».

وكان لافتا أن تنتقل تلك الظاهرة الجديدة نسبيا الى الوطن العربي ومن ثم انتقل الكثير من الجمهور من خانة المشاهدين إلى خانة المستمعين الكترونيا .. من هذه الاذاعات بمصر : راديو رحاب اف ام/ راديو نجوم اف ام / راديو بنات وبس / راديو بى بى سى / راديو نايل اف ام.

ويتمتع راديو الإنترنت بميزات عديدة فهو من ناحية يتيح للمستخدم استقبال عدد لا حصر له من المحطات الإذاعية، فإجمالي المحطات التي تبث برامجها مباشرة عبر الشبكة العنكبوتية لا يقل الآن عن 11000 محطة، بما فيها قنوات رسمية، وأخرى خاصة، وثالثة لا تتواجد فقط إلا من خلال الإنترنت، أي لا يمكن التقاطها بالأساليب الأخرى المتعارف عليها سوءا كان مذياعا عاديا أو جهاز استقبال بث الأقمار الاصطناعية.

ومن ناحية أخرى تساعد تقنية التواصل مع شبكة الإنترنت من خلال البث اللاسلكي المعروفة باسم W-LAN على متابعة كل برامج الإذاعة المتوافرة على الشبكة، أي انك تتنقل بواسطة الحاسب النقال إلي أي مكان، وتستقبل الإذاعة التي تحبها أو ترغب في سماعها.

تتميز تقنيات راديو الإنترنت ببساطتها الشديدة وقلة تعقيدها، فهي لا تحتاج إلى حجز ذبذبة صوتية في الأثير وسداد رسوم سنوية عليهاأو القيام بتصريحات رسمية، أو امتلاك أجهزة بث ضخمة بل إن أغلب البرامج التي تساعد على إنتاج المادة الإذاعية يمكن الحصول عليها مجانا من الإنترنت، كما ان هناك بعض المواقع التي تستضيف راديو الإنترنت مجانا على صفحاتها، وما على المشرفين إلا إعداد المادة الصوتية ونقلها إلى هذا الموقع عن طريق الشبكة.

وبإلقاء نظرة عامة على الإذاعات التي بدأت تتعامل مع هذا الأسلوب الجديد، نجد اختلافا كبيرا في المضمون والجوهر أيضا، فأغلب الإذاعات الخاصة تميل إلى تقديم المادة الموسيقية فقط، وتعتمد في تمويلها على إقناع شركات إنتاج المصنفات الفنية على أن تقديم الجديد من خلالها هو نوع من الدعاية، ليكون الإقبال على شراء الألبوم الغنائي كبيرا، كما تعول على بيع منتجات أخرى مثل نغمات الهاتف النقال أو صور لرسائله القصيرة.

في المقابل، تحاول شبكات الإذاعة الرسمية التعامل مع هذه التقنيات بشكل جديد، مما أحدث تغييرا كبيرا في تقديم المادة الصوتية إلى المستمع، فإلى جانب البث الحي عبر الإنترنت، تحرص بعض مواقع الإذاعات على تقديم تسجيلات لحلقات البرامج المتخصصة سواء في التحليلات السياسية أو الشأن الاقتصادي أو الملفات الأدبية، مع ملخص مكتوب للمادة الإذاعية أو التنويه عن محتوى البرامج التالية.

من جهتها تتجه بعض الشبكات الرسمية الأخرى إلى المستمع للتفاعل معه مباشرة، فتقدم وصلة مع آخر برقيات وكالات الأنباء لتجعله دائما على اتصال بها، فيما تنقل أخرى من حين إلى آخر لقطات حية من داخل الاستوديو.

الإذاعة المصرية

عند الحديث عن يوم عالمي للراديو لا يمكن اغفال اهمية الاذاعة الرائدة في الشرق الاوسط.. الإذاعة المصرية.. وما قامت به من دور تاريخي في مختلف المجالات واشكال العمل الاذاعي على مدى عقود ..

كانت مصر أول دولة عربية تعرف الإذاعة الرسمية الناطقة بالعربية في عام 1934، حيث سبقتها إذاعات في الجزائر والمغرب ولكنها كانت ناطقة بالفرنسية والإسبانية، وقد مرت الإذاعة المصرية بخمس مراحل رئيسية هي مرحلة الإذاعات الأهلية، ثم مرحلة الإذاعة المصرية الحكومية في عهد شركة ماركوني، ثم مرحلة تمصير الإذاعة، ثم مرحلة الإذاعة خلال ثورة يوليو 1952، ثم مرحلة الشبكات الإذاعية.

وفي مرحلة الإذاعات الأهلية، عرفت مصر محطات الراديو في عشرينات القرن العشرين علي شكل محطات أهلية تجارية، بلغ عددها عند إغلاقها 11 محطة ، وقد قامت هذه المحطات بوظائف الإخبار والتوجيه والإرشاد والتسلية والإمتاع والإعلان، وامتازت بعدة سمات منها أنها كانت ملكا لبعض الأفراد، وكان أصحابها من تجار أجهزة الراديو والأجهزة الكهربائية الذين يستهدفون إلي ترويج بضاعتهم، وكانت تتركز في القاهرة والإسكندرية.

ثم بدأت المرحلة الثانية “الإذاعة المصرية الحكومية في عهد شركة ماركوني” في 21 يوليو 1932 عندما قررت الحكومة المصرية إنشاء محطة رسمية لها تحل محل هذه المحطات وتولت عملية الإنشاء شركة ماركوني البريطانية، وأصدرت مرسوما لأصحاب المحطات الأهلية تنذرهم بالتوقف عن البث ابتداء من 29 مايو 1934، ثم افتتحت المحطة الرسمية في 31 مايو 1934 الذي صار بمثابة “عيد الإذاعة المصرية”.

وكان للإذاعة المصرية سنة 1934 محطتان للإرسال، وكانت الإرسال يتم باللغات العربية والفرنسية والانجليزية ، وكان عدد الاستوديوهات اثنين ، ارتفع إلى ستة قبل قيام ثورة 23 يوليو 1952.

وبدأ البث في أول يوم بصوت أحمد سالم أول مذيع بالإذاعة المصرية، ثم بالقرآن الكريم بصوت الشيخ محمد رفعت، ثم كلمتي وزير المواصلات ورئيس اللجنة العليا للبرامج، ثم قطعة موسيقية، فمونولوج فكاهي، ثم أغنيات لأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وصالح عبد الحي وفتحية أحمد، وقد قدمت الإذاعة المصرية خدماتها عبر محطتين رئيسيتين هما البرنامج الرئيسي والبرنامج الأوروبي المحلي.

وقد خضعت الإذاعة المصرية للإشراف المشترك بين شركة ماركوني البريطانية ووزارة المواصلات المصرية حتى أغسطس 1939 حيث صدر مرسوم ملكي بإنشاء وزارة الشئون الاجتماعية وألحقت بها إدارة الإذاعة المصرية.

وقامت الإذاعة بوظائف الإخبار، وبثت أول نشرة أخبار لها في 3 يونيو 1934، كما عزز اندلاع الحرب العالمية الثانية من أداء الإذاعة للوظيفة الإخبارية، حيث زاد عدد نشرات الأخبار إلي خمس نشرات يوميا ، نقلت البلاغات العسكرية وخطابات تشرشل رئيس الوزراء البريطاني، وتحليلات إخبارية لكبار مثقفي ذلك العصر.

كما لعبت الإذاعة دورا توجيهيا وإرشاديا أسهم في تشكيل الرأي العام المصري، بتبنيها للقضايا العربية كالدعوة لتكوين جامعة الدول العربية، وبإذاعتها لحوارات طه حسين وعباس العقاد وفكري أباظة وسهير القلماوي وغيرهم من كبار مفكري هذا العصر في وقت تصارعت فيه الرؤي الفكرية حول انتهاج المسار الديني الإسلامي بكل ما فيه، أو الرجوع للحضارة المصرية القديمة واستلهامها، أو الأخذ بأساليب الحضارة الغربية الحديثة.

وأدت الإذاعة إلي جانب ما سبق الوظيفة الترفيهية، حيث أسهمت في تطوير الأغنية من حيث الشكل والمضمون، وابتعدت بها عن الإسفاف والابتذال، وقدمت عددا من المطربين كعبد العزيز محمود وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، وكذلك قدمت المونولوج الفكاهي والأوبريت الغنائي والغناء الأوبرالي، والحفلات الغنائية من خارج دار الإذاعة المصرية، والمسلسلات الإذاعية، وبرامج المرأة والأطفال والعمال والفلاحين، وعرفت البرنامج الخاص والبرنامج التسجيلي والأناشيد الدينية والمدائح النبوية والقرآن الكريم.

تلا ذلك المرحلة الثالثة التي شهدت تمصير الإذاعة، فقد أدت معاهدة 1936 بين مصر وبريطانيا إلي اشتراك مصر في الحرب العالمية الثانية، وتعمدت الإذاعة تحت سيطرة الشركة البريطانية إشعار المصريين أن الحرب حربهم، عبر سيطرة رئيسة الأخبار الأجنبية علي تحرير الأخبار، وتدخل السفير البريطاني في برامج الإذاعة، كان هذا في وقت توترت فيه علاقة مصر ببريطانيا بسب عدم جلائها عن قناة السويس، واضطرار مصر إلي شكواها في مجلس الأمن، وهنا قررت وزارتا المواصلات والشئون الاجتماعية المصريتين طلب الرأي من مجلس الدولة، الذي أشار بإمكانية فسخ العقد المبرم مع الشركة البريطانية مقابل تعويضها عن أرباحها في الفترة المتبقية من العقد، ودفع مرتب مديرها آنذاك، وهو ما تم في 4 مارس 1947، حيث أنشئت لها إدارة مستقلة يُشرف عليها مجلس أعلى يمثل عدة وزارات ومصالح حكومية، وبذلك زالت السيطرة البريطانية على هذا المرفق الخطير، وبعدها تعزز استقلال الإذاعة ومصريتها بعدة قرارات ومراسيم إدارية متوالية، وأنشئت إدارة الإذاعة اللاسلكية المصرية وأُلحقت بوزارة الشئون الاجتماعية.

بعدها انشغلت الإذاعة المصرية منذ ذلك الحين بقضايا الاستعمار والجلاء، ونقلت جلسات مجلس الأمن حول القضية المصرية مترجمة إلى العربية، واهتمت بإذاعة نشرات الأخبار، واشتركت في أهم وكالات الأنباء العالمية، وفجرت مشاعر العروبة لدى الشعب المصري، ونقلت أخبار تقدم الجيش المصري في حرب فلسطين، وكلمة شيخ الأزهر التي حث فيها الجنود على القتال، ومظاهرات الجماهير وأعمال الفدائيين ضد الإنجليز في منطقة القناة بعد إلغاء معاهدة 1936، وكذلك حريق القاهرة 1952، حتى قيام ثورة يوليو 1952 ، هذا كله إلي جانب البرامج الثقافية والتعليمية والترفيهية.

أما في المرحلة الرابعة، مرحلة الإذاعة خلال ثورة يوليو 1952، فقد أحسن مجلس قيادة الثورة استخدام الإذاعة لتحقيق أهداف الثورة، وأدرك دورها الفاعل في إطار منظومة الإعلام في خدمة الخطط القومية للدولة، ودورها في توجيه الرأي العام المصري والعربي والأفريقي، والدعاية لتوجهاتها الفكرية والسياسية، فمن ميكروفون الإذاعة المصرية عرف الشعب المصري أن حركة من الجيش قد قامت لتطيح بالنظام الملكي، ولتضع حدا للفساد الذي استشرى في البلاد، وسمع العالم كله البكباشي محمد أنور السادات يتلو بيان الثورة الأول، وتوالت علي الإذاعة بيانات مجلس قيادة الثورة وأخبارها، مرورا بشرح قوانين الإصلاح الزراعي 1952، ثم قيام الجمهورية 1953، وتوقيع اتفاقية الجلاء 1954، وتعبئة الشعور الوطني خلال العدوان الثلاثي 1956، ومعارك التحرير العربية والأفريقية، كما تعرضت محطة البث في أبي زعبل للقصف خلال العدوان الثلاثي عام 1956.

وفي نوفمبر 1952 أنشئت وزارة الإرشاد القومي فضمت الإذاعة إليها، ثم انتقل الإشراف عليها إلى رئاسة الجمهورية عام 1958، بعد توحيد الإذاعة المصرية والمديرية العامة للإذاعة السورية في مؤسسة واحدة أطلق عليها إذاعة الجمهورية العربية المتحدة، وفى اكتوبر1963 ضُمت هيئة الإذاعة إلى وزارة الثقافة والإرشاد.

وفى سنة 1953 صدر قانون فرض رسما موحدا قدرها 130 قرشا عن كل جهاز لاستقبال الإذاعة، حتى إلغاؤه عام 1968.

وقد شهدت الإذاعة تطورا في عهد حكم ثورة يوليو، حيث بدأت في البث عبر الموجه القصيرة، وبقوة إرسال 140 كيلو وات، كما تعددت خدماتها الإذاعية لتشمل البرنامج العام، والبرنامج الأوروبي، وركن السودان، وصوت العرب، والإذاعات الموجهة إلى أفريقيا وآسيا وأوروبا، والإسكندرية المحلية، البرنامج الثاني، ومع الشعب، وفلسطين، والشرق الأوسط، والقرآن الكريم، والبرنامج الموسيقي، والشباب، وأم كلثوم.

وأخيرا جاءت المرحلة الخامسة وهي مرحلة “الشبكات الإذاعية”، ففي عام 1971 صدر القرار الجمهوري بإنشاء هيئة تسمي (اتحاد الإذاعة والتلفزيون)، تتبع وزير الإعلام، وفي يوليو 1978 افتتحت المحطة الأرضية النمطية للاتصال بالأقمار الصناعية وتوفرت لهذه المحطة 132 دائرة بين القاهرة ومراكز العالم المهمة في الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والمملكة العربية السعودية والكويت، والتي يمكن الاتصال منها بكافة دول العالم.

بدأت في أول أبريل 1981 مرحلة جديدة في عمر الإذاعة المصرية، حيث تم تطبيق نظام فني متخصص عرف بنظام الشبكات الإذاعية وبمقتضاه أصبحت الإذاعة تتكون من سبع شبكات، وما زالت الإذاعة المصرية قائمة على تطوير المنظومة الإذاعية للعمل على رقمنة البث الإذاعي التي ستتيح وصول المادة الإذاعية إلى المستمع مع ضمان جودة في الصوت تضاهي جودة الاسطوانة المضغوطة، وسيتيح البث الرقمي الفضائي انتشارا على نطاق أوسع لمحطات الإذاعة المصرية.