اخبار مصر-اميرة ماهر

كان حلما فخاطرآ فاحتمـــــــالا .. ثم أضحى حقيقة لا خيــــــالا.. هكذا تغنت كوكب الشرق بقصة بناء السد العالي التي شكلت ملحمة وطنية لمعاني الكرامة والارادة .. فقد تحدى المصريون القهر والنهر .. حينما وقفوا في وجه التعنت الغربي من اجل بناء سد للحماية والتنمية..

وتحدث جمال حمدان في كتاب الري المصري عن السد العالي قائلا : “السد العالي جراحة جغرافية من أدق وأخطر ما أجري الإنسان علي وجه الأرض, وانقلاب جذري في اللاندسكيب الطبيعي وجغرافية النهر, بل ويرقي في نتائجه ومغزاه إلي مرتبة الحدث الجيولوجي في رأي البعض! إنه ثورة علي النيل” .

وأضاف صاحب ” وصف مصر” أن السد العالي فتح آفاقا وإمكانيات مائية لا حد لها ولا نظير من قبل, بحيث كان وبحق العصر الذهبي في تاريخ الري والزراعة المصرية; فلأول مرة ممكن استغلال كل قطرة من مياه النيل.

وتمر هذه الايام ذكريات بدء العمل في بناء السد في 9 يناير 1960 وذكرى الاحتفال بافتتاحه في 15 يناير 1971..

فكرة بناء السد

كانت الزراعة قبل وجود السد العالي تمر بمرحلتين، يأتي الفيضان، فيغمر الأراضي الزراعية، وتتلف المحاصيل، أو لا يأتي الفيضان فتؤدي قلة في المياه المطلوبة للزراعة إلى انهيار المحاصيل وبور الأرض.

كانت أول محاولة سجلت لبناء سد قرب أسوان في القرن الحادى عشر الميلادى، عندما استدعي الموسوعي الأول والمهندس العراقى ابن الهيثم (المعروف باسم «ابن الهيثم» في الغرب) إلى مصر من قبل الخليفة الفاطمي، الحاكم بأمرالله, لتنظيم الفيضان من النيل وهي مهمة تحتاج في وقت مبكر لمحاولة تشمل سد أسوان بعد الإقتناع بعدم جدوى العمل الميداني لهذه الخطة,وخوفا من غضب الخليفة فإنه قد تصنع الجنون واحتجز بموجب أمر إعتقال منزلى من 1011 حتى وفاة الخليفة الحاكم بأمر الله في 1021، وفى خلال هذه الفترة أنجز عمله المتميز كتاب البصريات.

لقد أدرك المصريون أهمية النيل منذ أقدم العصور، فأقيمت مشروعات التخزين السنوي مثل خزان أسوان وخزان جبل الأولياء على النيل للتحكم فى إيراد النهر المتغير، كما أُقيمت القناطر على النيل لتنظيم الري على أحباس النهر المختلفة .

إلا أن التخزين السنوي لم يكن إلا علاجاً جزئياً لضبط النيل والسيطرة عليه، فإيراد النهر يختلف اختلافاً كبيراً من عام إلى آخر إذ قد يصل إلى نحو 151 مليار متر مكعب أو يهبط إلى 42 مليار متر مكعب سنوياً .

وهذا التفاوت الكبير من عام لآخر يجعل الاعتماد على التخزين السنوي أمراً بالغ الخطورة حيث يمكن أن يعرض الأراضي الزراعية للبوار وذلك في السنوات ذات الإيراد المنخفض .

لذلك اتجه التفكير إلى إنشاء سد ضخم على النيل لتخزين المياه في السنوات ذات الإيراد العالي لاستخدامها في السنوات ذات الإيراد المنخفض، فكان إنشاء السد العالي أول مشروع للتخزين المستمر على مستوى دول الحوض يتم تنفيذه داخل الحدود المصرية .

خطوات تنفيذ المشروع

تقدم المهندس المصري اليوناني الأصل أدريان دانينوس إلي قيادة ثورة 1952 بمشروع لبناء سد ضخم عند أسوان لحجز فيضان النيل وتخزين مياهه وتوليد طاقة كهربائية منه.

بدأت الدراسات في 18 أكتوبر 1952 بناء علي قرار مجلس قيادة ثورة 1952 من قبل وزارة الأشغال العمومية ( وزارة الري والموارد المائية حاليا) وسلاح المهندسين بالجيش ومجموعة منتقاة من أساتذة الجامعات حيث استقر الرأي علي أن المشروع قادر علي توفير احتياجات مصر المائية.

في أوائل عام 1954 تقدمت شركتان هندسيتان من ألمانيا بتصميم للمشروع ، وقد قامت لجنة دولية بمراجعة هذا التصميم وأقرته في ديسمبر 1954 كما تم وضع مواصفات وشروط التنفيذ.

الدراسات الهندسية

بدأت الدراسات في 18 أكتوبر 1952 بناء على قرار مجلس قيادة ثورة 1952 من قبل وزارة الأشغال العمومية (وزارة الري والموارد المائية حاليا) وسلاح المهندسين بالجيش ومجموعة منتقاة من أساتذة الجامعات حيث استقر الرأي على أن المشروع قادر على توفير احتياجات مصر المائية.

وفي أوائل عام 1954 تقدمت شركتان هندسيتان من ألمانيا بتصميم للمشروع، وقد قامت لجنة دولية بمراجعة هذا التصميم وأقرته في ديسمبر 1954 كما تم وضع مواصفات وشروط التنفيذ.

التمويل

التكاليف المبدئية للمشروع كانت تتجاوز 400 مليون جنيه، طلبت مصر في البداية من البنك الدولي تمويل المشروع، وبعد دراسات مستفيضة للمشروع أقر البنك الدولي جدوى المشروع فنيًا واقتصاديًا، في ديسمبر 1955 تقدم البنك الدولي بعرض لتقديم معونة بما يساوي ربع تكاليف إنشاء السد إلا أن البنك الدولي سحب عرضه في 19 يوليو 1956 بعد طغوط من إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية.

وهو ما دفع الرئيس جمال عبدالناصر لتأميم قناة السويس عام 1956، والاستفادة من إيراداتها في تمويل المشروع. واتجهت مصر شرقا نحو القطب الثاني في العالم «الاتحاد السوفيتي»، ووقعت اتفاقية في 27 ديسمبر 1958، لإقراض مصر 400 مليون روبل لتنفيذ المرحلة الأولى من السد.

وفي مايو 1959 قام الخبراء السوفييت بمراجعة تصميمات السد واقترحوا بعض التحويرات الطفيفة التي كان أهمها تغيير موقع محطة القوي واستخدام تقنية خاصة في غسيل وضم الرمال عند استخدامها في بناء جسم السد.

في ديسمبر 1959 تم توقيع اتفاقية توزيع مياه خزان السد بين مصر والسودان.

بداية العمل

بدأ العمل في تنفيذ المرحلة الأولى من السد في 9 يناير 1960 وشملت حفر قناة التحويل والأنفاق وتبطينها بالخرسانة المسلحة وصب أساسات محطة الكهرباء وبناء السد حتى منسوب 130 مترًا،

في منتصف مايو 1964 تم تحويل مياه النهر إلى قناة التحويل والأنفاق وإقفال مجرى النيل والبدء في تخزين المياه بالبحيرة.

في 27 أغسطس 1960 تم التوقيع علي الاتفاقية الثانية مع روسيا (الاتحاد السوفيتي سابقا) لإقراض مصر 500 مليون روبل إضافية لتمويل المرحلة الثانية من السد .

في منتصف مايو 1964 تم تحويل مياه النهر إلي قناة التحويل والأنفاق وإقفال مجري النيل والبدء في تخزين المياه بالبحيرة.

في المرحلة الثانية تم الاستمرار في بناء جسم السد حتي نهايته وإتمام بناء محطة الكهرباء وتركيب التربينات وتشغيلها مع إقامة محطات المحولات وخطوط نقل الكهرباء.

وصف عام للمشروع

– السد العالي عبارة عن سد ركامي طوله عند القمة 3830 مترا منها 520 مترا بين ضفتي النيل ويمتد الباقي علي هيئة جناحين علي جانبي النهر، ويبلغ ارتفاع السد 111 مترا فوق منسوب قاع نهر النيل وعرضه عند القمة 40 مترا.

– تقع محطة الكهرباء علي الضفة الشرقية للنيل معترضة مجري قناة التحويل التي تنساب منها المياه إلي التربينات من خلال ستة أنفاق مزودة ببوابات للتحكم في المياه بالإضافة إلي حواجز للأعشاب.

وتنتج محطة الكهرباء طاقة كهربائية تصل إلي 10 مليار كيلووات ساعة سنويا.

– تكون المياه المحجوزة أمام السد بحيرة صناعية هائلة طولها 500 كيلومترا ومتوسط عرضها 12 كيلومترا حيث تغطي النوبة المصرية بأكملها وجزءا من النوبة السودانية .

وقد صمم السد العالي بحيث يكون أقصي منسوب للمياه المحجوزة أمامه 183 مترا حيث تبلغ سعة البحيرة التخزينية عند هذا المنسوب 169 مليار متر مكعب مقسمة كالتالي:

31.6 مليار متر مكعب سعة التخزين الميت المخصص للإطماء

89.7 مليار متر مكعب سعة التخزين التي تضمن متوسط تصرف سنوي يعادل 84 مليار متر مكعب موزعة بين مصر والسودان ( 55.5 مليار متر مكعب لمصر و 28.5 مليار متر مكعب للسودان)

47.7 مليار متر مكعب سعة التخزين المخصصة للوقاية من الفيضانات.

تم تنفيذ مفيض لتصريف مياه البحيرة إذا ارتفع منسوبها عن أقصي منسوب مقرر للتخزين وهو 183 مترا ، ويقع هذا المفيض علي بعد 2 كيلومترا غرب السد في منطقة بها منخفض طبيعي منحدر نحو مجري النيل حيث يسمح بمرور 200 مليون متر مكعب في اليوم.

تم إنشاء مفيض توشكي في نهاية عام 1981 لوقاية البلاد من أخطار الفيضانات العالية وما يمكن أن يسببه إطلاق المياه بتصرفات كبيرة في مجري النهر من نحر وتدمير للمنشآت المائية المقامة عليه حيث يتم تصريف المياه – إذا زاد منسوبها أمام السد العالي عن 178 مترا- من خلال مفيض توشكي إلي منخفض يقع في الصحراء الغربية جنوب السد العالي بحوالي 250 كيلومترا وهو منخفض توشكي.

وقد دخلت المياه إلى مفيض توشكى لأول مرة فى 15 نوفمبر 1996 حيث وصل منسوب المياه أمام السد العالى الي 178.55 مترا.

واكتمل البناء

في أكتوبر 1967، انطلقت الشرارة الأولى من محطة كهرباء السد العالي، وفي عام 1968، بدأ تخزين المياه بالكامل أمام السد العالي.

اكتمل صرح المشروع في منتصف يوليو 1970، وأقيمت احتفالية كبيرة حضرها الرئيس الروسي نيكاتا خروشوف.

في 15 يناير 1971 تم الاحتفال بافتتاح السد العالي.

تكلفة المشروع :

بلغ إجمالي التكاليف الكلية لمشروع السد العالي حوالي 450 مليون جنيها ، كما بلغت تكاليف إنشاء مفيض توشكي حوالي 42 مليون جنيها.

دور السد العالي في حماية مصر :

حمي السد العالي مصر من كوارث الجفاف والمجاعات نتيجة للفيضانات المتعاقبة شحيحة الإيراد في الفترة من 1979 إلي 1987 حيث تم سحب مايقرب من 70 مليار متر متر مكعب من المخزون ببحيرة السد العالي لتعويض العجز السنوي في الإيراد الطبيعي لنهر النيل.

دور السد العالي في التنمية الزراعية والصناعية :

– استصلاح الأراضي وزيادة الرقعة الزراعية.

– تحويل الري الحوضي إلي ري مستديم وزيادة الانتاج الزراعي.

– التوسع في زراعة الأرز.

– توليد طاقة كهربائية تستخدم في إدارة المصانع وإنارة المدن والقري.

– ضمان التشغيل الكامل المنتظم لمحطة خزان أسوان بتوفير منسوب ثابت علي مدارالسنة.

– زيادة الثروة السمكية عن طريق بحيرة السد العالي.

– تحسين الملاحة النهرية طوال العام.

السد العالى وسدود العالم

يحتل سد مصر العالى مكانه متقدمة وسط أهم السدود فى العالم، فمن ناحية سعة التخزين فى بحيرة ناصر (بحيرة السد العالي) فإنها تأتى فى المركز الأول عالميا بسعة قدرها 182.7 مليار مترمكعب عند مستوى 185 مترا .

وإن كان التخزين حتى مستوى 185 مترا حالة استثنائية، فى حين أن السعة التخزينية العادية لها تبلغ نحو 164 مليار متر مكعب ، وفى هذه الحالة يأتى السد العالى فى المرتبة الثانية عالميا بعد سد “براتسك” الروسى الذى تبلغ السعة التخزينية لبحيرته نحو 179 مليار متر مكعب. ومن ناحية حجم المواد المستخدمة فى بناءه ، يعتبر السد العالى ثامن سد فى العالم من جميع الأنواع، حيث استخدم فى بنائه نحو 43 مليون مترمكعب من المواد المختلفة بما يزيد عن 17 مرة قدر المواد المستخدمة فى بناء الهرم الأكبر.

وإذا قارنا السد العالى من زاوية حجم المواد المستخدمة فيه بالسدود الركامية فقط وهو واحد منها، فإنه يأتى فى المرتبة الثانية بعد سد ” نوريك” الذى بناه الاتحاد السوفيتى السابق.

أما بالنسبة لقدرة المحطة الكهرومائية للسد فإنها كانت تأتى فى المركز الثامن بقدرة تبلغ 2100 ميجاوات ويسبقها خمسة سدود فى الاتحاد السوفيتى السابق واثنين فى الدانمارك.

لكن ترتيبها يتراجع بسبب بناء سدود أخرى لديها محطات أعلى قدرة فى توليد الكهرباء.

سنوات الجمر تحسم الجدل

انطوى الجدل والحوار حول السد العالى بعد بنائه على مختلف أنواع المزايدات .. ومع تعرض إيراد النيل للإنخفاض فى عام 1972 ، إضطرت مصر للسحب من مخزون بحيرة ناصر أو خزان السد العالى مما حمى مصر من التعرض لجفاف فى العام المائى 72/1973 مما خفف الهجوم على السد العالى مؤقتا حيث اضطر كل الراغبين فى الهجوم عليه الى تأجيل ذلك إزاء الأثر الجليل للسد فى حماية مصر من الجفاف فى ذلك العام.

وفى إطار الحملة الخارجية على السد، فقد بعض المهاجمين صوابهم وبدأوا فى توجيه اتهامات للمشروع لا تخرج عن نطاق العبث. ففى بداية عام 1972 ، نشرت جريدة “أورور” الفرنسية خبرا زعمت فيه أن خبراء أمريكيين قالوا أن السد سينهار بعد خمس سنوات.

ومع بداية الثمانينات صمت الكثيرين من المهاجمين للسد عندما ضرب الجفاف الرهيب الهضبة الإثيوبية وهضبة البحيرات الاستوائية.. واطلق عليها سنوات الجمر ..

وخلال سنوات الجمر من عام 1979 إلى عام 1987 لعب السد العالى أعظم أدواره فى حماية مصر من جفاف كان من الممكن أن ألا يبقى ولايذر لو لم يكن السد العالى قد بني.

وبالنظر الى أن مخزون البحيرة كان 133 مليار متر مكعب عند مستوى 177.75 مترا عام 1979، انخفضت الى 125 مليار متر مكعب عام 80/1981 ثم واصل المخزون انخفاضه مع السحب حتى بلغ نحو 37 مليار متر مكعب عند منسوب 149.4 متر فوق مستوى البحر عام 1988 قبل بدء الفيضان فى يوليو، ونظرا لأن التخزين حتى منسوب 147 مترا توازى نحو 31.6 متر مكعب يعتبر تخزين ميت مخصص لاستيعاب ترسيب الطمى فى البحيرة على مدى 500 عام فإن المخزون الحى للبحيرة قد وصل الى نحو 5.4 مليار متر مكعب فقط قبل أن يأتى الغوث فى الفيضان العالى الذى حدث فى صيف العام 1988 والذى رفع منسوب بحيرة ناصر الى نحو 168 مترا توازى مخزون قدره 89.2 مليار متر مكعب منها 31 مليار متر مكعب مخزون ميت ليبقى نحو 58.2 مليار متر مكعب مخزون حي.

لقد أنقذ السد مصر خلال سنوات الجفاف فى الثمانينات، فتحولت المناقشات تحت قبة البرلمان الى تساؤلات تنطوى فى غالبيتها على الرغبة فى الاطمئنان على السد العالى وعلى مخزون بحيرته بعد أن ظلت عقول وقلوب المصريين معلقة به فى سنوات الجفاف خلال الثمانينات والذى لم يمس مصر بسوء بفضل سدها العالي.

ومن أهم ماصدر عن السد العالى ما أورده اثنان من الخبراء الأمريكيين زارا السد العالى فى نوفمبر 1971 وهما وليم هـ. وايزلى مدير جمعية المهندسين المدنيين بالولايات المتحدة، والبروفسور وليم ل. هيوز رئيس قسم الهندسة الكهربائية بجامعى أوكلاهوما، وكانا يرافقان السناتور هنرى ل. بلمون عضو الكونجرس الأمريكي.

وقد دون وليم وايزل مدير جمعية المهندسين الأمريكية انطباعاته تحت عنوان “الناس وتأثير البيئة والسد العالي” ويقول تحت هذا العنوان “ان العديد من المتحفظين والصحفيين أثاروا اعتراضا على بعض الآثار الجانبية للسد العالى ومنها الشك فى امتلاء بحيرة السد العالى بسبب ارتفاع نسبة الفاقد بالبخر والتسرب. ويعلق وليم وايزلى على ذلك بقوله “يجب ملاحظة أن الغرض من بحيرة ناصر انما هو تخزين مياه فيضانات النيل لتكون مصدرا مستمرا وثابتا لرى الأراضى الزراعية وتوليد الكهرباء وإن ملء البحيرة حتى الآن يتم كما كان متوقعا ، لكن من متابعة ملء البحيرة خلال السنوات الماضية نلاحظ أن معدل الفاقد بالتبخر والتسرب لايتجاوز الحدود المقررة له فى التصميم وأنه حتى الآن لم تظهر أى مناطق ضعيفة تتسرب منها المياه بقاع البحيرة.

 

وأشار “وايزلي” فى النهاية الى أن “السد العالى يعتبر ولاشك من عجائب الهندسة الحديثة والأهم من ذلك أنه يلبى احتياجات الشعب كما أنه يعد مشاركة رائعة بين المهن الهندسية فى كل من مصر والاتحاد السوفيتى وكذا المهندسين من بلاد أخرى شاركت فى وضع تصميمات المشروع فى مراحله الأولى وهو بذلك يضمن أحسن مافى الفن الهندسى من إبداع وسلامة التنفيذ ، ولاشك أنه لا يوجد مشروع هندسى غير السد العالى أعطى كثيرا لعدد وفير من الناس كانوا فى أشد الحاجة الى التشجيع والمعاونة من الشعوب المتطورة فى العالم ، وأنه من الأفضل للذين يقللون من شأن هذا المشروع الكبير أن ينظروا اليه من الناحية الصحيحة وبالتركيز الصحيح.

ومن ناحية أخرى كتب الدكتور وليم هيوز انطباعاته عن زيارة مصر وسدها العالى تحت عنوان “تأملات فى أسوان” وقد ورد فيها “ان صحافتنا الأمريكية كانت تجنح بصفة عامة الى وصف مشروع السد العالى بأسوان بعبارات بها روح التعالى أو عبارات تقلل من شأنه” ثم يعدد د.هيوز المزايا الاقتصادية التى حققها مشروع السد العالى لمصر وعلى رأسها زيادة الرقعة الزراعية وتوليد الكهرباء والحماية من الفيضانات ، ويؤكد أن المشاكل التى تمخضت عنه يمكن معالجتها ، وهى لا تقارن بالمزايا التى حققها .

ويؤكد فى النهاية أن السد العالى فى أسوان هو بلا شك أحد العجائب الهندسية فى عصرنا الحاضر ويعود على مصر بفائدة اقتصادية هائلة.

وربما كان غرق قرى ومناطق النوبة وتعرض بعض آثارها للانغمار بمياه بحيرة ناصر قبل إنقاذ تلك الآثار هو أسوأ الآثار الجانبية للسد العالي.

لكن إقامة السد العالى فى موقعه الذى أقيم به مما أدى لغرق قرى ومناطق النوبة القديمة لم يكن اختيارا بقدر ما كان ضرورة نظرا لأنه أنسب المواقع لإقامة السد العالى كما أثبتت الدراسات العلمية للمنطقة من أسوان وحتى حدود السودان الشقيق.

ورغم أن غرق قرى وأراضى النوبة القديمة قد خلق بعض المرارات لدى أبناء مصر الذين كانوا يعيشون فيها إلا أن ذلك كان ضرورة لحماية مصر وشعبها بما فيه النوبيون من مخاطر الفيضان والجفاف، وكان ضرورة للاستفادة من النتائج الاقتصادية الهائلة للمشروع لصالح مصر وشعبها من النوبة الى الاسكندرية.

وربما يكون إعطاء الأولوية لأبناء النوبة فى تمليك الأراضى فى منطقة توشكا وشواطئ بحيرة ناصر لإعادة توطينهم قرب موطنهم الأصلي، إجراءً ملائما لتعويضهم عن تحمل تبعات بناء سد مصر العالى فى موقعه الذى أدى إلى تهجيرهم.

ويبقى السد العالى إحدى العلامات البارزة فى تاريخ مصر السياسى والاقتصادى ، وأحد حلقات الكفاح المصري من اجل بناء المستقبل.