اعداد - أمينة يوسف

إدراك الفنان لواقعه السياسي والاجتماعي جزء لا يتجزأ من نجاحه الجماهيري فالفنان لا يرتبط بواقعه فقط أمام الكاميرات وإنما أيضا خلفها والفنان القدير صلاح منصور كان جزء من إدراك السينما للواقع الذي تعيشه بمختلف ظروفه ودوما ما كان يعارض هذا الواقع بطريقة ساخرة وروح مرحة.

نشأته

ولد صلاح منصور في 17 مارس عام 1923 بشبين القناطر في محافظة القليوبية، وكانت لديه ميول فنية منذ الصغر فكان بارعا في تقليد الفنانين الذين يشاهدهم في السينما وكثيرا ما كان يقف أمام المرآة ليقلد يوسف وهبي وحسين رياض وأحمد علام بصوت عال ليأتي والده ويقول له أن مصيره الجنون.

لم يكتف صلاح منصور بموهبته فعمل على صقلها بالدراسة المتخصصة والتحق بمعهد الفنون المسرحية وكان أحد خريجي الدفعة الأولى مع المعهد إلى جانب فريد شوقي وشكري سرحان وحمدي غيث وعبدالرحيم الزرقاني.

المسرح الحر

كون صلاح منصورعقب تخرجه مع زملاء الدفعة فرقة المسرح الحر والذي كان أول مسرح خاص يقدم أعمالا جادة، وقدم العديد من الأعمال المسرحية الهادفة سواء لكبار الكتاب المصريين أوالمقتبسة عن روايات عالمية، حيث قدم لـنجيب محفوظ “زقاق المدق”، و”بين القصرين”، كما قدم لـنعمان عاشور “المغماطيس” و”الناس اللي تحت”، ومن الأعمال المتميزة الآخرى “شىء في صدري” لحمدي غيث، و”الزلزال” لـجلال الشرقاوي، و”يا طالع الشجرة” لـسعد أردش، ومن المسرح العالمي قدم “الجريمة والعقاب”، و”زيارة السيدة العجوز”، و”رومولوس العظيم” وغيرها من الأعمال التي أثبت فيها موهبته المتفردة .

منصور ضمير المسرح

قال عنه أستاذه زكي طليمات أنه ضمير المسرح وصحوته وعلى الرغم من تقديمه أعظم المسرحيات إلا أنه لم ينس المسرح المدرسي الذي كان أحد رواده فعمل حتى وفاته مستشارًا لوزارة التربية والتعليم للتربية المسرحية وكان يؤمن أن حجر الزاوية في النهوض بالمسرح لا تأتي إلا من المدرسة وتعليم الصغار فن التمثيل لهذا ظل طوال عمره يطالب بأن يكون للتربية المسرحية دور أكبر في الوزارة.

ضبوش العكر

لم تقتصر موهبة صلاح منصور على المسرح فقط إذ كان للإذاعة نصيب كبير من إبداع هذا الفنان العملاق فكان أحد نجومها البارزين وقد ساعده صوته القريب من الأذن ونبراته القادرة على التلون في تقديم العديد من الأدوار المتميزة ومن أدواره التي لا تنسى “ضبوش العكر” في مسلسل عوف الأصيل و”محمد الخياط” في مسلسل قسم و”الأمير زياد” في رابعة شهيدة الحب الآلهي وقد حقق صلاح منصور في هذه الأدوار نجاحًا جماهيريًا كبيرًا حتى أنه حصل لأكثر من مرة على جائزة أحسن ممثل إذاعي في المسابقة التي كانت تجريها إذاعة صوت العرب.

وقد شهدت مرحلة الستينات تقديمه لأهم أدواره السينمائية التي أثبت فيها موهبته المتفردة وقدراته الفنية العالية ومن أهم تلك الأدوار دوره في فيلم لن أعترف أمام فاتن حمامة وأحمد مظهر وإخراج كمال الشيخ الذي قدم معه أيضا فيلم الشيطان الصغير أمام حسن يوسف وكمال الشناوي وقد حصل في هذان الفيلمان على جائزة التمثيل نتيجة لتميزه في أداء أدوار الشر.

دور الأحدب

قدم صلاح منصور دور الاحدب في فيلم “مع الذكريات” للمخرج سعد عرفة بتميز شديد حتى أن الممثل البريطاني الشهير تشارلز لوتون صفق له عندما عرض هذا الفيلم في لندن عام 1962 .

وقام بعد نهاية الفيلم وصافح صلاح منصور مهنئا وقال “لو أن هذا الممثل الموهوب موجود عالميًا لكنت أسلمت له الشعلة من بعدي”.

ومن أدواره العظيمة الآخرى دوره في فيلم البوسطجي للمخرج حسين كمال حيث قام بدور والد الفتاة جميلة التي يقوم بقتلها بسبب وقوعها في الخطيئة ومن المشاهد التي لا تنسى له في الفيلم عندما حمل ابنته القتيلة وسار بها في أنحاء القرية حيث أدى المشهد ببراعة وتميز ومع حسين كمال أيضا قدم فيلم المستحيل أمام نادية لطفي وكمال الشناوي.

صلاح أبو سيف 

إذا كان الفنان صلاح منصور عمل مع العديد من المخرجين الذين استطاعوا أن يبرزوا موهبته وقدراته الفنية إلا أن المخرج الكبير صلاح أبو سيف استطاع أن يقدم صلاح منصور في أفضل صورة من خلال العديد من الأفلام وكانت بداية التعاون معه في فيلم بداية ونهاية عام 1960 حيث قدم دور “سليمان البقال” الذي يخدع “نفيسة” الفتاة العانس التي جسدتها ببراعة سناء جميل.

ونجح صلاح منصور في تجسيد هذا الدور ببراعة ليكرر التعاون مرة ثانية من خلال فيلم الزوجة الثانية حيث قدم صلاح منصور دور “العمدة عتمان” المزواج الذي يطمع في زوجة الفلاح البسيط فيطلقها منه بالإجبار حتى يتزوجها وينجب منها الولد الذي فشلت زوجته في إنجابه وصل صلاح منصور للقمة من خلال هذا الدور وقدم مع سناء جميل دويتو رائع وحتى الآن لا يمكن أن ننسى جملة سناء منصور ” الليلة يا عمدة” ورده عليها “هي حبكت الليلة”.

https://

استمر التعاون بين صلاح منصور وصلاح أبو سيف من خلال فيلم القضية 68 حيث قدم دور الرجل الطيب الذي يرى أن حل المشكلات يجب أن يكون بالمصالحة.

صلاح منصور .. لقن شكري سرحان “علقة” ساخنة من أجل فاتن حمامة

صلاح منصور .. ذاك الفنان الذي اتسم بملامح صارمة وموهبة فذة على أداء أدوار الشر المركبة لم يكن سوى إنسان صادق المشاعر يحمل في قلبه الخير للجميع وخاصة زملائه وأصدقائه يساعدهم بتركيبته السحرية في تخطي أزماتهم وآلامهم.

منصور خلال فترة دراسته بمعهد التمثيل كان صديقًا مقربا للفنان الهادئ شكري سرحان وسريعًا ما اكتشف مشاعره الجارفة تجاه زميلتهما سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة ولكن مشاعر صامتة لم تجرؤ على الخروج بحكم طبيعته المحافظة وهو ما أثار حنق الأول عليه حيث رآه يتعذب دون طائل.

الفنان المصري حاول مساعدة صديقه كثيرًا ونصحه مرارًا بأن يتحدث إلى حبيبته دون جدوى ويبدو أن الحديث اشتعل فيما بينهما ذات مرة وأصر سرحان على موقفه السلبي وهنا اغتاظ صديقه وأوسعه ضربًا وتبادل الاثنان اللكمات ولكنهما سرعان ما عادا إلى علاقتهما الوطيدة .

ويبدو أن الوسط الفني بأسره كان يعرف بطبيعة المشاعر التي يكنها ابن النيل إلى فاتن حتى بعد زواجها من المخرج عزالدين ذوالفقار ولهذا السبب ربما أرادت سيدة الشاشة العربية استبعاد سرحان من فيلم “صراع في الوادي” كبطل أمامها حتى تدرأ عنها الشائعات بل ووافقت وهي في قمة مجدها الفني على الوقوف أمام وجه شاب لم يسبق له التمثيل مطلقا وهو بالطبع زوجها فيما بعد الفنان عمر الشريف.

حب الجمهور

نال صلاح منصور العديد من الجوائز والتكريمات منذ بداياته ففاز بجائزة السينما عن دوره في فيلم لن أعترف وفي عام 1964 حصل على وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى ثم جائزة الدولة التقديرية عام 1978 في الاحتفال بعيد العلم ولكن تبقى أهم جائزة حصل عليها هى حب الجمهور الذي عشقه بسبب موهبته المتفردة.

صلاح منصور أحرج السادات في آخر محاولاته لإنقاذ ابنه من الموت

من أكثر المواقف درامية التي تعرض لها منصور كان مرض ابنه الأصغر هشام والذي كان يحتاج لإجراء جراحة عاجلة بالعاصمة البريطانية لندن ومن المؤكد أنها ستتكلف الكثير مما لا يملكه بالطبع الفنان المصري.

وبعد روتين بيروقراطي سافر الفنان المصري مع ابنه إلى لندن على نفقة الدولة، وبقيا هناك فترة طويلة لإجراء بعض الفحوصات اللازمة قبل الجراحة، فاحتاج منصور إلى تجديد طلب العلاج على نفقة الدولة ومد فترة بقائه لثلاثة أشهر أخرى.

وفي تلك الأثناء تصادف زيارة الرئيس الراحل أنور السادات للعاصمة البريطانية والتقى هناك الجالية المصرية في السفارة فطلب منه منصور مد فترة علاج ابنه ووافق السادات “شفاهة” وبلا تردد ونادى على أحد مرافقيه ليقوم بتنفيذ الأمر إلا أنه اعترض بطريقته الجذابة المرحة وطلب من الرئيس أن يوقّع على الورقة التي قدمها له قائلًا: “عندما يبرح الرئيس المكان ويتحرك الموكب الرسمي.. لا أحد يعرف أحدا” فابتسم السادات وأدرك ما يرمي إليه ووقع على الطلب… هشام صلاح منصور توفي بعد إجراء الجراحة مباشرة وظل هذا الحادث عالقًا بذكرى الفنان القدير حتى رحيله .

لا تبكوا

لم يستطع صلاح منصور أن يخفي الآمه طويلا فاضطر أن يدخل المستشفى بسبب معاناته من المرض وكانت معه زوجته وابنه الأكبر مجدي وكانت أخر كلماته التي قالها لهم “لا تبكوا فقد عشت عمري وأنا أكره أن ارى الدمع في عيونكم ولن أحبها بعد موتي”

وفي 19 يناير عام 1979 رحل صلاح منصور عن عمر يناهز 56 عامًا ولأنه لم يترك لأسرته الصغيرة سوى المجد الفني فقد تقدمت أرملة الفنان الراحل بطلب للرئيس السادات لصرف معاش استثنائي لمعاونتها على مواجهة أعباء الحياة ووافق السادات على طلبها تقديرا لما قدمه صلاح منصور للفن المصري.