أخبار مصر

تقليص الدعم.. القرار الأجرأ في 2014

ظل ارتفاع عجز الموازنة جزءا اساسيا من احاديث المسئولين المصريين على مدار عقود، ورغم رفض اقتصاديين لمنظومة الدعم المطبقة في مصر واعتبارها تفيد الاغنياء اكثر من الفقراء الا ان الحكومات تجنبت اتخاذ اجراءات صريحة لتقليص الدعم خشية غضب شعبي، وتفاقم عجز الموازنة المصرية بعد ثورة يناير 2011 نتيجة اضطرابات سياسية وامنية اثرت على الاقتصاد وتراجعت بقيمة الجنيه حتى اصبحت اعادة النظر بالدعم واتخاذ اجراءات لتقليص عجز الموازنة ضرورة ليعد  تحريك الدعم القرار الاجرأ في 2014.

وفي هذا الملف يرصد “اخبار مصر” واقع منظومة الدعم في مصر سواء من حيث بدايتها وتطورها او انواع الدعم وكذلك السلع والخدمات المدعومة ونصيب كل منها من مخصصات الموازنة خلال العقود الماضية.

معنى الدعم

ويقصد بالدعم طرح الحكومة سلع او خدمات باسعار اقل من قيمتها الحقيقية للمواطنين على ان تتحمل الدولة فرق السعر في مسعى لضمان حد أدنى لمستوى معيشي آمن وحفظ استقرار المجتمع.

وعندما تذكر كلمة دعم ترسم في الاذهان صورة مواطن يقف في طابور ليحصل على رغيف خبز متوسط الجودة مقابل 5 قروش، واخر يقضي ساعات امام محطة وقود ليحصل على بنزين 80 او سولار، وثالث يريد تأمين انبوب بوتاجاز يطهو عليها طعامه.. وفي الواقع تلك حصة المواطن المستحق للدعم من فاتورة باهظة تدفعها الدولة.
وفي المقابل ظل يتمتع بمعظم مخصصات الدعم الفئات العليا من الطبقة المتوسطة والاثرياء لانهم الاكثر استهلاكا للوقود والكهرباء نظرا لامتلاكهم سيارات فارهة ومنازل كبيرة كما انهم اصحاب المصانع الذين يوفر لهم دعم الطاقة ارباحا ضخمة.

وقال صندوق النقد الدولي في تقرير عن إصلاح الدعم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا  صدر في يوليو 2014 “يشيع استخدام الدعم في تلك المنطقة لا سيما على منتجات الطاقة، التي ترتفع اسعارها بشكل مستمر وهو ما يؤدي الى توسيع عجز الموازنات خاصة في تلك المنطقة التي تشهد حراكا اجتماعيا وسياسيا وارتفاعا في وتيرة المطالب الفئوية.. وعلى تلك البلدان مواصلة اصلاح الدعم بالتزامن مع زيادة شبكات الأمان الاجتماعي وضبط الاسواق حتى تتمكن من تنمية اقتصاداتها”.

انواع الدعم

تستطيع الدول ان تدعم مستوى معيشة المواطنين عن طريقين اما الدعم العيني او الدعم النقدي وكلاهما موجود في مصر ومؤخرا بدأت الحكومة التخلي عن الدعم العيني شيئا فشئ باتجاه النقدي.

وقد تساعد الدولة بعض فئات المجتمع عن طريق تقديم مساعدات نقدية وتستهدف الافراد غير قادرين على العمل كاعانة البطالة او المعاقين او كبار السن او اصحاب معدلات دخول معينة.

ومن امثلة الدعم النقدي ما يعرف ببرامج توليد الدخل ويقصد بها دعم الاسر الفقيرة ماديا لمساعدتها على العمل مثل تقديم قروض منخفضة الفائدة لاقامة مشروعات صغيرة تدر دخلا لتلك الاسر، او تقديم مبلغ مالي للاسر الفقيرة مقابل انتظام ابنائهم في الدراسة لحمايتهم من التسرب وهكذا.

والدعم العيني يتم عن طريق توفير الدولة سلع وخدمات بعينها للفقراء باسعار منخفضة وهوالاكثر انتشارا خاصة في الدول التي تعاني من ارتفاع نسب التضخم وبالتالي تتآكل قيمة الدعم النقدي.

وقد يقدم هذا النوع من الدعم عن طريق طرح سلع وخدمات باقل من اسعار السوق لكافة المواطنين كما هو الحال بالنسبة لاسعار الوقود في مصر. ويؤخذ عليه انه لا يضمن وصول الدعم الى مستحقه لان اي فرد يمكنه الحصول عليه بعض النظر عن دخله.

ومن اشكال الدعم العيني، توزيع حصص من السلع باسعار اقل من السوق لفئات محددة عن طريق بطاقات التموين او توزيع كوبونات ذات قيمة نقدية محددة على الفئات المستهدفة لتمكينها من الحصول على ما تحتاجه من سلع وكلاهما اكثر تحديدا لمستحقي الدعم.

ومن سبل الدعم العيني، توفير برامج تغذية مكملة لفئات محددة من المجتمع مثل وجبات غذائية لتلاميذ المدارس او توفير اغذية مدعمة للاطفال الرضع.
والنوع الثاني من الدعم يعرف بالدعم النقدي ويعني تقديم مساعدات نقدية لفئات بعينها سواء كانت غير قادرة على العمل او المعاقين او كبار السن او اصحاب معدلات دخول معينة.

وتتباين الاراء حول اي النوعين افضل، حيث يفضل البعض الدعم النقدي نظرا لانه يوفر للمنتفع حرية اختيار السلع الا ان تكلفة تحديد المستحقين تكون مرتفعة لانها تتطلب بحوث اجتماعية وبيانات دقيقة عن افراد المجتمع وهو ما يدفع الحكومات الى الدعم العيني.

وترى دراسة لمجلس الوزراء بعنوان “منظومة الدعم في مصر حقائق واراء” ان الدعم العيني يكون افضل في حالات نقص المعلومات عن دخول الاسر وارتفاع معدلات التضخم وضعف الاطر التنظيمية والرقابة مما يجعل الدعم النقدي لا يصل الى مستحقيه.

السلع والخدمات المدعومة

تعددت السلع والخدمات التي دعمتها الدولة لتشمل الغذاء والطاقة والزراعة والصناعة وغيرها.

دعم الطاقة.. ويعد البند الاكثر تضخما في الموازنات المصرية ويندرج تحته دعم الكهرباء والمواد البترولية وذلك للمواطنين والمصانع.

وقفزت مخصصات دعم الموارد البترولية في مصر – وفقا لبيانات وزارة المالية – الى 120 مليار جنيه في العام المالي 2012 – 2013 مقابل 31.4 مليار جنيه في 2004 – 2005.

وتضع وكالة الطاقة الدولية مصر من بين أدنى معدلات أسعار الوقود فى العالم، وبلغ متوسط دعم الطاقة 53.7 % من السعر الحقيقي للمواد البترولية عام 2012.
وقالت مجلة الايكونمست الاقتصادية في عددها الصادر في يونيو 2014 ان سعر لتر الوقود في مصر اقل من ارخص زجاجة مياه معبأة.

ومع تفاقم عجز الموازنة، قررت الحكومة رفع أسعار البنزين والسولار بدءا من 5 يوليو 2014، وارتفع سعر لتر “بنزين 95″ إلى 6.2 جنيه من 5.8 جنيه، و”بنزين 92″ من 1.8 إلى 2.6 جنيه، و”بنزين 80” إلى 1.6 جنيه بدلا من 90 قرشا، والسولار إلى 1.8 من 1.1 جنيه.

وألغت الحكومة دعم الغاز الطبيعي في شكل كامل في موازنة 2014 – 2015 وبلغ دعم الغاز الطبيعي في موازنة السنة المالية 2014-2013 نحو 8 ملايين جنيه.

وفي ابريل 2014، خفضت الدعم الموجه إلى أسعار الغاز المنزلي والتجاري وقسمته الى ثلاثة شرائح مما وفر 1.1 مليون جنيه، وأخيراً رفعت أسعار الغاز الطبيعي للسيارات حوالى 175 % ضمن حزمة اجراءات لتقليص دعم المواد البترولية.

وطال التخفيض دعم البوتاجاز لتتراجع مخصصاته بنحو 3.8 مليار جنيه، فى الموازنة العامة للسنة المالية الجديدة 2014-2015، ليصل إلى 19.1 مليار جنيه، مقابل 22.9 مليار جنيه في الموازنة السابقة.

وقدر رئيس مجلس الوزراء إبراهيم محلب حصيلة رفع أسعار المواد البترولية والكهرباء بنحو 51 مليار جنيه.

واشار تقرير صادر عن هيئة التنمية الصناعية في 2007 الى ان 40 مصنعا فقط يستهلكون نحو 65 % من البترول المدعوم المخصص لقطاع الصناعة ومن ضمنهم شركات متعددة الجنسيات مثل لافراج الفرنسية وهولكيم السويسرية عملاقي الأسمنت اللذين يستحوذان على ثلث انتاج مصر من الاسمنت ويصدران 80 % من صادرات تلك السلعة الاستراتيجية.

ويتجه الشق الثاني من دعم الطاقة الى الكهرباء.. وكانت الدولة تقدم الكهرباء باسعار مدعومة للمواطنين سواء للاستهلاك المنزلي او التجاري والصناعي، وقدرت موازنة 2011- 2012 مخصصات دعم الكهرباء بنحو 5 مليارات جنيه بما يساوي 3.7 % من اجمالي الدعم.

وزادت مخصصات الكهرباء من الدعم بنحو 42 % خلال 4 سنوات فقط حيث بلغت 3.5 مليار عام 2007- 2008.

وخلال يوليو 2014، رفعت مصر أسعار الكهرباء للمنازل والمتاجر لتبلغ الزيادة في الشريحة الأقل استهلاكا للكهرباء 50 %، كما زادت اسعار الكهرباء الموجهة للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة بنسب تتراوح بين 7 و23 % في اطار خطة لرفع الدعم عن الكهرباء تماما خلال 5 سنوات.

وقال وزير الكهرباء والطاقة المتجددة الدكتور محمد شاكر في مؤتمر صحفي ان متوسط السعر الحقيقي للكيلووات/ ساعة حاليا يصل إلى حوالي 47 قرشا ومتوسط سعر البيع حوالي 22.6 قرش.

واعلن عن خطة لتحرير سعر الكهرباء تمام خلال خمس سنوات عبر زيادة السعر تدريجيا.

وفي إطار إعادة الهيكلة – يستكمل الوزير – سيكون متوسط السعر في العام الأول 29.2 قرش ثم يرتفع الى 35.2 في العام الثاني ثم 40 قرشا في العام الثالث و45.5 قرش في العام الرابع وصولا الى 50.8 قرش في العام الخامس.

وسيظهر هامش ربح بسيط لأول مرة في قطاع الكهرباء خلال العام الخامس من إعادة الهيكلة، بحسب الوزير.

وأوضح الوزير أن المرحلة الاولى لرفع الاسعار قلصت دعم الكهرباء بموازنة 2014- 2015 الى 27.4 مليار جنيه بدلا من 38.7 مليار جنيه قبل الرفع.

دعم الغذاء.. البند الثاني للدعم في مصر، ويشمل عدة اشكال منها دعم رغيف الخبز الذي انخفضت قيمته بنحو الثلث خلال 4 سنوات ليسجل 6 % من مخصصات الدعم في موازنة 2012.

وتراجعت مخصصاته مجددا بنحو 13 % في موازنة العام المالي 2014 – 2015.

ولضمان وصوله الى مستحقيه، قررت وزارة التموين مؤخرا صرف الخبز على بطاقات التموين او بطاقات صرف الخبز التي تستخرج لمن لا يملك بطاقة تموينية.

وقال وزير التموين خالد حنفي في يوليو 2014 ان النظام الجديد يتضمن تخصيص 150 رغيفا شهريا لكل مواطن مسجل على البطاقات وسعر الرغيف 5 قروش.

ويتيح النظام الجديد – الذي بدأ تطبيقة تدريجيا – الحصول على سلع غذائية مجانية من البقال التمويني مقابل ما يوفره من إستهلاكه للخبز خلال الشهر.

وقال الوزير أن هناك بطاقة صرف لدي صاحب المخبز بها حصة للبيع للمواطنين الذين ليس لديهم أي بطاقات.

ومن اهم اشكال دعم الغذاء في مصر، يأتي دعم عدد من السلع عن طريق بطاقات التموين. وتضاعفت مخصصاته نحو 5 مرات خلال الفترة من 2007 حتى 2012 ليمثل نحو 6 % من قيمة الدعم.

وفي 2013، قال الدكتور محمد ابوشادي وزير التموين انذاك ان عدد المواطنين المستفيدين من بطاقات التموين يبلغ 69 مليون مواطن مقيدين في نحو 18 مليون بطاقة.

ورفعت وزارة التموين في 2014 الحد الأقصى للمقيدين ببطاقة الأسرة الواحدة إلى 7 أفراد، مقابل 4 أفراد في النظام القديم.

ويحصل كل فرد على 2 كيلو سكر، و2 كيلو أرز، و1.5 لتر زيت.

وحدد النظام الجديد قيمة الدعم بـ15 جنيها للفرد ويتيح للافراد الحصول على اي سلع في حدود حصتهم من الدعم.

وتقدم الدولة دعما لعدد من الانشطة والخدمات منها تنشيط الصادرات والنقل والاسكان والصناعة والخدمات الصحية والزراعة.

دعم الصادرات.. هي مخصصات تضعها الدولة بهدف تشجيع الصادرات لتحسن فرص نمو الاقتصاد عن طريق جلب العملة الصعبة وتشجيع راس المال الاجنبي على الاستثمار في مصر مما يوفر فرص عمل ويساهم في رفع مستوى المعيشة.

ومخصصات دعم الصادرات محدودة في الموازنات المصرية، وتراجعت في موازنة 2014 – 2015 الى 2.6 مليار جنيه مقابل 3.1 مليار العام السابق.

وتشير الموازنات السابقة الى ان مخصصات دعم الصادرات تنمو بوتيرة ضعيفة جدا ودعا بعض اعضاء مجلس الشعب الاخير الى الغائها.

وبلغ نصيب هذا النشاط  ملياري جنيه في 2007 – 2008 ثم زاد الى 4.2 مليار في 2009- 2010 ثم هبط الى 2.5 مليار في موازنة 2011- 2012.

خدمات النقل.. توجه الدولة دعما لعدد من خدمات النقل مثل النقل العام بالقاهرة ونقل ركاب الاسكندرية وصندوق تمويل شراء بعض مركبات النقل السريع.

وزادت مخصصات دعم نقل الركاب بشكل طفيف في موازنة 2014 – 2015 لتصل الى 1.5 مليار جنيه مقابل 1.43 مليار جنيه بالموازنة الماضية.

وبلغ نسبة الصعود بمخصصات دعم القطاع بنحو 60 % خلال الفترة من 2007 – 2008 الى 2011 – 2012.

ويقصد بدعم مخصصات صندوق تمويل مركبات النقل السريع مشروع التاكسي الابيض وبدأ ادراجه بالموازنة بدءا من عام 2010.

الاسكان.. تخصص الدولة دعما لقطاع الاسكان لتوفير المسكن الملائم لمحدودي الدخل سواء عن طريق دعم سعر تلك الوحدات او تقديم دعم لصندوق التمويل العقاري.

وتراجعت قيمة مخصصات هذا البند الى النصف في الموازنة الاخيرة لتسجل 150 مليون جنيه مقابل 300 مليون جنيه بالموازنة السابقة.

المناطق الصناعية.. توفر الدولة كذلك دعم لقطاع الصناعة في صورة دعم للمناطق الصناعية والتدريب الصناعي.

وهبط دعم المناطق الصناعية بنحو 86.7 % بالموازنة الاخيرة بعد أن خصصت الحكومة نحو 400 مليون جنيه لهذا البند، مقابل 3 مليارات جنيه في موازنة العام السابق.

الخدمات الصحية.. تخصص الدولة اموالا لدعم التأمين الصحي للطلاب لرفع كفاءة الخدمات الصحية المقدمة لهم كما تخصص اموالا لدعم الادوية والبان الاطفال لتوفيرها باسعار مناسبة.

وتراجعت مخصصات الدعم لهذا البند في الموازنة الجديدة بنحو 54.2 % ليصل إلى 300 مليون جنيه مقابل 655 مليون جنيه في العام السابق.

الزراعة..تخصص الموازنة جزءا من اموال الدعم لقطاع الزراعة عن طريق توفير ﻤﺴﺘﻠﺯﻤﺎﺕ ﺍﻹﻨﺘﺎﺝ ﺍﻟﺯﺭﺍﻋـﻲ ﻤـﻥ ﺃﺴﻤﺩﺓ ﻭﺒﺫﻭﺭ ﻭﻤﺒﻴﺩﺍﺕ باسعار مخفضة بجانب شراء المحاصيل من الفلاحين فضلا عن ﺘﻘﺩﻴﻡ ﺍﻟﻘﺭﻭﺽ ﺍﻟﻤﻴﺴﺭﺓ ﻟﺒﻌﺽ ﺍﻷﻏﺭﺍﺽ ﺍﻟﺯﺭﺍﻋﻴﺔ.

ﻭﺒﻠﻐﺕ ﺘﻘﺩﻴﺭﺍﺕ ﺩﻋﻡ ﺍﻟﻤﺯﺍﺭﻋﻴﻥ ﺒﻤﻭﺍﺯﻨﺔ 2014 – 2015 نحو 3.3 مليار جنيه، منها 2.6 مليار ﻟﺩﻋﻡ ﺍﻟﻤﺤﺎﺼﻴل حيث قررت ﺍﻟﺩﻭﻟﺔ ﺸﺭﺍﺀ ﻤﺤﺼﻭل ﺍﻟﻘﻤﺢ للموسم الحالي ﺒﺄﺴـﻌﺎﺭ ﺘﺯﻴﺩ ﻋﻥ ﻤﺘﻭﺴﻁ ﺍﻷﺴﻌﺎﺭ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ، ﻟﺘﺸﺠﻴﻊ ﺍﻟﻤﺯﺍﺭﻋﻴﻥ ﻋﻠﻰ ﺯﺭﺍﻋﺔ ﺍﻟﻤﺤﺎﺼﻴل ﺍﻹﺴﺘﺭﺍﺘﻴﺠﻴﺔ، ﻭﻤﻥ ﺍﻟﻤﻘـرﺭ ﺃﻥ ﻴﺘﻡ ﺘﺴـﻭﻴﻕ ﻜﻤﻴﺎﺕ ﺘﺒﻠﻎ ﻨﺤﻭ 4 ملايين ﻁﻥ ﻤﻥ ﺍﻟﻘﻤﺢ المحلي ﻟﺤﺴﺎﺏ ﺍﻟﻬﻴﺌﺔ ﺍﻟﻌﺎﻤﺔ ﻟﻠﺴﻠﻊ ﺍﻟﺘﻤﻭﻴﻨﻴﺔ ﻻﺴﺘﺨﺩﺍﻤﻬﺎ في انتاج ﺍﻟﺨﺒﺯ ﺍﻟﻤﺩﻋﻡ.

تاريخ الدعم

تعود بداية تدخل الدولة المصرية في تقديم سلع باسعار منخفضة الى اعقاب الحرب العالمية الاولى كاجراء استثنائي بعد زيادة الاسعار جراء الحرب حيث استوردت الحكومة كميات كبيرة من القمح والدقيق من استراليا، وقامت ببيعها في منافذ حكومية بأسعار مخفضة.

وتقول دراسة بعنوان “منظومة الدعم في مصر”.. حقائق وارقام صادرة عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء ان الدعم بشكله الحالي بدأ في مصر عام 1945.

وطبقت الحكومة انذاك برنامجا لدعم كافة المواطنين عبر توفير بعض السلع الأساسية مثل السكر، الكيروسين، زيت الطعام، والشاي شهريا باستخدام نظام البطاقة التموينية. وخصصت الدولة في ذلك العام مليوني جنيه من الموازنة العامة لدعم الاسعار.

وبالتزامن مع ثورة يوليو 1952 قفزت مخصصات الدعم الى نحو 15 مليون جنيه بنسبة 7.3 % من إجمالى الإنفاق العام مع اتجاه الدولة لتحمل المسئولية عن تقديم السلع الغذائية والخدمات الاجتماعية من تعليم وصحة وسكن لكافة فئات المواطنين.

وبانتصاف ستينات القرن العشرين، طرحت الدولة نظام البطاقات التموينية لعدد محدود من السلع بهدف توفير السلع الأساسية للمواطنين بالتزامن من نقص شديد في تلك السلع نتيجة حرب 1967 بين مصر واسرائيل.

وكانت بطاقات التموين تشمل عددا من السلع الأساسية مثل القمح، والسكر، الأرز، زيت الطعام، الصابون، والكيروسين، وبعض المنتجات القطنية.

وخلال السبعينات، زاد عدد السلع المدرجة في بطاقات التموين وبالتالي قيمة الدعم، وغطت البطاقات 18 سلعة منها الفول، والعدس، والأسماك والدجاج واللحوم المجمدة.

وشمل الدعم خدمات الكهرباء، والنقل الداخلي، والبنزين، واستهدف كافة المواطنين مما رفع قيمة الدعم الى 20 مليون جنيه عام 1970 واستحوذ دعم الغذاء على  75% من قيمته.

وفي يناير 1977، قررت الحكومة رفع أسعار الخبز “الفينو” والدقيق والسكر و والأرز والشاي لتخفيض الدعم في اطار حزمة من الإصلاحات الاقتصادية وهو ما قوبل بغضب كبير من الشارع مما اضطر الحكومة للتراجع.

وبحلول عام 1980 زادت مخصصات الدعم الى 1.6 مليار جنيه بما يوازي 15.6 % من نفقات الموازنة لارتفاع اسعار معظم السلع عالميا.

في عام 1982 بدأت الحكومة انتهاج سياسات لتقليص الانفاق على الدعم اطلقت عليها “اصلاح نظام دعم السلع الغذائية” في محاولة لمعالجة عجز الموازنة العامة.

وفي هذا الاطار خفضت الحكومة تدريجيا عدد السلع الغذائية المدعمة من 20 سلعة الى 4 سلع فقط عام 1997 هي العيش البلدي، والدقيق البلدي، والسكر، وزيت الطعام.

وعملت الحكومة كذلك على خفض عدد المنتفعين وتوقفت عن تسجيل المواليد الجدد تماما مما خفض عدد المستفيدين من 99 % من عدد السكان في بداية الثمانينات إلى 70 % في 1998.

وتم تخفيض الدعم الموجه للبطاقات عن طريق تصنيفها الى فئتين احداهما خضراء وتستحق دعما كاملا ويستهدف محدودي الدخل، واخرى حمراء وتستحق دعما جزئيا وتخصص لشرائح المواطنين أصحاب الدخل المرتفع.

وطالت اجراءات الحكومة دعم الخبز ولكن بشكل اكثر حذرا لما يمثله من اهمية في الغذاء اليومي للمصريين وبداية تم رفع اسعار الخبز من قرش إلى قرشين للرغيف في عام 1983- 1984 ثم الى 5 قروش عام 1988 – 1989.

وتلا ذلك انقاص وزن الرغيف من 150 إلى 130 جرام. وفي عام 1992 الغت الحكومة دعم الخبز مرتفع الجودة.

وبحلول عام 1990، عادت مخصصات الدعم للتراجع مرة اخرى لتمثل 8.7 % من الانفاق العام وزاد تراجعها عام 2000 الى 4.1 % من الانفاق العام.

ومع بداية الالفية الجديدة بدأ النمو المتسارع للدعم مع ادراج بند دعم المنتجات البترولية في موازنة الدولة بعد ان كانت تتحملة موازنة الهيئة العامة للبترول مما قفز بمخصصات الدعم الى اكثر من 22 % من الانفاق الحكومي وبالتالي ارتفع نصيب الفرد من مخصصات الدعم الى 1.6 الف جنيه في العام المالي 2011- 2012.

وقبل عام 2005 كان دعم المواد البترولية والكهرباء يضاف الى ميزانيات تلك الوزارات ولا يدخل ضمن موازنة الدولة، وفقا لبيانات وزارة المالية.

وخلال تلك الفترة توسع نشاط الصناعة في مصر وبالتالي اتجهت اغلب مخصصات الدعم الى رجال الاعمال وتعد تلك الفترة نقطة التحول الاهم في مسار الدعم باتجاه الاغنياء.

وتعرضت مصر لاضطرابات سياسية وامنية منذ 2011 نالت من نمو اقتصادها وتراجعت بسعر عملتها مما رفع فاتورة الدعم نظرا لزيادة الطلب على استيراد الغذاء والطاقة واضطرت الحكومة الى التوسع في الاقتراض للوفاء بنفقاتها وهو ما اضاف اعباء جديدة على عاتقها ودفعها الى اتخاذ اجراءات لتقليص الدعم رغم خطورة ذلك خاصة في مجتمع مثقل ومنهك اقتصاديا يعاني البطالة ودائم الشكوى من غلاء الاسعار.

واتخذت الحكومة قرارا بخفض الدعم الموجه للوقود والكهرباء تدريجيا ضمن حزمة اصلاحات اقتصادية تهدف لتخفيض عجز الموازنة.

اصلاح الدعم

خاضت عدة دول تجارب لاصلاح نظام الدعم الحكومي لاسعار الوقود والطاقة حالف بعضها النجاح وواجه بعضها تحديات ضخمة.

وقال تقرير لمجلة الايكونوميست ان القطع الغير مدروس للدعم الحكومي للوقود والطاقة قد يؤدي الى نتائج كارثية خاصة على الطبقات الاكثر فقرا، وفي المقابل فان استمرار الدعم بدون اصلاح يولد فساد في نظام الدعم وتهريب للسلع المدعمة ويحرم البنية التحتية والخدمات العامة مثل التعليم والصحة من اموال ضخمة كان بالامكان استثمارها في تحسين المعيشة واتاحة فرص العمل لمواطني هذه الدول.

وفي رصد لتجارب الدول في اصلاح الدعم، قال ان تجارب حديثة في بلدان مثل نيجيريا والبرازيل سببت اضطرابات امنية و سياسية ادت الى تراجع حكومات تلك الدول عن رفع الدعم مقابل شراء السلم الاجتماعي مهما كانت التكاليف باهظة للخزانات الحكومية.

واشار الى انه في حالات اخرى، كان لضغوط خارجية عاملا كبيرا في اصلاح او رفع الدعم مثل ضغوط صندوق النقد الدولي وارتفاع اسعار السلع المدعمة خاصة النفط والغذاء.

واشارت دراسة لصندوق النقد الدولي على تجارب 28 دولة في رفع الدعم الى ان 12 دولة نجحت في التخلص من تكاليف الدعم الحكومي الباهظ بينما استطاعت 11 دولة اخرى اصلاح الدعم جزئيا تحت ضغوط التحديات الاجتماعية والسياسية التي صاحبتها.

ومن الدول التي نجحت في رفع الدعم الحكومي عن الطاقة بدون اثارة اضطرابات، الهند وغانا والمغرب وارمينيا.

ففي المغرب، رفعت الحكومة الدعم عن البنزين والغاز المسال وربطت اسعار الوقود الاستهلاكية المحلية بمؤشرات الاسعار الدولية.

وقامت الهند بتخفيض الدعم الحكومي تدريجيا لتصل تكلفته من 1 % في 2014 الى اقل من 0.5 % من الناتج المحلي الإجمالي مع حلول عام 2016.

وتقول الايكونومست ان برامج دول مثل اندونيسا والفيليبين واوغندا في خفض الدعم اعتمدت على حملات توعية وبرامج اعلامية للجمهور لتشرح سياستها الجديدة و توضيح الفوائد التي يجنيها الافراد خاصة الاقل ثراء من برامج اصلاح الاقتصاد.

وفي ايران، رفعت الحكومة سعر الحصة الشهرية المدعومة للفرد (60 لترا) من 0.12 سنت امريكي إلى حوالي 20 سنتا للتر الواحد مقابل تعويض نقدي يوازي 15 دولارا في الشهر لتخفيف وطأة رفع الوقود على مواطنيها ومع ذلك فقد كلفت الخزانة الايرانية الكثير لدفع الدعم النقدي للجميع وليس للفقراء وحدهم.

وقال الصندوق في تقرير عن إصلاح الدعم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ان اصلاح الدعم لم يقتصر على الدول الفقيرة المنهكة اقتصاديا ففي 2010 قامت المملكة العربية السعودية بزيادة متوسط سعر الكهرباء للمستخدمين غير الأسر وبعدها بدأت البحرين ودبي وقطر رفع أسعار الوقود والكهرباء سعياً لتخفيف العبء على الميزانية ومعالجة التشوهات الاقتصادية، بينما تخطط الكويت لإلغاء دعم الديزل.