أخبار مصر تحقيق- نهى حمودة

” العين تعشق كل جميل “.. وعندما نقارن بين الماضي والحاضر، فإن أول تساؤل سيجول في خاطرنا حتمًا ما الذي حدث و ما الذي حل بالذوق العام حتى أصابه التدني والانهيار التام بهذا الشكل؟ .. فالعشوائية هي السائدة في العمارة والبناء حيث تجد في الشارع الواحد العمارات باختلاف أشكالها وأحجامها.

الخديوي اسماعيل حزين على القاهرة

واذا تجولنا بين احياء القاهرة وتنقلنا بين حواريها وتأملنا مبانيها ، فان أول انطباع يتبادر الى   الاذهان هو اننا نعيش داخل كيان عشوائي رغم ان القاهرة كانت تنافس العواصم الاوروبية في حضارتها ومعمارها وفي ثقافتها في بداية القرن العشرين وكان يطلق عليها باريس الشرق  في عهد الخديوي اسماعيل.

فمعظم دور السينما القديمة فى وسط البلد قد أغلقت أبوابها،فيما تم تجديد بعضها وبيعها لشركات إنتاج وخصخصتها،فتحولت سينما “أوليمبى” بشارع عبد العزيز إلى مول للموبايلات،وكذلك سينما الكرنك الصيفى بمنطقة أرض شريف،التى تحولت لمول لبيع الأجهزة الكهربائية،وسينما “ريو” بباب اللوق أغلقت أبوابها منذ عشرات السنين,وسينمات أخرى أصبحت مهجورة.

موقع أخبار مصر أجرى تحقيقا لمعرفة أسباب تراجع الذوق العام ومدى نجاح مبادرات تجميل الواقع :

%d8%b2%d8%a7%d9%8a%d8%af-2

 

د. احمد زايد استاذ علم الاجتماع  فسر العشوائية التي غزت حياتنا بأنها ترجع الى الهجرة من الريف الى المدن والتى تسببت فى زحف  الريف الفقير الذي ترك لفترات طويلة معزولا ومحروما ولم تكن المدن قد استعدت لاستقبال هؤلاء المهاجرين واستيعابهم وتسكينهم ، ولم يكن لدي الدولة خطة لتنظيم الهجرة  ولم يكن للمهاجرين في الأصل هدف سوي إيجاد فرص عمل مستقرة ، فعششوا بجوار أقاربهم وذويهم في المدينة وتوسعوا بالتدريج في البناء أينما وجدوا أرضا و ساعدهم علي ذلك تجار الأراضي ومضاربوها من سكان المدينة القدامي أو الجدد  والذين لم تكن تحكم سلوكهم خطة ولا هدف.

وأوضح د.زايد أنه نتيجة لذلك  ظهر هذا الركام من الأحياء السكنية المتردية حضريا والتي يطلق عليها الأحياء العشوائية و  اكتملت عشوائية البناء في مصر عندما خرجت الطبقة الوسطي  الى النشاط التجاري في شراء الأراضي وفي البناء،  فتهدمت الفيللات وصعدت مكانها العمارات الشاهقة  التي تملأ أحياء الطبقة الوسطي في المدن  والتي تبدو هي الأخري عشوائية في ألوانها وأطوالها  وعلي صعيد آخر تركت الجوانب الاجتماعية والثقافية المرتبطة بالقيم والضوابط الاجتماعية لتتطور من تلقاء و ترك المجتمع دون تعليم ذي جودة عالية يساهم في بناء المواطن الحديث  .

وأضاف أستاذ الاجتماع أن مصرانتبهت  لحجم العشوائيات التي انتشرت لدرجة انها اصبحت تهدد الامن القومي وبدأت في انشاء صندوق تطوير العشوائيات الذي وقع ببروتوكولات لتطوير 18 منطقة عشوائية في المرج ومنشية ناصر والمعادي ودار السلام بالتعاون مع محافظة القاهرة كما تم انشاء جهاز التنسيق الحضاري  والذي يستهدف تحسين الصور البصرية للمدن والقرى و تحقيق القيم الجمالية للشكل الخارجى للأبنية والفراغات العمرانية والأثرية وأسس النسيج البصرى للمدن والقرى وكافة المناطق الحضارية للدولة، بما فى ذلك المجتمعات العمرانية الجديدة وظهرت مبادرات فردية في محاولة لتجميل الواقع .

%d8%ac%d9%85%d8%a7%d9%84

من مقلب قمامة الى تجربة ثقافية

وعن احدى هذه المبادرات ، قال حسام فخري أحد سكان الزمالك ومن مرتادي ساقية الصاوي وواحد من معاصري نشأتها” سميت هذه الساقية باسم احد سكان حي الزمالك وواحد من كبار مثقفي مصر وهو عبد المنعم الصاوي وزير الثقافة الاسبق وتم اختيار موقعها في منطقة زحف عليها الاهمال اسفل كوبري 15 مايو والذي كان يعاني من تراكم اكوام القمامة ومخلفات البناء والحيوانات النافقة.

واستطرد فخرى قائلا” قام رعاة المشروع بتنظيف هذا المكان بمعرفة احدى الشركات المتخصصة وتم بناء اسوار تحجب منطقة اسفل الكوبري عن شارع 26 يوليو وتم الاستعانة بآخر ماوصلت اليه تكنولوجيا العزل الصوتي وتم تزيين بهو الساقية ببعض التماثيل من المشغولات الحديدية وتم تقسيمها الى قسمين قسم للفنون التشكيلية والذي يقوم بعرض اللوحات لاعمال الشباب و الاخر هو قسم القاعات للعروض المتعددة بدون تشويش اي عرض على اخر بفضل تكنولوجيا العزل الصوتي ليتحول في النهاية مقلب القمامة الى تجربة ثقافية ومكان مسحور بالفن.

تحويل مبنى قديم  لاستوديو ملهم للاطفال

في مكان اخر من قبل مصر الجديدة حيث يتحول مبنى قديم الى استوديو يجمع الاطفال في قاعة ليمارسوا فن تحويل السيراميك الى قطع فنية فريدة .. فكرة المكان جديدة وجريئة حيث قام مجموعة من الشباب بتحويل المكان ببعض الديكورات البسيطة الى مكان يتجمع فيه الاطفال ليعبروا عن انفسهم بالالوان

داليا حجازي واحدة من رواد الاستوديو وممن استهوتهم فكرة المكان  تقول ”  انا من سكان مصر الجديدة واحضر الى هذا المكان مع اطفالي حيث اتناول قهوتي بينما يمارس اطفالي الرسم والتلوين”.

واضافت بأنها شاهدت هذه الفكرة حين كانت تقيم في الولايات المتحدة الامريكية حيث تنتشر ” استوديوهات السيراميك” التي يقصدها الاطفال في الاجازات ويقومون بالرسم والتلوين على السيراميك ليتحول الى تحفة فنية يضعونها في غرفهم وتمنت أن تنتشر هذه الفكرة في مصر حتى يعتاد الاطفال على الاحساس بالجمال .
الجمال بقوة الريشة

بدأت مجموعة من الفنانين التشكيليين تغيير واجهات عديد من المناطق العشوائية وطلائها بالوان تناسب البيئة وبدأوا بمشروع تطوير منطقة الدرب الأحمر بالقاهرة و منطقة عزبة خير الله وحي كوم غراب وهو حي عشوائي يقع  بمصر القديمة  وكان هدفهم من هذه التجربة هو لفت أنظار الحكومة إلي إمكانية تطوير وتجميل المناطق العشوائية بالجهود الذاتية وبأقل التكاليف.
%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a9

صاحب الفكرة الفنان عادل السيوي بالمشاركة مع  17 فناناً تشكيلياً  بدأوا التجربة بخمسة منازل فقط بعمل اسكتشات لها واختيار الموتيفات الشعبية المصرية .

شارك الكثير من الاهالي في التجربة عندما عرض الفنانون عليهم الفكرة ورحبوا بها وجمعوا مجموعة من عمال السقالات والمحارة بيومية وصلت الي 25 جنيها يوميا وقاموا بتجميل واجهات المنازل التي وصلت حينها الي 200 منزل واستمر العمل منذ يونيو 1996 حتى 1998.

%d8%ac%d9%85%d8%a7%d9%84-23

وتحدث الفنان عادل السيوي عن الفكرة ،قائلا” حاولنا ان نبحث عن العناصر الجمالية بالمكان،فلم نجد وكانت لدينا ثقة ان هؤلاء الناس لديهم ذوق بصري لكنه توقف”.

ويري أحد المشاركين في التجربة انها لم تفشل وحققت الهدف المرجو منها  ولكن ينقصها التمويل وعدم الاستمرارية.