اخبار مصر - عبد الرحمن عثمان

من ينهار أولا الحكومة أم الإقتصاد أم الدولة الفنزويلية ؟ تساؤل مركب معقد يحار المراقبون في الإجابة عليه أو حتى التخمين بنتائج الأزمة السياسية -الاقتصادية التي تعصف بالبلاد منذ فوز المعارضة بإنتخابات ديسمبر من 2015 التي قسمت البلاد إلى قوتين رئيسيتين تسيطران عليها ؛ رئيس منتخب تدعمه القوات المسلحة وظهير شعبي يضعف مع إنهيار الاقتصاد ، ومعارضة برلمانية تتحكم في ثلثي المقاعد لكنها عاجزة عن اتخاذ قرارات حاسمة بسبب الدستور الذي يعيق تحركاتها على أرض الواقع.

خلفيات:

في أعقاب وفاة الرئيس التاريخي والزعيم الإشتراكي لفنزويلا “هوجو شافيزوإنتخاب خليفته “نيكولاس مادورو”” في أبريل 2013 والبلاد تمر بأزمات عصيبة تهدد وجودها

البداية مع رفض المعارضة نتائج إنتخابات الرئاسة التي جاءت متقاربة حيث فاز “نيكولاس مادورو” ب 50،61% من الأصوات في حين حصل مرشح المعارضة هنريك كابريليس على 49،12% من الاصوات. ممثلا لحزب الوحدة الديمقراطي المائدة المستديرة (وتجمع المعارضة) .

وإدعت المعارضة وجود إنتهاكات للعملية الإنتخابية لكن اللجنة المشرفة على الانتخابات أقرت النتائج وتم تعيين “مادورو رئيسا للبلاد لمدة ست سنوات.

ومنذ ذلكالحين والبلاد لم تعرف الاستقرار وكانت أزمة إنهيار أسعار النفط دوليا التي بدأت منذ منتصف عام 2014بمثابة الإعصار الذي جر البلاد إلى أزمة اقتصادية وإجتماعية جارفة و رويدا رويدا اقتربت فنزويلا فعلاً من حافة الانهيار الاقتصادي، في ظل سيطرة شبح السياسات الاقتصادية الفاشلة في بلاد تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في العالم، في أصعب محنة اقتصادية يشهدها الشعب الفنزويلي على الإطلاق.

وأشارت التقديرات إلى ارتفاع معدل التضخم إلى 500%، هذا العام و1600% في 2017، بينما يواجه السكان نقصاً خطيراً في مواد أساسية وغذائية إلى جانب فقدان أكثر من 70% من الأدوية، مع استهلاك احتياطي العملات الأجنبية المخصص للاستيراد، ما يدفع بالشعب إلى الوقوف في طوابير طويلة لساعات لشراء احتياجاتهم من المتاجر في مشهد أقل ما يمكن وصفه بالمأساوي.

وبحسب تقرير أعدته صحيفة “نيويورك تايمز” ارتفعت أسعار السلع الأساسية بشكل غير مسبوق في السوق السوداء في ظل استمرار نقصان المنتجات والاصطفاف في الطوابير، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع تكلفة المعيشة.

فقد ارتفعت أسعار دقيق الذرة 10 مرات والدجاج13 مرة، إذ وصل سعر كيلوغرام الدجاج المجمد منذ فبراير 2015 إلى 85 دولاراً، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية.
والأغرب من ذلك، أن المؤسسات الحكومية لا تعمل إلا يومين فقط من الأسبوع في محاولة من الحكومة الفنزويلية خفض فاتورة استهلاك الكهرباء والمياه.

العجز يلامس 20% وبحسب ما ورد في وكالة الصحافة الفرنسية، فقد بلغ العجز العام في البلاد بين 18 و20% من إجمالي الناتج المحلي في العام 2016 ووسط هذه الحالة، تتراجع قدرة البلاد على الدفاع عن عملتها وتسديد ديونها بشكل متسارع.

وتشير الأرقام إلى أن إجمالي الديون المترتبة على فنزويلا تقارب 120 مليار دولار، يجب تسديد دفعة بنحو 7 مليارات دولارات هذا العام، وسط ارتفاع التكهنات بأن فنزويلا قد تتخلف عن السداد والتقصير في الدفع في العام المقبل، خصوصا إذا ظلت أسعار النفط منخفضة.
وقد أنفقت فنزويلا قرابة 4 مليارات دولار من احتياطيها من العملات الصعبة في الاشهر الأربعة الماضية، ليتراجع هذا الاحتياطي الى 12.7 مليار دولار، أي ما يوازي ثلث ما كان عليه في عام 2009.

ويحول عجز المؤسسات عن إجراء حساباتها بالدولار دون تمكّنها من استيراد مواد أولية ومعدات، ما يؤدي الى نقصها في المتاجر والمحال والصيدليات.

أسعار الصرف ومن تداعيات هذه الأزمة الاقتصادية، تمثلت بانخفاض قيمة البوليفار الفنزويلي، وهي العملة الرئيسية لفنزويلا، بشكل حاد حيث فقد تقريباً كل قيمته أمام الدولار الأميركي فمنذ بداية العام 2012 وحسب أسعار السوق السوداء، فإن البوليفار انخفض بنسبة 99% أمام الدولار الأميركي.

وقد خلقت هذه الأوضاع سوقا سوداء للعملة، ويعتبر سعر السوق السوداء هو السعر الذي يستخدمه العديد من سكان فنزويلا، بسبب صعوبة الحصول على موافقة لصرف العملات وفقاً للأسعار الرسمية.

تجميد النفط :-

ويعتبر النفط محرك النشاط الاقتصادي في فنزويلا، ويشكل 96% من إجمالي إيرادات الصادرات النفطية للدولة. فبين عامي 2004 و2015، حققت فنزويلا عائدات بقيمة 750 مليار دولار.

وتبيع فنزويلا، العضو في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، 40%، من صادراتها من المحروقات الى الولايات المتحدة.

غير أن الوضع معاكس اليوم تماماً في ظل هبوط أسعار النفط بأكثر من 70% منذ يونيو 2014، ما أدى إلى خسارة فنزويلا 40% من إيراداتها النفطية هذا العام.

انطلاقاً مما سبق، طالب الرئيس “مادورو” منظمة الدول المُصدرة للبترول “أوبك” التي تنضم فنزويلا لعضويتها بخفض معدل الإنتاج لرفع الأسعار إلى 88 دولاراً للبرميل على الأقل.

و أزمات فنزويلا لا ولم تأتي فرادى ف منذ شباط/فبراير، اتخذت فنزويلا التي ضربها جفاف شديد وأزمة اقتصادية حادة، تدابير منها الخفض الحاد في عدد ساعات العمل لموظفي الخدمة المدنية، وقطع التيار الكهربائي أربع ساعات يوميا على مدى 40 يوما في الولايات العشر الأكثر اكتظاظا بالسكان في الفترة من أبريل حتى يوليو 2016 خاصة بعد أن إنخفض منسوب المياة في أكبر سدود البلاد التي تستخدم لتوليد 80 % من الطاقة الكهربائية في البلاد.

الأزمة الاقتصادية تدعم المعارض:

في ظل هذه الأزمة الاقتصادية الطاحنة نجحت أحزاب المعارضة الرئيسية في إستغلال السخط الشعبي وتلك الظروف لصالحها وتحقيق نصر إنتخابي كاسح ضمن لها ما يقرب من ثلثي مقاعد الجمعية الوطنية في الانتخابات التي جرت في ديسمبر 2015 .

ويُحَمِّل المعارضون مادورو مسؤولية النقص الحاد في المواد الغذائية والتضخم الهائل وبشكل عام الوضع الذي تسوده الفوضى تدريجيا في فنزويلا التي تملك أكبر احتياطات للنفط لكنها تضررت من انهيار أسعار الذهب الأسود. ولهذا فقد لجأ البرلمان لخطة لسحب الثقة من “مادورو”عبر تنظيم استفتاء شعبي كما يقضي بذلك دستور البلاد .

وتقدمت الجمعية الوطنية بمشروع هذه الخطة إلى ” المجلس الوطني الانتخابي” اللذ وافق عليها في أوائل شهر أغسطس-آب. وبموجب هذه الخطة يتعين على أحزاب المعارضة جمع تواقيع شعبية من أبناء فنزويلا يزيد عددها على الأعداد التي حصل عليها الرئيس “نيكولاس مادورو” في إنتخابات أبريل 2013 والبالغ عددها 7.5 مليون صوت إنتخابي وهو ما يؤهل المجلس الوطني للإنتخابات للدعوة لتنظيم استفتاء عام يطيح بالرئيس مادورو .

وكانت المعارضة تأمل أن ينظم الاستفتاء قبل العاشر من يناير 2017 فإذا أقيل مادورو قبل هذا الموعد سيتم تنظيم انتخابات مبكرة. أما إذا نظم الاستفتاء بعد هذا التاريخ وهزم الرئيس الفنزويلي فيه، فسيكون بوسعه تعيين نائبه مكانه.

لكن أمال المعارضة أصيبت بضربة قاصمة في أوائل أكتوبر بعد أن طعن الرئيس “مادورو” تزوير في التوقيعات الشعبية التي يتم جمعها تمهيدا للدعوة للإستفتاء وتقدم بطلب ل “المجلس الوطني للانتخابات” الذي أصدر قراره بوقف فوري ولأجل غير مسمى عملية جمع التوقيعات قبل أن تستطيع المعارضة جمع نصف التوقيعات المطلوبة ، إذ كان يتبقى لها نحو 4 مليون توقيع.

وسادت المعارضة حالة من الغضب العارم واتهم برلمان فنزويلا الذي تهيمن عليه المعارضة، مساء الأحد سلطات الرئيس نيكولاس مادورو بالقيام بـ”انقلاب” عبر تعليق اجراءات الاستفتاء لإقالة رئيس الدولة، ودعت الفنزويليين إلى الدفاع الفعلي عن الدستور.

وفي جلسة صاخبة استمرت أكثر من أربع ساعات وعلقت 45 دقيقة بعد اقتحام أنصار لمادورو قاعة الاجتماع، يوم 24 أكتوبر دعا البرلمان المواطنين الفنزويليين والأسرة الدولية إلى الدفاع عن الديموقراطية.

وقررت الجمعية الوطنية في قرار “إعلان انهيار النظام الدستوري ووجود انقلاب نفذه نظام نيكولاس مادورو”.

وقالت الجمعية الوطنية إنها “تدعو الشعب الفنزويلي إلى الدفاع الفعلي عن دستورنا حتى استعادة النظام الدستوري” و”تحض المجتمع الدولي على تفعيل آليات” يمكن أن تعيد “الديموقراطية” إلى البلاد، ودعت القوات المسلحة إلى “عدم إطاعة أو تنفيذ كل ما يتعارض مع الدستور” وهو الأمر الذي رفضته القوات المسلحة الفنزويلية وأعلن وزير الدفاع أن مهمة “القوات المسلحة هي الدفاع عن شرعية رئيس البلاد.

واقتحمت مجموعات تشافية “نسبة إلى الرئيس الفنزويلي الراحل هوجو تشافيز” المؤيدة للحكومة القاعة وعرقلت عمل الجلسة الاستثنائية وجرت حوادث تدافع وضرب وشتائم وأصيب عدد من الأشخاص بجروح طفيفة.

ودعا النواب إلى عقد جلسة لتحديد الوضع الدستوري للرئيس” الذي يتهمونه بأنه يحمل جنسيتين، فنزويلية وكولومبية وهو ما يمنعه من ممارسة مهامه.

وردت المحكمة العليا على البرلمان بتفميد زعمها بمخالفة الرئيس للدستور وأنه “فنزويلي” فقط.

ورفض الرئيس “مادورو” المثول أمام لجنة برلمانية لمسائلته في المخالفات الدستورية .

كانت هذه الإجراءات المرحلة الأخيرة لمعارضة يمين الوسط المجتمعة في تحالف “طاولة الوحدة الديموقراطية” وتشكل أغلبية في البرلمان، قبل أن تتمكن من تنظيم استفتاء لإقالة الرئيس الاشتراكي.

واحتجت المعارضة بشدة علي قرار المجلس الوطني الانتخابي وقررت الجمعية الوطنية “القيام فورا” بتغيير مسؤولي المجلس الوطني الانتخابي ومحكمة العدل العليا، المؤسستان اللتان تعتبرهما المعارضة متحالفتين مع الرئيس.

واعلن مادورو الذي استدعي ليتحدث يوم الثلاثاء الأول من نوفمبر امام النواب الذين يتهمونه “بالتقصير في واجبات وظيفته”، انه لن يلبي الدعوة.

وكان يفترض ان يناقش النواب “انهيار النظام الدستوري”، حسب برنامج عمل البرلمان قبل اعلان مسؤولية الرئيس. وبما ان تحالف “طاولة الوحدة الديموقراطية” المعارض يهيمن على البرلمان، فان النتيجة لا شك فيها.

لكن في هذا البلد حيث المؤسسات مترنحة، سيبقى هذا التصويت رمزيا. وقال حقوقيون ان اجراء الاقالة ليس واردا في دستور فنزويلا.

من جهة اخرى، لم يعد مادورو يعترف بالبرلمان بينما قالت محكمة العدل العليا ان الجمعية الوطنية في حالة مخالفة لان ثلاثة من نوابها يشتبه بانهم متورطون بعمليات احتيال.
وقال الرئيس مادورو مساء الاثنين “ارغب في مناقشة ذلك في الجمعية الوطنية (…) لكنني لا استطيع انتهاك الدستور ولا الخضوع لمحاكمة كاذبة او محاولة انقلاب”.

مفاوضات لحل الأزمة:-

وتأتي اجراءات البرلمان بينما توصلت الحكومة وجزء من المعارضة الى اتفاق ليل الاحد الاثنين حول برنامج زمني للمفاوضات برعاية الفاتيكان واتحاد امم اميركا الجنوبية.

وهذه المحادثات ادت الى تخفيف التوتر، لكنها كشفت انقسامات المعارضة التحالف الواسع الذي يمتد من الوسط الى اليمين ويرفض جناحه المتشدد الذي يجسده المعارض الشرس للتشافية ليبولودو لوبيز المسجون، هذه المفاوضات ويعول على الشارع.

واتفقت الاطراف على الاجتماع في 11 نوفمبر لكن هذه المحادثات تبقى هشة بسبب غياب الثقة لدى الجانبين.

واعلن تحالف “طاولة الوحدة الديموقراطية” الذي اكد ان استمرار الحوار سيكون مرتبطا “بمبادرات” الحكومة، الاثنين الافراج عن خمسة معارضين للرئيس مادورو.

وقال الناطق باسم تحالف المعارضة خيسوس توريالبا “نحن نقطف اول ثمار استراتيجية الحوار هذه هذا مهم ولكن ليس كافيا ما زال هناك اكثر من مئة سجين سياسي”.

في المقابل، صعد الرئيس لهجته يوم 28 أكتوبر مهددا بسجن قادة المعارضة اذا اطلقوا اجراءات ضده في البرلمان ولم يتراجع عن هذه التصريحات منذ ذلك الحين.
من جهته، حذر احد اكبر قادة المعارضة انريكي كابريليس “اذا كانت هناك انقسامات (…) فلن يتغير الوضع في فنزويلا والساعات المقبلة ستكون حاسمة”.

ومع انها ممزقة بين مختلف الفصائل، ابقت المعارضة على دعوتها الى “مسيرة سلمية” الخميس الى القصر الرئاسي المكان الذي يرتدي طابعا رمزيا كبيرا ففي 11 ابريل 2002 تحولت تظاهرة الى انقلاب واقصي تشافيز عن السلطة لثلاثة ايام.

مادورو باق:

والأمر الذي أصبح شبه مؤكد حاليا هو إكمال الرئيس “نيكولاس مادورو لفترة حكمه حتى يناير 2019 بعد فشل محاولات الجمعية الوطنية لإسقاطه وتنحيته عن منصبه في ظل نجاح الحكومة في تفتيت المعارضة التي تفتقد أصلا لوجود زعامة قوية تمكنها من هزيمة “مادورو” وحزبه الاشتراكي الذي يحكم البلاد منذ نحو 18 عاما.

ويدعم مادورو أيضا إتفاق الدول المنتجة للنفط الشهر الماضي على التحكم بإنتاج الذهب الأسود وهو ما أدى إلى إرتفاع سعر النفط بعض الشيء ما يعطي البلاد الأمل في تحسن وضعها الإقتصادي مما يخفف الضغوط الشعبية والجتماعية على الشارع الفنزويلي.