حوار/ د.هند بدارى

“مدونة أخلاقية للتنمية “.. هذا ما أسفرت عنه دراسة علمية حديثة لأكاديمية البحث العلمى بعنوان “العلم والتكنولوجيا من أجل التنمية – البعد الأخلاقى للمشروعات القومية ” ،وشارك فى اجرائها لفيف من الباحثين والخبراء تحت اشراف د.فرخندة حسن مقررة مجلس أخلاقيات البحث العلمى بالأكاديمية.

فترشيد استخدام المياه ومنع السحب الجائرمن الابار وتطوير الصناعة المحلية وحماية الثروات من الاستنزاف والبيئة من التلوث ..كلها مبادىء لاتتعارض مع تطبيق المستحدثات التكنولوجية فى مشروعات التنمية .

وحول آلية تنفيذ المشروعات القومية بالتوازن بين التقنيات الحديثة والاعتبارات الاخلاقية ، دار حوارموقع أخبار مصر مع د.فرخندة حسن رئيس الفريق البحثى حيث ألقت الضوء على أبرز بنود مدونة اخلاقيات تطبيق العلم وكيف نراعيها عند تنفيذ مشروع قومى ودورها فى انجاح 5مشروعات قومية عملاقة منها مشروع تنمية محور قناة السويس وسيناء ومحطة الطاقة النووية بالضبعة وسبل تجاوزالعقبات وطرق تحقيق الأهداف المستقبلية :

#ما أهمية دراسة البعد الأخلاقى للتنمية ؟

البعد الاخلاقى للتنمية مهم جدا لكنه كان غائبا عن صناع القرار حتى انتبه المجتمع الدولى الى أهميته مؤخرا حيث كان التركيز منذ منتصف القرن الماضى على البعد الاقتصادى لمشروعات التنمية على أساس أن معيار نجاح المشروع يقاس بالايرادات مقابل النفقات إلا أنه ثبت خلال ممارسات العشرين
سنة الاخيرة أن المؤشرات الاقتصادية مجرد وسيلة وليست غاية بدليل انه رغم النمو الاقتصادي ببعض الدول ، زادت نسبة الفقر فيها وحدث خلل فى
توزيع الموارد بين مختلف شرائح المجتمع بها .

فالهدف القومى أن يتم تنفيذ مشروعات تحسن نوعية الحياة للمواطنين ،وهذا يستلزم ان تراعى مختلف الابعاد الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية والعلمية وكل بعد منها يستند الى مدونة أخلاق مهمة .

بل إن اخلاقيات التنمية أصبحت علما يدرس فى الجامعات الدولية الكبرى ولابد من تدريسها وتطبيقها لتفعيل المشروعات الناجحة حتى تكون نموذجا
يحتذى بالمنطقة العربية والعالم كله .

#على أى مشروعات قومية طبقت الدراسة ؟

تم اختيار 5 مشروعات قومية عملاقة كتجربة باعتبارها تهدف الى إعادة توزيع السكان وتخفيف التكدس فى الوادى الضيق وتحقيق التوازن الاقتصادى
بين أقاليم الوطن لكونه أبرز ركائز العدالة الاجتماعية وهى من أهم الابعاد الاخلاقية الواجب أخذها فى الاعتبار لتحقيق التنمية المستدامة
التى توفر احتياجات الحاضر وتضمن حق الأجيال القادمة فى الموارد .

وتشمل هذه المشروعات : مشروع محطة الطاقة النووية بالضبعة ،تنمية محور قناة السويس ، تنمية شبه جزيرة سيناء ، استصلاح وزراعة واحد ونصف مليون فدان ومشروع تنمية المثلث الذهبي ” قنا / سفاجا / القصير” .

#ما أهداف هذه الدراسة ؟

محاور الدراسة تمثل جسرا للتواصل بين العلماء والمسئولين حيث تتيح الفرصة لمتخذي القرار لبلورة رؤية مكتملة للعلاقة الإستراتيجية بين مؤسسات البحث العلمي والأنشطة التي تتم في هذه المشروعات القومية ، وضرورة التعاون الوثيق بينهما .

كما تنقل صورة كاملة عن أبعاد المشروعات لمتخذي القرارات بإيجابياتها وسلبياتها دون الاقتصار على الإيجابيات كما يحدث أحياناً.

#ماذا كشفت عنه نتائج الدراسة من قيم أو اجراءات أخلاقية ؟

انتهت الدراسة التى أعدها مجلس أخلاقيات البحث العلمى إلى ما يمكن وصفه ” بمدونة أخلاقية ” تشمل الممارسات والآليات التي تكفل نجاح واستدامة خمسة من المشروعات القومية .

وأكدت أن التركيز علي البعد الأخلاقي يعزز ويساند الجهود المبذولة لتحقيق أهداف البرنامج التنموي المصري الذى يشمل عددا من المشروعات القومية العملاقة.

ويمكن طرح نموذج كمشروع المليون ونصف المليون فدان الذى يحتاج الى أسمدة ،فلماذا لايتم إقامة مصانع لتنقية الفوسفات المتوافر بمشروع المثلث
الذهبى لرفع عائده الاقتصادى بدلا من تصدير الفوسفات خام محملا بشوائب من الحديد بسعر رخيص نسبيا مقارنة بفوسفات المغرب والأردن علي سبيل المثال.

وهكذا يتم مضاعفة العائد الاقتصادى للفوسفات وتوفير فرص عمل بمصانع المعالجة وتحويله الى سماد لدعم مشروع زراعة 1.5 مليون فدان .

وهناك مثال اخر لاحتياج محطة الطاقة النووية بالضبعة الى الاف الأطنان من الحديد والكابلات والخراطيم البلاستيك وهناك مصانع قائمة للحديد والبلاستيك ولكنها لاتنتجهما بالمواصفات المطلوبة .

وبالتالى يمكن الاقتراض لتجويد صناعة الحديد والبلاستيك طبقا للمواصفات المعيارية بدلا من الاستيراد وهنا يظهر المردود الاقتصادى فى الفرق بين تكلفة التصنيع والاستثمار وعبء الاقتراض بالاضافة لاحتمال تصديرالمنتج المحلى ويتجلى المردود الاجتماعى فى توفير فرص عمل وتشغيل خبرات وطنية.

#كيف نحمى ثرواتنا المعدنية من الاستنزاف ؟

تتوافر ثروة معدنية لا يستهان بها سواء فى سيناء أو منطقة المثلث الذهبى بالصحراء الشرقية ،ولم يتم استثمارها بالشكل الأمثل حتى الآن، فيجب أن ترتكز أنشطة التنمية فى هذا المجال على تصنيع هذه الخامات جزئياً أو كلياً مما يضيف إلى عائدها الاقتصادى أضعافاً مضاعفة ويوفر فى الوقت نفسه فرص عمل هائلة وتوظيف للخبرات الوطنية المتاحة فى مراكز البحوث والجامعات.

وأخلاقيا ،لابد من مراعاة عدم استنزاف هذه الثروة المعدنية لأنها ليست ملكاً للجيل الحالي فقط بل للأجيال القادمة مع تكثيف البحوث الاستكشافية
ووضع قانون ملزم بعدم استيراد سلعة تصنع بمصر وعدم تصديراى خام اوسلعة اقتصادية إلا بعد معالجتها او تصنيعها لرفع قيمتها المضافة .

#ماذا عن سبل تجاوز العقبات ؟

في مجال الموارد المائية مثلا ..نجد أن نسبة كبيرة من المشروعات القومية قد تعتمد على المياه الجوفية ويعتبر إهدار المياه من أبرز معوقات منظومة التنمية ،فرغم أن مصر تنعم بخزانات جوفية ثرية إلا أن بعضها من المياه الاحفورية غير المتجددة ومصيرها النضوب والبعض الآخر خزانات متجددة ، تتجدد حسب سرعة مرور المياه فى طبقات الأرض الصخرية وما يطرأ على مصادرها من تغيرات .

ومن الضرورى الاستفادة بمياه السيول والامطار وتحلية مياه البحر بالمناطق المتاخمة للبحار كما هو مخطط له فى مشروع تنمية محور قناة السويس .

وفيما يتعلق بالمياه السطحية المنقولة من خلال ترعة السلام أوالسحارات عبر القناة الى سيناء ،فيجب مراعاة البعد البيئى بمعالجتها بالاساليب العلمية الحديثة لعدم نقل الامراض الطفيلية .

ولابد من استيعاب تجارب دول نجحت فى ترشيد المياه بالانتاج الزراعى لاقل معدل وحققت معدلات انتاج عالية بمحاصيلها .

ويحب تحديد المسافات بين الابارومتابعة منسوب مياه الارض بكل منطقة مع مراعاة التوازن بين الوارد والمسحوب لتحديد مواعيد ومعدلات السحب حسب
طبيعة ابار كل منطقة بحيث يتحدد على أساس ذلك الموسم الزراعى ودورة الرى بدقة وقد تتغير ملوحة مياه البئر نتيجة السحب اليومى مما يؤثر على نوع
المحاصيل المزروعة .

#بأى طريقة نطبق العلم الرشيد فى التنمية الزراعية ؟

يشتمل مجال الزراعة على بعد اقتصادي يتمثل فى توفير انتاج المحاصيل ،وبعد اجتماعي يتمثل فى توفير فرص عمل بمجالات التصنيع الغذائى وصناعة
الألياف والنسيج والصناعات الخشبية بل يحقق بعدا من أبرز الأبعاد الأخلاقية هو توفير الأمن الغذائى .

وبالتالى التنمية الزراعية تتطلب تكثيف البحوث العلمية التطبيقية التى تهدف إلى تحسين الخصائص الطبيعية والكيميائية للتربة بصفة عامة ، مع
التوصل إلى سبل تقليل فاقد البخر والرشح خاصة فى المناطق التى تعتمد على المياه الجوفية بالإضافة إلى الالتزام باستخدام أساليب وتكنولوجيا الرى
الرشيد ، وتحديد التركيب المحصولى الذى يتناسب وطبيعة كل منطقة فى ضوء الموارد المتاحة ومعدلات السحب المسموح بها من الخزانات الجوفية، والامر يقتضى وضع خريطة استخدام امثل لكل منطقة زراعية بالمشروعات .

#هل يمكن الحد من استيراد التكنولوجيا ؟

نسعى الى تنمية التكنولوجيا الوطنية وتطويرها بما يتلائم والغرض من استخدامها للتقليل من الاستعانة بالتكنولوجيات المستوردة بما يزيد من
ارتفاع مستوي الكفاءة .

ومن اللازم استخدام التكنولوجيات صديقة البيئة أو ما يطلق عليها “التكنولوجيا الخضراء” لحماية البيئة الطبيعية من أى تلوث مع مراعاة استخدام التكنولوجيا كثيفة العمالة لتوفير فرص عمل.

أما فى مجال استخدامات الطاقة يحتاج الأمر إلى تنمية تكنولوجيا استخدام المخلفات الزراعية فى إنتاج الغاز الحيوي (البيوجاز) وهناك اتجاه قوى
للاعتماد على الطاقة المتجددة كالشمس والرياح والتقليل من الطاقة الاحفورية كالفحم والبترول والغاز الطبيعى لحمايتها من الاستنزاف ولضمان
استدامة المشروعات.

#ما ضمانات مراعاة اخلاقيات التنمية ؟

الامر يحتاج الى منظومة متكاملة وخبرات بشرية قادرة على حسن إدارة التنمية والتى شبهها الدكتور محمد رجائى الطحلاوى فى كتابه “ادارة التنمية ” بالدراجة ذات العجلتين ،العجلة الخلفية هى التكنولوجيا والعمل والانتاج والامامية تتمثل فى البشر الذى يوجه المسار .

ويقع على مؤسسات البحث العلمى مسئولية ضمان الاستخدام الامثل للعلم والتكنولوجيا وحمايته من الاستخدام غير الرشيد ليستمر العلم فى العطاء مع
توصيل رؤيتنا بكل وضوح لمتخذى القرار ومحاولة تجسيد هذه المفاهيم لتطبيقها بصورة عملية فى شكل خطط وبرامج لمشروعات تنموية.

#فى رأيكم ..توجيه مسار المشروعات يحتاج قدرات وخبرات خاصة ؟

يعتمد نجاح المشروعات القومية بالدرجة الأولى على القدرات البشرية القائمة على تنفيذها ومتابعتها وهو ما يستلزم توفير العناصر البشرية القادرة ليس على تنفيذ المخطط له فقط ،بل التى تمتلك القدرة على التطوير والتحديث والتصدي لكل ما قد يطرأ من مشكلات ومواجهتها .

وتحقيق هذا يستدعى تطوير البرامج التعليمية خاصة فى التعليم الفني الزراعى والصناعي واستحداث برامج تعليمية جديدة تتناسب والخبرات اللازمة
لهذه المشروعات مع اعطاء الاولوية للخبرات الوطنية للمشاركة فى مراحل المشروعات .

#إلى أى مدى يمكن تحقيق التكامل بين المشروعات القومية ؟

هناك دراسة لامكانية التكامل بين بعض انشطة وبرامج المشروعات الكبرى مع بعضها.. فمثلا هناك مناطق مخصصة للصناعات الدوائية بالمنطقة الاقتصادية لمحور تنمية قناة السويس ويمكن تكثيف زراعة النباتات الطبية التى تخدمها فى مناطق الاستزراع بمشروع المليون ونصف المليون فدان وسيناء والمثلث الذهبى .

ومن الممكن دعم مناطق الاستزراع بكميات من الاسمدة عن طريق تصنيع خامات الفوسفات بالمثلث الذهبى ومناطق اخرى فيما يمثل تكاملا بين المشروعات الزراعية والتعدينية .

#من واقع النتائج العلمية ..كيف نواجه تحديات التنمية ؟

المواجهة تقتضى ضمان استدامة المشروعات وازدهارها بان تتسق الاهداف مع المقومات ليس بوضعها الحالى وانما وفقا للتغيرات الاقتصادية والاجتماعية
المحتملة.

وتتطلب أن يجنى كل شرائح المجتمع ثمار المشروعات لارساء العدالة الاجتماعية ،فعلى سبيل المثال جهاز تنمية شمال سيناء أسس شركة مساهمة
للاستثمار ،خصصت 25% من الأسهم لتعزيز مشاركة كل عناصر المجتمع وفئاته فى التنمية تحقيقا للعدالة الاجتماعية .

وتنمية وتطوير الصناعات المحلية لضمان استخدام المنتج المحلى بكل المشروعات مع تنمية القدرات البشرية العلمية والتكنولوجية .

وحماية البيئة الطبيعية من أرض وماء وهواء من التلوث والاستخدام الآمن لكل الموارد الطبيعية وعدم إهدارها.

واحترام القوانين المنظمة للمشروعات القومية وتعديلها ان احتاج الامر ،مثل قوانين الاستثمارأو حماية البيئة أو الملكية الفكرية مع الالتزام بكل ما له صلة بالمشروعات القومية فى الاتفاقيات الدولية والاقليمية التى وقعتها مصر .

#ما أهم توصيات الدراسة لدعم المشروعات القومية ؟

صياغة كود اخلاقى يتم الالتزام به فى كل المشروعات القومية مستقبلا.

إنشاء آلية أو وحدة للبحث العلمي والتكنولوجيا في هيكل إدارة كل مشروع قومى، تقوم على متابعة وسلامة استخدام تطبيقات العلم والتكنولوجيا والتصدي لكل ما قد يؤثر سلباً على الأداء أو البيئة الطبيعية ووضع الخطط اللازمة لمواجهتها ؛ والعمل على تطوير أساليب التعامل مع أنشطة المشروع والتي قد تتغير بمرور الوقت بحسب ما يستجد من معرفة علمية حيث أن الأسلوب العلمي الذي ينتهجه العاملون في هذه الآلية أو الوحدة يقتضى الوصول إلى الحقائق الثابتة مهما كانت.

#فى النهاية.. كلنا شركاء فى مسيرة وثمار المشروعات القومية وعلينا أن نطبق قاعدة أخلاقية اجتماعية لاخلاف عليها تؤكد أن “حقنا فى التنمية لايجور على حقوق أولادنا وأحفادنا فى حياة أفضل”.