أخبار مصر

حروب العقل للجيل الرابع وما بعدها

مع سقوط “سور برلين” في 9 نوفمبر 1989 إكتملت الحلقة الأولى من سلسلة حروب الجيل الجديد التي نفذتها أمريكا والغرب لتدمير عدوهم الأول في ذلك الوقت ، ألاو هو الكتلة الشرقية وحلف وارسو بقيادة الاتحاد السوفيتي السابق.وتزامنا مع هذا بدأ الحديث العلني عن ما عرف بعد ذلك ب “حروب الجيل الرابع” تلك الحروب التي تهدف لتدمير العدو لذاته بذاته أو بقوى داخلية دونما تدخل عسكري مباشر من الخارج.

لقد تم تفتيت حلف وارسو بقوة الشارع المدني وتساقطت دوله واحدة بعد أخرى أمام أعين الأخ الأكبر “الاتحاد السوفيتي” وانفرط عقد القوة العظمى بقوة شعوب “بولندا” والمجر ” و رومانيا وتشيكوسلوفاكيا وبلغاريا و أخيرا ألمانيا الشرقية وأصبح “الاتحاد السوفيتي وحيدا أمام عدوه التقليدي “حلف الأطلسي” .

ولم يتعلم القادة السوفيت مما دار حولهم ولم يفهموا أن قوة الشارع و “راديو أوروبا الحرة” كانا القوة الناعمة التي زحفت عليهم من كل مكان وجردتهم من فنائهم الخارجي.

وجاء دور الاتحاد السوفيتي بقيادة جورباتشوف الذي حاول بعد فوات الأوان إنقاذ ما يمكن إنقاذه وفي مستهل حقبة التسعينيات من القرن الحادي والعشرين كان الإتحاد السوفيتي يلقى نفس مصير حلف وارسو وتنفرط جمهورياته الخمس عشر ولا يتبقى منها سوى “الاتحاد الروسي بينما تصبح كل من الجمهوريات الأخرى دولا مستقلة..

لقد نجح قادة الاستراتيجية الأمريكيين في تدمير عدوهم الأول من خلال تحريك قواه الداخلية الكارهة لنظامه، ملايين المتظاهرين الحالمين بالديموقراطية الغربية والجينز والرفاهية خرجوا ضد حكامهم بإيعاز وتحريض من “العم سام وشركاه”.

ولم يخسر الغرب في معركته هذه جنديا ولم يحرك دبابة أو طائرة ، بل استعمل “قوة العقل في ضرب عدوه واسقاطه من الداخل بفضل الاعلام الموجه بحرفية للشعوب من وراء الحدود والعملاء على الأرض. في أول تطبيق عملي لحروب الجيل الرابع.

أجيال الحروب:-

بدأت أجيال الحروب الحديثة في التشكل بعد صُلح ويستفاليا 1648، ورافق ذلك احتكار الدولة وحدها للحرب كأداة لتنفيذ سياستها ومد نفوذها، وشهدت طرق شن الحروب تغيرا جذريا عما كانت عليه في الأزمنة القديمة، وشمل التغير المشاركين في الحروب والعتاد والتكتيكات المتبعة إلا أن طبيعة الحرب لم تتغير.

خلال ثمانينيات القرن العشرين، اهتمت العديد من الدراسات بتقديم رؤية عن تغير شكل الحروب وعن مستقبلها ،وبرز اسم “جون بويد” كأول من يحدد تلك التغيرات وكيفية تطور الحروب، ومثلت أفكاره الخلاقة أساساً لكثير من النقاشات الحالية التي تُركز على مستقبل الحروب في الدوائر الأكاديمية والعسكرية، وكذلك أوضح المؤرخ “مارتين كريفيلد” في كتاب “التحول في الحرب” أن التفاعلات المتداخلة والتغيرات الحادثة في العالم الحديث قد أوجدت حالة من التغير في الكيفية التي تُشَن بها الحروب.

تظل الرؤية الأهم حول مستقبل الحروب تلك التي طرحها “ويليام ليند” ومجموعة من الضباط العسكريين عام 1989 في مقالة “الوجه المتغير للحرب: نحو الجيل الرابع”، وأوضحوا أن التقدم التكنولوجي وخفوت الحدود الثقافية والنقلات الدقيقة في المجتمع أثروا جذرياً على الحروب، وقسموها إلى أربعة أجيال، يُطلق الجيل الأول على صراعات الفترة الممتدة ما بين 1648 وحتى 1860، حيث تم اتباع تكتيكات الصف والعامود “line and columns tactics”، وقد أسست حروب هذا الجيل للثقافة النظامية للمؤسسات العسكرية، نتيجةً للفكر التنظيمي داخل أرض المعركة، والذي تبعه ترسيخ مجموعة من التقاليد العسكرية كـالأزياء الموحدة والتحية والترتيب القيادي .
لكن المشاكل سرعان ما بدأت في الظهور إثر انهيار النظام السائد لأرض المعركة إضافة إلى التقدم الحادث في الماكينة العسكرية كـالأسلحة الآلية والبنادق المميكنة منذ منتصف القرن 19، وبالتالي أصبحت التكتيكات القديمة -الصف والعامود-مجرد أفكار انتحارية غير قابلة للتطبيق.

ظهر الجيل الثاني على يد الجيش الفرنسي أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى، وشهدت تلك الفترة استخدام القوة النارية الشاملة متمثلة في نيران المدفعية غير المباشرة، وأصبح الهدف هو استنزاف العدو، ولُخصت العقيدة القتالية الجديدة في أن “المدفعية تقهر والمشاة تحتل”، في ظل تنسيق بين نيران المدفعية المركزية في أرض المعركة وتمركز المدرعات وقوات المشاة، وحُوفظ على ثقافة النظام العسكري والتراتبية التي يفرضها، وازداد التركيز على القواعد العسكرية والإجراءات والتعليمات، كما ظهرت الأولوية لطاعة الأوامر عن الارتجال.

نشأ الجيل الثالث كنتيجة مباشرة للحرب العالمية الأولى، حيث قام الجيش الألماني بتكوين ما يعرف بالحرب الخاطفة أو حرب المناورات، وبنيت العقيدة القتالية على أساس السرعة وعنصر المفاجأة والتشويش الذهني والمادي للعدو، وتحول الهدف للجيوش أثناء المعركة إلى اختراق خطوط العدو والوصول لمؤخرته وإحاطته بهدف التقدم من الخلف إلى الأمام، وبالتالي انتهت فكرة الحرب كسباق دفع بين طرفين.

تغير التكتيك القتالي والثقافة العسكرية، وتحول جوهر العمل العسكري إلى التركيز على الوضع القتالي وحالة العدو والنتائج المرجوة، وليس على الإجراءات المصمتة، وعاد الاهتمام بعنصر المبادرة ليصبح من أهم القواعد المتحكمة في حروب الجيل الثالث، ولتترك مساحة من الحرية في الوصول للنتائج المراد تحقيقها بشتى الطرق المتاحة.

صدَّرت حروب الجيل الثالث العديد من الأفكار العسكرية-مثل مبدأ اللامركزية ومبدأ الارتجال والمبادرة-إلى الجيل الرابع من الحروب، والتي مثلت تغيرا جذريا في فن الحرب لم تشهده المؤسسات العسكرية منذ صُلح ويستفليا، ألا وهو انتهاء احتكار الدولة للعمليات العسكرية.

اليوم، أكبر العمليات العسكرية تتم من قبل جيوش نظامية ضد مجموعات مسلحة غير نظامية مثل “القاعدة” ” و”حزب الله” و”القوات المسلحة الثورية في كولومبيا”، وتتميز حروب هذا الجيل بالعودة لحرب الثقافات عوضا عن حرب السياسات أو الكيانات الدولية.

أصبح الغزو عن طريق الهجرة إلى الدولة أخطر من غزو الجيوش النظامية، لتعاظم أثر الثقافات على هذا النوع من الحروب، ويحتوي مفهوم الجيل الرابع من الحروب في جوهره على إيجاد أزمة شرعية في مواجهة الدولة القومية، فأغلب الدول ستواجه في المستقبل القريب شكل من أشكال هذه الحروب داخلياً، وستصبح الولايات المتحدة من أكبر المتضررين، وستخوض الحرب المقبلة على أراضيها

الجيل الرابع وما بعده :-

الجيل الرابع من الحروب (Fourth-Generation Warfare) أو “الحرب اللا متماثلة” هو الصراع الذي يتميز بعدم المركزية بين أسس أو عناصر الأطراف المتحاربة من قِبل دول أخرى .

وقد أستخدم هذا المصطلح لأول مرة في عام 1989 من قبل فريق من المحللين الأمريكيين ، من بينهم المحلل الأمريكي ويليام ستِرغِس ليند لوصف الحروب التي تعتمد على مبدأ اللا مركزية وبشكل واضح وصريح، هي حروب اخترعتها أمريكا لزعزعة استقرار الدول دون حاجة إلي شن حرب مباشرة عليها‏.‏

هذه الحروب لا تستهدف تحطيم القدرات العسكرية وانما إفشال الدولة عن طريق نشر الفتن والقلاقل وزعزعة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وإثارة الاقتتال الداخلي.

الحرب الجديدة حسب تعريف أول من أطلقها في محاضرة علنية وهو البروفيسور الأمريكي “ماكس مايوراينج” في معهد الأمن القومي الإسرائيلي حيث عرفها بنقاط مختصرة كالأتي : الحرب بالإكراه ، إفشال الدولة ، زعزعة استقرار الدولة ثم فرض واقع جديد يراعي المصالح الأمريكية، ويضيف ماكس وهو يشرح لطلابه كيفية غزو دول الأعداء عن بعد بزعزعة الاستقرار بصور متعددة غالبا ما تكون حميدة إلي حد ما و ينفذها مواطنون من الدولة العدو نفسها, ويشرح لهم فكرة حروب الجيل الرابع والتي تستهدف ـ كما يقول ـ ليس تحطيم المؤسسة العسكرية أو القضاء على قدرة أمة في مواجهة عسكرية ولكن استنزاف إرادة الدولة المستهدفة ببطء وثبات بعد نشر الفوضى.

وفي تعريف أوضح، إنه جيل تسخير ارادات الغير لتنفيذ مخططات العدو .

تقنيات الجيل الرابع من الحروب تستهدف النظام الذهني عن طريق خلق أنظمة ذهنية داخلية متناحرة على جميع المستويات، تأخذ هذه الأنظمة الذهنية المتناحرة طابع حرب الجماعات الدينية أو حرب الجماعات المالية و الاقتصادية، كما من الممكن أن تأخذ طابع حرب الجماعات العلمية المسوقة للتكنولوجيا، هذه الجماعات المتناحرة تخترق الفراغات الهائلة للتقنيات الحديثة و تحدث خسائر فادحة في الدول و المجتمعات.

ولعل استخدام الطائرات (بدون طيار) في مراقبة أجواء الدول وتطويرها وتزويدها بتقنيات تتراوح من أجهزة الرصد والتجسس إلى أجهزة قادرة على الهجوم والاغتيالات بعد تزويدها بالصواريخ، كما نرى ذلك جليا في اليمن والصومال وكما استخدمته إسرائيل ضد قادة فلسطينيين مثل الشيخ أحمد ياسين ، هو الوجه الظاهر الأبرز للتحول التدريجي في هيكلة الحرب العسكرية. أما الوجوه الأخرى فهي فرق التحرك السريع، ثم فرق المهمات الخاصة. وهذه الأخيرة تنفذ عمليات تمتد من الخطف والاغتيال والتدمير إلى إثارة الفتن والقلاقل تمهيدا لتحولات
سياسية .

وتتراوح اسماء هذه بين الفرق القذرة (وهم يعتبرون التسمية صفة لائقة لقوات رسمية لا تلتزم بالقواعد القانونية العادية، أي لغرض الترهيب) وفرق الموت الأكثر سرية، والعاملة تحت رايات مختلفة، سواء كانت مكونة من المرتزقة او الامريكيين انفسهم او من ‘النخبة’المتعاونة مع القوات الامريكية من اهل البلد المغضوب عليه.

تسعى الادارة الامريكية الى التخلص تدريجيا من الإعتماد السابق على تمركز القواعد العسكرية الضخمة بمعداتها وآلياتها في البلدان المحتلة، مع ابقاء عدد محدد منها كمراكز سيطرة ورصد بعيدة المدى يالتركيز على الاجهزة الالكترونية المتطورة والمدارة عن بعد. ويتلاءم هذا التطورمع توقيع اتفاقيات أمنية واستراتيجية مع الحكومات الحليفة أو الخاضعة، لتحقيق المفهوم الذي كتب عنه منظر الامن القومي الاستراتيجي اليميني مارك هلز قبل عشر سنوات، بعد عام من تفجيرات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، قائلا : ‘سواء في داخل او خارج أمريكا سننتهي بالوضع التالي: ابناؤهم ضد تقنيتنا’.

واذا ما اضفنا الى ذلك اللجوء الى سياسة ‘القوة الناعمة’، أي بالتفاعل مع المجتمعات بتفاصيلها ومع الطيف السياسي بمجمله، ومع بنية المجتمع المدني والتعليم والاقتصاد، لوجدنا اننا بحاجة ماسة الى تمحيص الكثير من المتغيرات الاخيرة في البلدان العربية.

تساهم العديد من المنظمات الامريكية لدعم سياسة ” الفوضى الخلاقة ” في الشرق الاوسط بأسلوب “أوباما” الجديد والذي يسمى بحرب الجيل الرابع ” المتقدمة” بتقديم التدريب للناشطين ومن هذه المنظمات: مؤسسة فريدم هاوس، منظمة العون الأمريكي ، منظمة اتوبور ، المعهد الديمقراطي الوطني، الصندوق الوطني للديمقراطية… الخ .

وعلى أثر ذلك تقوم تلك المنظمات بتأمين التدريب والدعم للمدافعين عن الديمقراطية، في نشر الجهود الإصلاحية وتشجيع مواطني كل بلدان العالم على بذلها “كما تدعي” من خلال مكاتبها التي يتجاوز عددها الاثني عشر مكتباً في أربع قارات في العالم مباشرة في كل دولة مع المصلحين الديمقراطيين الذين يحتلون الخطوط الأمامية في بلدانهم، وتقوم بدور المحفز للحرية وذلك من خلال تقوية المجتمع المدني وتعزيز الحكومات المنفتحة والدفاع عن حقوق الإنسان وتسهيل تدفق المعلومات والأفكار.
تم تسريب فيلم وثائقي في الغرب ونشرته عدة مواقع على شبكة الإنترنت وعدة قنوات فضائية غربية، يعترف فيه عدد من النشطاء المعروفين بتلقيهم تدريبات على قيادة وإدارة الثورات والإنقلابات “الناعمة ” وقد عرض الفيلم لاحقاً على عدة قنوات تلفزيونية عربية ، كما أنتشر على مواقع يوتيوب youtube، وقد تحدث في الفيلم مدرب صربي يدعى سرجيو بوبوفيتش وهو رئيس منظمة “أوتبور” وتعني باللغة العربية “قبضة اليد” وهو نفسه الشعار الذي اتخذته هذه المنظمة راية لها، واستنسخته منظمات كثيرة حول العالم، هذه المنظمة التي كانت ناشطة في تنظيم الإحتجاجات في دولة صربيا، وهي منظمة معروفة بإرتباطاتها الأميركية كما يؤكد الصحافي الأميركي المتخصص في القضايا الإستخباراتية “ويليلم أنجدال”.

وقد إعترف هذا المدرب الصربي في مقابلة مسجلة في نفس الفيلم الوثائقي بأنه درب في مركزه المعروف بإسم CANVAS في صربيا مجموعات هائلة من النشطاء والحقوقيين والسياسيين من 37 بلداً حول العالم على خطط وتصاميم وإستراتيجيات وتكتيكات وآليات كاملة لإسقاط الأنظمة بصورة إحتاجات مدنية وسلمية، ومن بين نشطاء هذه الدول سمى نشطاءاً من إيران ومصر وتونس وسوريا وفنزويلا وأوكرانيا وجورجيا وقيرغيزيستان، وهي الدول التي شهدت إحتجاجات وانقلابات مدعومة من الغرب في السنوات العشر الأخيرة، وقد تحدث بوبوفيتش عن تصميم متكامل لآليات وتكتيكات تنظيم ثورات ناعمة ، تقوم على إعتماد مبدأ الهجوم والعصيان المدني والشعبي والتحرش بالأمن والشرطة، ومحاصرة وإحتلال المقرات الرسمية والتواجد عبر المخيمات في الأماكن والميادين العامة، وإضفاء الأحداث الدرامية والرمزية على الواقع العام، وسبل تنظيم المسيرات الجماعية الناجحة، وكتابة البيانات والشعارات والرايات الإعلامية، وإعتماد الأناشيد والأغاني واللباس واللون الموحد، وعرض الأنشطة الفكاهية وقرع الطبول والموسيقى والمزامير الخاصة التي تؤدي الى زيادة الحماسة وتجتذب المزيد من الجماهير وتحافظ على تماسك الإحتجاجات وتدعم بقائها في الشوراع والميادين العامة وترفع معنويات الحشود الجماهيرية، كما تحدث في الفيلم رؤساء منظمات شبابية وحقوقية تحدثوا عن تلقيهم تدريبات على تنظيم ثورات ناعمة وهم من بلدان أوكرانيا وجورجيا وتونس ومصر وفنزويلا…!

تطورت مفاهيم “الجيل الرابع” في تسعينيات القرن العشرين فى ضوء ما نلمسه من توجهات دولية (غربية -)تتغاضى عن المخططات والهجمات الإرهابية فى دول الشرق الأوسط وغيرها، بقصد إنهاك القوات المسلحة والقوى الأمنية، وتفتيت مؤسسات الدولة وإيقاعها أمنيا واقتصاديا وتفكيك وحدتها الترابية ونسيجها الشعبى.. فهذه التنظيمات الإرهابية مدربة وتملك إمكانيات لوجيستية وخلايا خفية من المتطرفين والمرتزقة تنشط لضرب مصالح الدول وإفشالها، بدءا من الإخوان المسلمين إلى القاعدة، وعادة لا يتململ الغرب والقوى الدولية، إلا عندما ينقلب السحر على الساحر وتمس نيران الإرهاب أطراف أصابعه – حيث يتم الاستعانة بأجهزة الإعلام التقليدية، كالقنوات الفضائية “الجزيرة” مثلا، أو تجنيد بعض الإعلاميين المأجورين أنفسهم لقيادة الرأي العام والتأثير عليه، أوأجهزة الإعلام الجديدة مثل مواقع التواصل الاجتماعي، لتشتيت الرأي العام وتوجيهه والسيطرة عليه والتجسس عليه ولاكتشاف من يمكن تجنيدهم كعملاء من خلال أفكارهم التي يطرحونها على تلك المواقع، أو توظيف منظمات المجتمع المدني والمعارضة والعمليات الاستخبارية لتدعيم نفوذ أجنبى أو التخريب في بلد ما

الجيل الخامس أو حرب الأشباح..

! ومن ميدان الجيل الرابع ينبثق مفهوم “الجيل الخامس” للحرب، وتتميز بأنها حرب مفتوحة، دون قيود أخلاقية، بين دولة وعصابات مقاتلة؛ وتستخدم فيها القوة المسلحة وغير المسلحة، لإخضاع الخصوم. ومن مظاهر الجيل الخامس للحرب:

سعي الأفراد والمجموعات المليشياوية أو الإرهابية للوصول إلى المعرفة المتطورة والتكنولوجيا الحديثة، واستخدامها كوسائل هجومية في معارك غير متماثلة؛ لتحقيق المصالح الفردية والجماعية، بشن هجمات إلكترونية/ تقليدية تعطل المؤسسات الحكومية والبنى التحتية، وإثارة الخوف العام، عبر وسائل شديدة الخفاء، فائقة التخطيط والمفاجأة، بما فيها قرصنة الكمبيوتر، وزعزعة ثقة الحكومات والشركات على نطاق عالمي، واستخدام برامج وشبكات المعلومات للتواصل والتنظيم والاستعلام والحشد وتوجيه الجهود وإدارة الجموع،
وبث الإشاعات والأخبار المغلوطة .
ويضاف إلى ملامح حرب الجيل الخامس قدرة طرفيها على استخدام وسائل معقدة في المجال العلمي والاقتصادي والصناعى، مستفيدين من المصادر الاستخباراتية والمعلوماتية المفتوحة؛ ويضاعف من فعاليتها القدرات الممكنة، للاتصال العالمي والتخريب من خلال الوسائط الإلكترونية المختلفة. وتوصف تلك الحرب بأنها “حرب الأشباح” إذ قد يكون العدو فاعلا، لكنه غير منظور أو محدد، من خلال الإرهاب الإلكترونى،وتوظف تكتيكات “حرب الأشباح” بالعمل على تجنيد كيانات متعددة، مهمتها الزج بالشعوب نفسها وتهييجها، لتكون لاعبا أساسيا، يتم تحريكه ضمن أهداف تلك الحرب، عبر عناصر مخابراتية وقوى معارضة ومنظمات حقوقية ومدنية، وكم عشوائي مركب منذويي الأغراض والنوايا السيئة ..
وهنا يلصق بعض منظرى الحرب الروس الجيل الخامس، بالجيل السادس والسابع اللذين يهدفان إلى إنهاء وجود دولة أو كيان معين تماما – وهي حرب تدار عن بعد من خلال استخدام الأسلحة الذكية, وشبكات الإنترنت حتى استخدام الطيور والحيوانات والأسماك كأدوات للتجسس- مثل مخطط تمزيق دول المنطقة العربية وتفتيتها إلى كانتونات، الذى وضعه المستشرق برنارد لويس، ووافق عليه البنتاجون والكونجرس الأمريكى فى تسعينيات القرن الماضى، ويبدو قيد التنفيذ حاليا، بتوظيف كل الوسائل والقدرات من القصف الإعلامى والتكنولوجى والتجسس..وانتهاء بقوة النيران..إلخ.
كما تعرف حرب الجيل الخامس بأنها “حرب هجينة”، وجاء في ورقة بحثية لمركز دراسة التهديدات المستقبلية التابع لقوات المارينز الأمريكية، بعنوان “تعريف الحرب الهجينة” أن الحرب الهجينة تدمج طرقا مختلفة من القتال: القدرات التقليدية، التكتيكات والتشكيلات غير المنظمة والأعمال الإرهابية، ويستفيد العدو (المقاومة أو الإرهابيون) من كل أشكال القتال. إنها باختصار نموذج عصري لحرب العصابات أو الأعمال الإرهابية، استنادا إلى خلايا صغيرة تم تدريبها كل في حدود أهدافه، تم تجنيدهم وحشد الدعم المعنوي والشعبي بالإنترنت، وعن طريق تدريبهم وتأهيلهم تقنيا يستطيعون توليد قوة مدمرة، عادة ما تستهدف أمن وموارد الدول القومية،
..! الدمي الإرهابية..!
لا يتوقف استخدام التكنولوجيا المتقدمة كالأسلحة المتطورة، الصواريخ المضادة للدروع والطائرات عند هذا الحد، بل تشكل مددا للأعمال الإرهابية والعمليات الانتحارية فى نصب الكمائن، ومهاجمة المدنيين أو قوات الأمن، لاستنزافهم وتشتيتهم وإرغامهم علي الخضوع أو الانسحاب، بالإضافة إلى السلوكيات المروعة بأرض المعركة، مثل الذبح والحرق والسيارات المفخخة..من خلال توظيف مخرجات الثورة التقنية والشبكة المعلوماتية فى تفجيرات نوعية عن بعدوغيرها من الهجمات المتفرقة على المسرح العالمي.
ولم تنج أمريكا نفسها من حروب الجيل الخامس والسادس فقد كانت ضحية لعمليات إختراق عالية التقنية لبعض من مؤسساتها الرئيسية مثل قلب شبكة الأنترنت في أكتوبر 2016 والسطو على سجلات التأمين الإجتماعي وبيانات عدة ملايين من الموظفين والعاملين ببعض من أهم أهزة الأمن الأمريكيين وكذلك شبكات شركة سوني للإنتاج السينمائي.
كما ونجحت التنظيمات الإرهابية في تنسيق هجماتها على باريس في 2015 وعلى بروكسل عام 2016 بإستخدام تقنيات إلكترونية متقدمة أخفت عملياتها عن أنظار أجهزة الشرطة والمخابرات الفرنسيةوالبلجيكية.
ويستخدم التزييف الاعلامي وسيل المواد الدعائية التي تشجع على فقد الثقة بالحكم وتوارى الشعور بالأمن على جميع المستويات، وبث نتائج كاذبة، عن انتصارات وهمية للإرهابيين على الأرض لبث المزيد من الارتباك وفقد ثقة الجمهور بالقيادة. والفارق الأساسي، هنا، عن حروب الجيل الرابع أنها تلغي الحدود تماما وتستهدف مؤسسات الدولة وتنهي التعامل مع الجيش ككتلة محاربة ولكن تشكيلات إرهابية من أفراد أو جماعات صغيرة تم تزويدها بقوة فائقة، جماعات تربطها مصالح وتوجيهات خارجية وليس الوطن، إذمن غير المتصور أن تتم الأعمال الإرهابية التى تعصف بمصر ودول عربية أخرى، تمويلا وتسليحا وتخطيطا، دون مساندة قوى إقليمية ودولية، تتخذ من التنظيمات الإرهابية “دمية” ومدخلا لتحقيق الهيمنة على بلاد بعينها، مرة ثانية كجماعة الإخوان المسلمين أو تنظيم القاعدة أو داعش أو خراسان أو ..
إن كل جيل يمثل نقلة نوعية في أساليب شن الحرب, وتحولا واضحا في فن إدارتها، بمعنى أن أى قوى عسكرية أو أمنية تحارب بأساليب ووسائل جيل سابق لا تستطيع هزيمة قوة تستخدم فن الحرب بأساليب جيل جديد..
إن ما نعايشه من تداخل أجيال أو استراتيجيات الحروب، سواء أكانت حروب الجيل الرابع المعنية بإفشال الدولة وتدمير قواها وتفتيت مؤسساتها، أو الجيل الخامس المعنية بالتعامل مع تشكيلات عصابية وتنظيمات إرهابية، أو حروب الجيل السادس المعنية بكل ما يتم التحكم به تماما والسيطرة وإدارة الحرب عن بعد، كلها يستدعى تعاملا مسئولا ومحترفا لتحقيق الردع فى جميع الأحوال، لإن إغراق مصر والدول العربية فى الصراعات وتنشيط الخلايا الإرهابية والمتشددين، هدف استراتيجى للبعض، حتى لاتقوم لمصر قائمة.