أخبار مصر

عيد الشرطة..

ترتبط قدرة الانسان على التنمية والتطور بتوافر عنصر الأمن .. ويعد حفظ الأمن أول المسئوليات العامة منذ عاش الإنسان فى تجمعات. . وكان من أهم وظائف «كبار القبيلة» توفير الأمن وحماية المواطنين وممتلكاتهم.

كان الأمن عملاً تطوعياً بالتناوب ثم تطور إلى أن أصبح مهنة لها أصول وقواعد، تتطلب إعداداً مهنيا مستمراً وتدريباً متميزاً وأصبحت من مقومات الدولة.

والشرطة المصرية من أعرق مؤسسات الأمن، مرت بعدة تطورات وصولاً للعصر الحديـث عنـدما باشر مصطفى رياض باشـا مسئوليتها سنة 1879 ثم أنشئت نظارة الداخلية سنة 1900.تولاها عدد من رموز الوطن منهم سعد زغلول – النقراشى – عبد الخالق ثروت – عدلى يكن – أحمد ماهر- جمال عبد الناصر.

ما يمثله جهاز الشرطة قوة وانتشار واتصال بحياة الناس جعله عاملا مهما في الحياة السياسية ما اوجد فجوة في جدار الثقة بين الأمن والمواطن .. بلغت ذروتها في يناير 2011 حيث كان اداء الشرطة احد عوامل انفجار الثورة ضد النظام ..

وعلى مدى 6 سنوات مضت لم تتوقف جهود اعادة بناء الثقة التي فقدت وقدم رجال الشرطة تضحيات كبرى تدون في سجل الشرف والوطنية الى ابد الدهر

قصة عيد الشرطة :-

يرتبط اختيار 25 يناير للاحتفال بعيد الشرطة بـ “موقعة الإسماعيلية”, وهى البطولة التى وقعت فى ذلك التاريح عام 1952, وراح ضحيتها 50 شهيدا و80 جريحا من رجال الشرطة المصرية علي يد الاحتلال الإنجليزى, بعد أن رفض رجال الشرطة تسليم سلاحهم وإخلاء مبني المحافظة للاحتلال الإنجليزي.

فى تلك الأثناء كانت منطقة القناة تحت سيطرة القوات البريطانية بمقتضى اتفاقية 1936، والتي كان بمقتضاها أن تنسحب القوات البريطانية إلى محافظات القناة فقط دون أى شبر فى القطر المصرى، فلجأ المصريون إلى تنفيذ هجمات فدائية ضد القوات البريطانية داخل منطقة القناة, وكبدتها خسائر بشرية ومادية ومعنوية فادحة، وذلك كان يتم بالتنسيق مع أجهزة الدولة فى ذلك الوقت.

كان الفدائيون ينسقون مع رجال الشرطة لشن هجمات فعالة وقاسمة ضد القوات البريطانية، وهو ما فطن له البريطانيون، حيث قاموا بترحيل المصريين الذين كانوا يسكنون الحى البلدى فى الإسماعيلية، بينما كانوا هم يسكنون الحى الأفرنجى، وذلك للحد من عملياتهم البطولية ضد قواتهم، ولكن ذلك لم يؤثر على الفدائيين وزادت هجماتهم شراسة، وذلك بالتنسيق مع قوات الشرطة المصرية.

فطنت القوات البريطانية بأن رجال الشرطة يساعدون الفدائيين، فقررت خروج كافة أفراد الشرطة المصرية من مدن القناة, على أن يكون ذلك فى فجر يوم 25 يناير 1952، وفوجىء رجال الشرطة بعد وصولهم إلى مقر عملهم فى مبنى محافظة الإسماعيلية، بقوات الاحتلال البريطانى تطالب اليوزباشى مصطفى رفعت قائد بلوكات النظام المتواجدة بمبنى محافظة الإسماعيلية، بإخلاء مبنى المحافظة خلال 5 دقائق، وترك أسلحتهم بداخل المبنى, وحذروهم بمهاجمة المبنى فى حالة عدم استجابتهم للتعليمات، وهو ما رفضه رجال الشرطة الأبطال وقرروا الدفاع عن موقعهم حتى آخر طلقة بحوزتهم.

وبدأت المعركة من خلال قيام القوات البريطانية بإطلاق قذيفة دبابة أدت إلى تدمير غرفة الاتصال “السويتش” بالمبنى, وأسفر عن استشهاد عامل التليفون, لتبدأ المعركة بقوة, والتى شهدت فى بدايتها إصابة العشرات من رجال الشرطة واستشهاد آخرين, فخرج اليوزباشى مصطفى رفعت قائد قوة بلوكات النظام المتواجدة داخل مبنى المحافظة إلى ضابط الاحتلال البريطانى فى مشهد يعكس مدى جسارة وشجاعة رجل الشرطة المصرى, فتوقفت الاشتباكات ظنا من قوات الاحتلال بأن رجال الشرطة سيستسلمون, ولكنهم فوجئوا بأن اليوزباشى
مصطفى رفعت يطلب الاتيان بسيارات الإسعاف لعلاج المصابين وإخلائهم قبل استكمال المعركة, ولكنهم رفضوا واشترطوا خروج الجميع أولا والاستسلام, وهو ما رفضه اليوزباشى مصطفى رفعت وعاد إلى جنوده لاستكمال معركة الشرف والكرامة, والتى لم يغب عنها أيضا أهالى الإسماعيلية الشرفاء; حيث كانوا يتسللون إلى مبنى المحافظة لتوفير الغذاء والذخيرة والسلاح, رغم حصار دبابات الاحتلال للمبنى.

ومع استمرار الاشتباكات, بدأت الذخيرة فى النفاد من رجال الشرطة المصرية, ولكنهم رفضوا أيضا مجرد فكرة الاستسلام, وقرروا القتال حتى آخر طلقة, وقرر اليوزباشى مصطفى رفعت الخروج من المبنى لقتل قائد قوات الاحتلال (اكس هام) أملا منه فى أن يؤدى ذلك إلى فك الحصار وإنقاذ زملائه … وبالفعل عندما خرج, توقف الضرب كالعادة, ولكنه فوجىء بضابط آخر أعلى رتبة من (اكس هام), وبمجرد أن رأى هذا الضابط اليوزباشى مصطفى رفعت, أدى له التحية العسكرية, فما كان من اليوزباشى رفعت إلا أن يبادله التحية, وتبين بعد ذلك أن ذلك الضابط هو الجنرال ماتيوس قائد قوات الاحتلال البريطانى في منطقة القناة بالكامل.

وتحدث الجنرال ماتيوس إلى اليوزباشى مصطفى رفعت, وقال له بأنهم فعلوا ماعليهم بل أكثر, وأنهم وقفوا ودافعوا عن مبنى المحافظة ببطولة لم تحدث من قبل, وأنهم أظهروا مهارة غير عادية باستخدامهم البنادق التي معهم, ووقوفهم بها أمام دبابات وأسلحة الجيش البريطانى المتعددة, وأنه لا مفر من وقف المعركة بشرف, فوافق اليوزباشى مصطفى رفعت على ذلك مع الموافقة على شروطه, وهى أن يتم نقل المصابين والإتيان بالإسعاف
لهم, وأن الجنود التي تخرج من المبنى لن ترفع يديها على رأسها وتخرج بشكل عسكري يليق بها .. فوافق الجنرال ماتيوس على تلك الشروط وتم خروج قوات الشرطة بشكل يليق بهم وهم فى طابور منظم.

وأسفرت تلك الملحمة التاريخية للشرطة المصرية عن استشهاد نحو 50 من رجال الشرطة وإصابة 80 آخرين, فاستحقت أن تكون ليست يوما فقط أو عيدا للشرطة المصرية, ولكنها أصبحت عيدا قوميا لمحافظة الإسماعيلية وللشعب المصرى كله ..

وتستمر التضحيات
خلال عام 2016 فقط قدمت الشرطة 152 شهيداً من خيرة أبناء الوطن بينهم 35 ضابطا، و58 فردا، و10 خفراء، و48 مجندا، وموظف مدنى، بالإضافة إلى 2323 مصاباً بينهم 452 ضابطا، و846 فردا،1021 مجندا، و4 موظفين .

ومنذ 25 يناير 2011 قدمت الشرطة 725 شهيدا بينهم 157 ضابطاً و334 فرداً و22 خفير و207 مجند و5 موظفين، و18 الفا و140 مصابا .

ويزخر سجل دور الشرطة فى الكفاح الوطنى بمواقف وأحداث نشير إلى القليل منها:

سنة 1881 تحدت الشرطة الأوامر بإخماد مظاهرات عابدين وشاركت فيها مع الجيش مطالبة بحقوق الشعب بفريق شرطى بقيادة اللواء إبراهيم فوزي.

فى حوادث الإسكندرية 1882 انضمت الشرطة إلى الثوار وصدرت ضد القائمقام سعد أبو جبل وقياداته و35 مجنداً أحكام تفاوتت بين الأشغال الشاقة والإعدام الذى نفذ بوحشية علناً أمام مقر الشرطة.

فى كتابه عن أحداث دنشواى يسجل «محمد جمال الدين» موقف الشرطة ضد الإنجليز عندما أخذوا صف الفلاحين وشهدوا أنهم بادروا بحرق المخازن ثم لم تتعرض الشرطة للمظاهرات التى قامت ضد إعدام أربعة من الفلاحين مما أدى إلى معاقبة الكثيرين.. ويسجل الفحام فى كتاب رجال البوليس والإدارة مهدوا لثورة عرابى مواقف بطولية تحسب لأجهزة الأمن.

ويصف الرافعى فى كتابه عن ثورة 19هجوم الثوارعلى قطار يقل قيادات إنجليزية من أسوان للقاهرة لإخماد الثورة بأنه من أعنف حوادث الثورة.

تجاهلت الشرطة إشارة تطالب بتشديد الحراسة عليه لكنهم أخطروا الأهالى بأنه من العار على أبناء الصعيد أن يتركوهم يصلون إلى القاهرة.

حوكم الضباط الذين هاجموا القطار أمام محكمة عسكرية وحكم على اليوزباشى أبو المجد حمو، والملازمين مصطفى حلمى وعيد إبراهيم بعقوبات تراوحت بين الحبس مع الشغل أو الفصل من الخدمة. وصدر حكم بإعدام الملازم محمد السبع رئيس مدينة ضبو الذى فتح مخزن السلاح ووزعه على الفلاحين للهجوم على المراكب النيلية كما حكم على البكباشى عبد السلام بالأشغال الشاقة لنفس السبب.

شددت القوات البريطانية الحصار حول مدينة أسيوط بعد حادث الاعتداء على الضباط والجنود بداخل القطار وأرسل قائد القوة رسالة إلى البكباشى محمد كامل مأمور بندر أسيوط يطلب إليه الاستسلام فرفض وتقدم هو وجنوده والأهالى يدافعون ببسالة عن المدينة وقد أعدم البكباشى محمد كامل رمياً بالرصاص.

كما حكم على الملازم السيد إبراهيم السيد ملاحظ الشرطة بمطاى بالأشغال الشاقة لمدة اثنى عشرعاماً، وعلى الملازم أول أحمد كامل يوسف بمديرية المنيا بالفصل من الخدمة لانضمامه للثورة.

سنة 1907 شارك خليل حمدى قائد كلية البوليس فى اجتماعات الحزب الوطنى ضد الإنجليز فطالبوا بإقالته خوفاً من أن يقتنع الطلبة بأفكاره ثم ألغوا وظيفته بأمر عمومي.

تلك كانت أمثلة من سجل الشرطة الوطني في تاريخ مصر .. وان كان قد شاب هذا في فترات تجاوزات بحق المواطنين .. فقد كانت ثورة يناير 2011 نقطة تحول .. أخذ بعدها ملف حقوق الانسان حيزا لا بأس به في سياسة الداخلية للتعامل مع المواطنين ..

وسعىت أكاديمية الشرطة باعتبارها مصنع رجال الأمن للإلتزام بالسياسة العامة للوزارة والتوجه الحقيقى للدولة حول كفالة حقوق الإنسان وصون حرياته الأساسية وذلك من خلال تفعيل النصوص القانونية التى حددت لأجهزة الأمن نطاق إختصاصها، ورسمت بدقة الدور المنوط بها على نحو يتجاوب مع آمال المواطنين وطموحاتهم .

وفى هذا السياق أولت الأكاديمية إهتماماً بالغاً بترسيخ مفاهيم ومبادئ حقوق الإنسان فى نفوس ضباط الشرطة ، بما يمكنهم من حماية حقوق الإنسان وصون حرياته الأساسية فى كافة مراحل وإجراءات العمل الأمنى ، خاصة عند تعامل المواطن مع الأجهزة الشرطية لتوثيق العلاقة بين الشرطة والجمهور ، ودعماً لجهود المشاركة الشعبية فى مكافحة الجريمة والوقاية منها .

ومن هذا المنطلق تم توقيع بروتوكول تعاون بين وزارة الداخلية ووزارة الخارجية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائى لدعم نشر ثقافة حقوق الإنسان يتضمن عقد العديد من الدورات التدريبية المتخصصة والمتعمقة فى مجال حقوق الإنسان، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائى ووزارة الخارجية لضباط المنطقة المركزية العاملين فى مجالات (السجون – المراكز والأقسام – البحث الجنائى ) إضافة إلى تنظيم عدد من الدورات المماثلة للضباط العاملين فى منطقة الصعيد وغيرها من الجهات الشرطية المتخصصة لإستفادة أكبر عدد ممكن من الضباط على مستوى الوزارة وخاصة الذين تستلزم طبيعة عملهم التعامل مع الجمهور من أجل تعميق مفاهيم وقيم حقوق الإنسان لديهم ، و تبسيط الإجراءات الواجب إتباعها للتيسير على المواطنين وسرعة إنجاز الخدمات الخاصة بهم فى سهولة ويسر ،

كما تم عقد لقاءات ثقافية وتنشيطية ومسابقات فى مجال حقوق الإنسان:على مستوى اجهزة الوزارة وطلبة كلية الشرطة والمعاهد الشرطية
وبدأت أكاديمية الشرطة في تدريس مادة حقوق الإنسان كمادة أساسية لطلبة الكلية ، كما يتم تدريس مادة الحريات العامة للضباط الدارسين بكلية الدراسات العليا ، فضلاً عن تضمين العديد من المواد فى بعض الموضوعات التى تعالج حقوق الإنسان .

وتم إنشاء قسم علمى بمركز بحوث الشرطة تحت مسمى ” قسم العدالة الجنائية و حقوق الإنسان ” يهتم بالأنشطة العلمية المتعلقة بموضوعات العدالة الجنائية بأطرافها ومجالاتها المتعددة .

تم إيفاد عدد من ضباط الأكاديمية فى بعثات دراسية وتدريبية للمعهد الدولى لحقوق الإنسان بسترا سبورج بفرنسا للوقوف على أحدث الرؤى حول تفعيل حماية حقوق الإنسان ، وذلك بالتنسيق مع بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالقاهرة .

وفي الاحتفال بعيد الشرطة هذا العام اكد وزير الداخلية سعى الوزارة لتحقيق مفهوم الشرطة الشامل في إطار الدستور والقانون واحترام حقوق الإنسان، الى جانب تطوير القوات، من خلال تخطيط علمي يواكب النظم الحديثة”.

جدد وزير الداخلية اللواء مجدي عبد الغفار العهد لشعب مصر وللرئيس باستمرار الوفاء وبذل كل غال ونفيس في سبيل الدفاع عن الشرطة والوطن، لتحيا مصر واحة للأمن والأمان والاستقرار.

وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي أسمى عبارات التحية والتقدير والاحترام لبطولات رجال الشرطة في الحاضر،

وأكد ان وطنية وصلابة وعزم رجال الشرطة، لم تتغير مع تغير طبيعة التحديات التي نواجهها ، وأنه ومع تنامي ظاهرة الإرهاب البغيض كان رجال الشرطة كعادتهم في الصفوف الأولى للمواجهة، بجانب إخوانهم البواسل من رجال القوات المسلحة وخلفهم أجهزة الدولة ومؤسساتها ممن يعملون في هدوء وصمت يضربوا جميعاً المثل أن في مصر رجالاً آلوا على أنفسهم توفير الأمن والأمان للمصـريين وحماية هذا الوطن والذود عنه.