اخبار مصر / سميحة عبد الحليم

صراع مستتر بدأ يطفو على السطح  بين القارة الأفريقية ، والمحكمة الجنائية الدولية، حيث يعيش الطرفان فترة توتر هي الأسواء في تاريخهم ، بسبب وجود العديد من القادة الأفارقة على قائمة المطلوبين في جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، من قبل المحكمة، وهو ما يراه القادة الأفارقة تجسيدا للكراهية والتركيز على القارة السمراء.

وخلال القمة الأخيرة للاتحاد الإفريقي اجتمع قادة الدول الأفريقية، للتصويت على مسودة تاريخية، هي الأولى من نوعها، وهو الانسحاب الجماعي من المحكمة الجنائية الدولية، التي تلاحق عدد من القادة الأفارقة بتهم جرائم حرب في بلادهم وجرائم ضد الإنسانية، بسبب الحروب الأهلية والنزاعات الداخلية في دولها .
وعلى الرغم من عدم الاتفاق على القرار النهائي بشأن الانسحاب الجماعي، إلا أن الدول شبه استقرت على الانسحاب، ولكن ينقص الألية والتوقيت .،غالبية الدول الأعضاء وافقت على مسودة الانسحاب، باستثناء 3 دول وهم نيجيريا وساحل العاج والسنغال، وهو ما عاق القرار القائم على “الإجماع”، الأمر الذي أدى إلى الرجوع إلى مسودة قانون تم إعدادها في يناير الماضي في أديس أبابا، بناءً على مبادرة من الرئيس الكيني، أهورو كنياتا، والتي تتوقع إعداد خارطة طريق للانسحاب من الجنائية، ولكن هذه الخارطة لم تضع ألية أو توقيت لهذا الانسحاب.
من جانب آخر، طالبت العديد من الدول أنه في حالة قيام المحكمة الجنائية الدولية، بوقف ملاحقتها للرؤساء الأفارقة المطلوبين، فإنه ليس من الضروري أن تقوم الدول الأفريقية بالانسحاب من المحكمة.

عداوة بعد محبة ..

وكانت علاقة الجنائية الدولية بالدول الأفريقية جيدة لفترة طويلة، حتى أن حكومات مثل أفريقيا الوسطى والكونغو الديمقراطية ومالي وأوغندا، دعت المحكمة للتحقيق في جرائم وقعت ببلادها، إلا أن هذه العلاقة توترت في عهد المدعي العام السابق الأرجنتيني، لويس مورنو أوكامبو، الذي فتح ملفات لقضايا في كينيا وساحل العاج، مطالبا بمثول عدد من قادتها أمام المحكمة.
كما أحال أوكامبو إلى مجلس الأمن قضايا بحق الرئيس السوداني عمر حسن البشير عام 2009، بعد اتهامه بارتكاب جرائم حرب في إقليم دارفور، المشتعل منذ عام 2003، وهو ما نفاه البشير.
وفي ليبيا أمر قضاة المحكمة الجنائية الدولية، في 27 يونيو 2011، بتوقيف كل من الزعيم الليبي معمر القذافي، ونجله سيف الإسلام، ومدير المخابرات عبدالله السنوسي، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
هذا التوتر، جعل الدول الأفريقية تدرك أن لوائح المحكمة تستهدفهم على وجه الخصوص، إذ صرح رئيس الاتحاد الإفريقي السابق، جون بينج، أن جميع لوائح الاتهام كانت ضد الأفارقة، متهما مسئولي المحكمة بأنهم يمثلون الاستعمار الجديد.
ويرى بعض الأفارقة أن تركيز المحكمة الجنائية الدولية على جرائم الحرب والمتهمين بارتكابها في أفريقيا، يقابله غضُ بصرها تجاه بعض الأطراف في دول أخرى، مثل: أفغانستان، وكولومبيا، لسنوات دون اتخاذ إجراءات فعلية تُذكر تجاهها.
فعند تسليمه رئاسة الاتحاد الأفريقي لخلفه الرئيس التشادي إدريس ديبي في 2015، قال رئيس زيمبابوى “روبرت موجابى”: إن “اختصاص المحكمة الجنائية الدولية لم أره مطبقا ضد أي شخص جلده أبيض”، على حد قوله، وتساءل “هل الذين لديهم جلود بيضاء معفون من الوصول للمحكمة”، مشيرا إلى أن “جورج بوش وتونى بلير ارتكبا أعمالا فظيعة في العراق، واعترفا بأنهما ارتكبا أخطاء، كما قتلوا صدام حسين ورغم ذلك لم تتم إحالتهما للعدالة”.

وبعد التوتر الذي حدث بين المحكمة ودولة جنوب إفريقيا في منتصف يونيه 2015، خلال مشاركة الرئيس السوداني عمر البشير في القمة الإفريقية، المطلوب من المحكمة،  سارعت المحكمة بالطلب رسميا من جنوب إفريقيا الوفاء بالتزامها تجاه المحكمة باعتبارها عضو فيها، واعتقال الرئيس السوداني المطلوب، وتفاقمت الأزمة سريعا مع إصدار محكمة محلية قرار بمنع البشير من السفر، غير أن حكومة جنوب إفريقيا سمحت بخروج البشير سريا من قاعدة عسكرية، وهو ما أغضب المحكمة الجنائية.
ورأت جنوب إفريقيا أن قرارات المحكمة الجنائية الدولية تعرقل الدول من الوفاء بواجباتها فيما يتعلق بمجال احترام الحصانة الدبلوماسية، وأن المحكمة تفضل استهداف قارة إفريقيا واستبعاد الباقين الذين عرفوا بارتكاب هذه الفظاعات في أماكن أخرى خارج إفريقيا.

جنوب افريقيا ..تهديد وتنفيذ

وبعد الجدل الذي اثاره رفضها توقيف الرئيس السوداني عمر البشير، نفذت دولة جنوب افريقيا  تهديدها باعلان انسحابها من المحكمة الجنائية الدولية، ويدخل القرار حيزالتنفيذ بعد مرور عام من تاريخ استقبال الرسالة التي وجهتها جنوب افريقيا للامم المتحدة .
جدير بالذكر ان جنوب إفريقيا كانت من أوائل الدول المؤيدة لإنشاء المحكمة وذلك بعد سنوات من انتهاء الحرب الأهلية في جنوب إفريقيا وخروجها من حكم الأقلية البيضاء والعزلة شبه العالمية.

ثورة افريقية على الجنائية الدولية ..

وبعد جنوب افريقيا  انسحبت بوروندي، ثم باتت غامبيا ثالث الدول الافريقية المنسحبة من المحكمة الجنائية الدولية،  متهمة اياها بالانحياز إلى الغرب، ومناهضة الافارقة، وعدم التعاون مع القضايا التي تهم القارة السمراء.
وكان وزير الاعلام الغامبي شريف بوجانغ، قد اتهم المحكمة الجنائية الدولية بممارسة “الاضطهاد تجاه الأفارقة، وقادتهم”، مشيرا إلى أن “30 بلدا غربيا على الأقل ارتكبت جرائم حرب” منذ تأسيس هذه المحكمة ولم تتخذ ضدها أي إجراءات.

هذا الانسحاب  شكل صدمة داخل المحكمة بسبب مخاوف متزايدة من توسع قائمة الدول الإفريقية المنسحبة والتي يبلغ عددها 34 دولة عضو من مجموع 54 دولة حيث توقعت عدة مصادر عدم استبعاد انضمام دول إفريقية أخرى ساخطة على عمل المحكمة إلى قائمة المنسحبين ومنها دول كينيا وأوغندا وناميبيا.
وهي المخاوف التي جعلت الأمين العام الأممي بان كي مون وصديقي كابا رئيس مجلس الدول الموقعة على معاهدة روما التي شهدت ميلاد هذا المنتظم القضائي الدولي يدعوان الدول التي تنتقد أسلوب عمل المحكمة إلى عدم الانسحاب وتسوية خلافاتها معها عن طريق الحوار.
وزادت هذه المخاوف بعد تقارير دبلوماسية وصلت الأمين العام الأممي تضمنت إشارات إلى رغبة عديد الدول الإفريقية الانسحاب من المحكمة بعد أن اتهموها بالتحامل ضد الدول الإفريقية.

يذكر أن مسألة الانسحاب من عضوية المحكمة سهلة وصعبة في آن واحد، فهى سهلة من الناحية الإجرائية أولا فلا تتطلب سوى إجازة القانون من البرلمان.. وآخرا، مجرد إخطار الأمين العام للأمم المتحدة بالانسحاب.
، لكنها من الناحية القانونية مكبلة بقيود واردة في قانون المحكمة الذي صادقت عليه الدول الأعضاء واعتمدته وبات ملزما لها إلزاما كاملا حسب القانون الدولي، وذلك القانون يعالج قضية انسحاب عضو من عضوية المحكمة في المادة (127) من قانون روما التي تشرح كيف يتم الانسحاب ومتى ينفذ وما هو الموقف تجاه الالتزامات الناشئة إبان فترة العضوية.

 رؤساء افارقة ملاحقين..

وتلاحق  الجنائية الدولية رؤساء أفارقة كان أولهم الرئيس الكيني، أهورو كينياتا،الرئيس الثاني، هو رئيس ساحل العاج السابق، لوران جباجبو،والرئيس السوداني، عمر البشير ثالثهم ،كما يواجه نائب الرئيس الكيني، وليام روتو، ملاحقة أمام المحكمة الجنائية الدولية .
ومنذ تأسيسها، شهدت المحكمة 23 قضية (مرت بمراحل مختلفة) تعلقت، حصريا، بالقارة السمراء، وفق المعطيات المتوفرة في الموقع الرسمي للمحكمة،وتتعلق اربع محاكمات بالدول التالية: كوت ديفوار وإفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية وكينيا.

كوت ديفوار:

في أواخر يناير الماضي، بدأت المحكمة الجنائية الدولية بمحاكمة الرئيس الإيفواري السابق، لوران غباغبو والملازم شارل بلي غودي، اللذان يواجهان اتهامات بارتكاب 4 جرائم ضد الإنسانية، تتمثل في القتل والاغتصاب وممارسات غير إنسانية أوالشروع في القتل، بالإضافة إلى جملة من الانتهاكات التي تم اقترافها، خلال أزمة ما بعد الانتخابات في كوت ديفوار، عامي 2010 و2011، بحسب المعطيات الرسمية.
وفي 29 فبرايرعام 2012، أصدرت المحكمة مذكرة توقيف دولية بحق سيمون غباغبو، زوجة لوران غباغبو، لضلوعها غير المباشر في 4 قضايا تتعلق بجرائم ضد الإنسانية، إلا أن السلطات الإيفوارية رفضت تسليمها. وانطلقت محاكمتها في ديسمبر 2014 في أبيدجان، وحكم عليها بالسجن عشرين سنة.

إفريقيا الوسطى:

يواجه القائد العسكري ونائب الرئيس السابق لجمهورية الكونغو الديمقراطية، جان بيير بيمبا غومبو، تهما متعلقة بانتهاكات ارتكبتها قواته في إفريقيا الوسطى خلال الفترة الممتدة من 25 أكتوبر/تشرين الأول 2002 إلى 15 مارس/آذار 2003. واعتقل غومبو عام 2008 من قبل السلطات البلجيكية بعد صدور مذكرة توقيف دولية في حقه، وانطلقت محاكمته في 22 نوفمبر عام 2010.

الكونغو الديمقراطية:

سلم بوسكو نتاغاندا، الزعيم السابق للمتمردين الكونغوليين، نفسه ،طواعية، إلى المحكمة الجنائية الدولية في مارس آذار/ 2013، عقب صدور مذكرتي توقيف في حقه.
واتهمته المحكمة بـ 13 جريمة حرب و5 جرائم ضد الإنسانية، من بينها القتل والنهب وتنفيذ هجمات ضد مدنيين والاغتصاب والاستعباد الجنسي في شمال شرقي البلاد، خلال عامي 2002 و 2003.

كينيا:

وتتواصل محاكمة وليام روتو ساموي روتو، نائب الرئيس الكيني الحالي والصحفي جوشوا سانغ، التي انطلقت في 10 سبتمبر 2013.
المتهمين اللذان مثلا للمحاكمة في حالة سراح، وجهت إليهما اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية والمسؤولية الجنائية عن عمليات قتل واضطهاد وترحيل أو نقل قسري للسكان، خلال أعمال عنف عرقية أعقبت الانتخابات التي جرت في كينيا عامي 2007 و2008.
إلى جانب محاكمة الرئيس الكيني أوهورو كنياتا بتهمة ارتكاب “جرائم ضد الإنسانية”، تعتبر هذه المحاكمات لمسؤولين مباشرين لمهامهم، سابقة أولى، في تاريخ المحكمة.

– وتختلف هذه المحاكمات التي تنظر في تهم خطيرة، عن أخرى متعلقة بها، توجه فيها اتهامات بالمس بسير العدالة عبر إغراء شهود المحكمة لتأدية شهادة زور، على غرار، قضية جون بيير بيمبا غومبا” و “ايمي كيلولو موسامبا” و”جون جاك مانجيندا كابونغو” و”فيديل بابالا” و”اندو ونارسيس اريدو”، أو قضية الكيني “والتر أسابيري باراسا”، الذي صدرت في حقه مذكرة توقيف دولية.

التحقيقات الأولية:

تختلف هذه الإجراءات عن القضايا التي فتحتها المحكمة، بإعتبارها في الطور الأولي. وتهدف هذه التحقيقات للتثبت من التهم الموجهة لطرف معين، وفي صورة عدم التمكن من ذلك لن يخضع المشتبه فيه لمحاكمة.
فالأوغندي دومينيك انغوين، أحد قيادات جيش التحرير من أجل الرب، مثل في 26 يناير 2016، أمام المحكمة الجنائية الدولية في جلسة استماع أولية (لتأكيد مسؤوليته بخصوص ارتكاب جرائم ضد الإنسانية).

إجراءات مفتوحة:

وترتبط هذه القضايا غالبا ب”حالة الفرار” التي تهم بضعة “متهمين” وفق رؤية المحكمة، أشهرهم الرئيس السوداني عمر البشير. وبحسب موقع المحكمة الجنائية الدولية من الوارد أن يتحمل عمر حسن البشير المسؤولية الجنائية باعتباره مساهما أو ضالعا غير مباشر في 5 جرائم ضد الإنسانية  وتهمتين متعلقة بجرائم حرب  و3 تهم تتعلق بعمليات إبادة، في دارفور (شرق السودان).
وتواجه شخصيات سودانية أخرى، على غرار وزير الدفاع السابق ومحافظ العاصمة السودانية الخرطوم الحالي، عبد الرحيم محمد حسين، تهما مشابهة.ونفي البشير والحكومة السودانية جملة وتفصيلا كل هذه الاتهامات.

محاكمات منتهية:

المحاكمات الجارية تختلف عن القضايا الأخرى التي سبق أن تم البت فيها، مثل محاكمة جيرمان كاتانغا، قائد “قوة المقاومة الوطنية في إيتوري”، أحد الفصائل المسلحة في شرقي الكونغو الديمقراطية. وحكمت المحكمة بسجن كاتانغا لمدة 12 عاما لارتكابه جرائم ضد الإنسانية، في 23 مايو/أيار عام 2014. واستنفذت كامل العقوبة إثر انتفاعه بتخفيض، ونقل من لاهاي إلى كنشاسا في ديسمبر الماضي، حيث كان مفترضا أن يسترد حريته. ،إلا أن كاتانغا وجد نفسه في حالة تتبع من قبل قضاء بلاده بتهمة المشاركة في حركة تمردية وتجنيد أطفال دون سن 15 سنة، وجرائم ضد الإنسانية.

وتولت “الجنائية الدولية” عدة قضايا تتعلق بجرائم الحرب والإبادة والتطهير العرقي أشهرها في جرائم الحرب  يوغوسلافيا السابقة ولكن كانت المحكمة وقتها عبارة عن محكمة خاصة أسستها الأمم المتحدة لهذه القضية بعينها.

ولكن بعد ذلك أصبح هناك كيان كامل باسم “المحكمة الجنائية الدولية” بميثاق روما الذي وقعت عليه 120 دولة عام 1998 ثم انضمت 3 دول أخرى وليس من بينها الولايات المتحدة ليتم تأسيس الجنائية الدولية رسميا في 2002.
ويرى المنتقدون أن الجنائية الدولية لم تنظر في القضايا التي تورطت فيها دول ثرية أو شخصيات من دول عظمى فعلى سبيل المثال لا توجد ملاحقة لجورج بوش على حرب العراق التي تمت بدون موافقة الأمم المتحدة

لمحة عن التاسيس والاختصاص..

إن فكرة تأسيس محكمة جنائية دولية ليست فكرة جديدة بل تحدث العالم عنها بصورة جدية منذ الحرب العالمية الأولى، وبقيت هذه الفكرة تراود المعنيين بالشؤون الدولية منذ ذلك الحين.، ومن ثم أخذ القانون الإنساني الدولي ينص على معاقبة القائمين على الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان أثناء النزاعات المسلحة والجرائم ضد الإنسانية بصفة عامة.
ولقد أولى ميثاق الأمم المتحدة سنة 1949 اهتماماً خاصاً بمبادئ الامن والسلام الدوليين وأكد أن قيام المنظمة يأتي في ذلك الإطار ليؤكد امتناع الدول الأعضاء عن التهديد باستعمال القوة أو استعمالها بما يخالف مبادئ الميثاق.
كما حوى الميثاق في الفصل السادس وضع نظام لحل النزاعات بالوسائل السلمية، وفي الفصل السابع اتخاذ إجراءات وعقوبات اقتصادية وعسكرية لضمان السلام والأمن الدوليين في حالات الإخلال من أية دولة.
ولم يكتفي المجتمع الدولي بذلك بل سعى إلى ابتداع صيغ جديدة لحماية ضحايا الحرب والنزاعات المسلحة وأدى ذلك إلى النص على اتفاقيات عديدة للوصول إلى هذه الغاية.، وإزاء هذه الخلفية لم يكن من الغريب أن تسعى العديد من الحكومات والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات القانونية والخبراء لتحقيق غاية تكوين هيئة قضائية دولية أو محكمة دائمة مستقلة تختص بالنظر في انتهاكات القانون الإنساني الدولي ومن هنا جاءت فكرة انشاء المحكمة الجنائية الدولية ..
و تأسست المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة مرتكبي اخطر الجرائم التي يدينها القانون الدولي . والمحكمة الجنائية الدولية تختص على سبيل الحصر بثلاث جرائم فقط هي :1-جرائم الإبادة الجماعية.-2-جرائم ضد الإنسانية.-3- جرائم الحرب.

آلية رفع الدعاوي ..

مضى على صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أكثر من نصف قرن من الزمان,ولم يكن بمقدور الدول المهتمة بالشرعية الدولية لحقوق الإنسان توفير الآليات الفعالة لبلوغ الأهداف المنشورة من الإعلان والاتفاقيات والمواثيق الدولية  الأخرى . حيث لا تتعدى الآليات الموجودة إعداد تقارير ومناقشتها وإصدار التوصيات بشأنها .
وشكل غياب الآليات الفعالة قلق العديد من الأشخاص والمؤسسات الناشطة في مجال حقوق الإنسان والذين سعوا إلي اصلاح النظام المعمول به لدى الأمم المتحدة.،وكان لهذا الخلل دور كبير للمطالبة بإنشاء محكمة جنائية دولية دائمة لتوفير الآليات والضمانات الكفيلة بالوقاية من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وتعقب مرتكبيها والمسئولين عنها وملاحقة مجرمى الحرب الإسرائيليين وغيرهم وإيقاع أقصى العقوبات بحقهم.
يشار إلى أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية قد تضمن تحديد اختصاص هذه المحكمة حيث يكون للمحكمة الجنائية الدولية اختصاص فيما يتعلق بجرائم الحرب ولا سيما عندما ترتكب في إطار خطة أو سياسة عامة أو في إطار عملية ارتكاب واسعة النطاق لهذه الجرائم .

وكانت 120 دولة قد وافقت في 17 يوليو 1998 في اجتماع للجمعية العمومية للأمم المتحدة في إيطاليا على ما يعرف بميثاق روما، واعتبرته قاعدة لإنشاء محكمة جنائية دولية دائمة، وعارضت هذه الفكرة سبع دول، وامتنعت 21 عن التصويت.
وقد تعرضت المحكمة لانتقادات من عدد من الدول منها الصين والهند وأمريكا وروسيا، وهي من الدول التي تمتنع عن التوقيع على ميثاق المحكمة.،وتعد المحكمة الجنائية هيئة مستقلة عن الأمم المتحدة، من حيث الموظفين والتمويل، وقد تم وضع اتفاق بين المنظمتين يحكم طريقة تعاطيهما مع بعضهما من الناحية القانونية.

واعتبر الميثاق أن ملايين الأطفال والنساء والرجال في القرن العشرين -الذي شهد حربين عالميتين- قد وقعوا “ضحايا لفظائع لا يمكن تصورها هزت ضمير الإنسانية بقوة” وأنه شهد جرائم خطيرة تهدد السلم والأمن العالمي وأن مثل هذه الجرائم لا يجوز أن تمر دون عقاب.

وقبل ذلك كانت لجنة خاصة قد قدمت – بطلب من الجمعية نفسها- مسودتين لنظام المحكمة الجنائية في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي، لكن المشروع لم ير النور، وبقي معلقا بسبب الإشكالات السياسية التي خيمت على العلاقات الدولية خلال ما عرف بفترة الحرب الباردة بين المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية والمعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفيتي السابق.

وتأسست المحكمة الجنائية الدولية بصفة قانونية في الأول من يوليو/تموز 2002 بموجب ميثاق روما، الذي دخل حيز التنفيذ في 11 أبريل  من السنة نفسها، بعد تجاوز عدد الدول المصادقة عليه ستين دولة.

وحتى الآن صادق على قانون المحكمة 108 دول، وتلتقي في جمعية للدول الأعضاء، وهي هيئة تراقب عمل المحكمة، كما وقعت 41 دولة أخرى على ميثاق روما لكنها لم تصادق عليه بعد.

وتختص المحكمة الجنائية الدولية بمتابعة الأفراد المتهمين بـجرائم الإبادة الجماعية، وتعني حسب تعريف ميثاق روما، القتل أو التسبب بأذى شديد بغرض إهلاك جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية إهلاكا كليا أو جزئيا.

وتعرف  الجرائم ضد الإنسانية: بانها أي فعل من الأفعال المحظورة المنصوص عليها في نظام روما، إذا ارتكب بشكل منظم وممنهج ضد مجموعة من السكان المدنيين، مثل القتل العمد والإبادة والاغتصاب والإبعاد والنقل القسري والتفرقة العنصرية والاسترقاق.

اما جرائم الحرب: تعني كل الخروقات المرتكبة بحق اتفاقية جنيف لسنة 1949، وانتهاك قوانين الحرب في نزاع مسلح دولي أو داخلي.

ويمكن للمحكمة أن تنظر بقضايا أشخاص متهمين بارتكاب هذه الجرائم مباشرة، أو آخرين لديهم مسؤولية غير مباشرة فيها، كالمسؤولية عن الإعداد أو التخطيط، أو مسؤولية التغطية عنها، أو مسؤولية التشجيع عليها.

يقع مقرها بمدينة لاهاي بهولندا، لكن يمكن أن تعقد جلساتها في أي مكان آخر- وهي محكمة مكملة للقضاء الوطني للدول الأعضاء فيها، وتمثل المآل الأخير عندما تكون هذه المحاكم غير قادرة على التحقيق مع المتهمين بالجرائم المذكورة، أو لا تريد ذلك.

يمكن للدول المصادقة على المحكمة أو مجلس الأمن الدولي أن تحيل على المدعي العام قضايا تتعلق بالجرائم التي تختص المحكمة بالنظر فيها، كما يمكن له أن يبادر بفتح تحقيق في أي قضية يرى أنها تستحق ذلك.

ويفرض قانون المحكمة على هذه الدول أن تتعاون معها في التحقيقات والمتابعات التي تباشرها، بأن تسلم المتهمين إن كانوا من مواطنيها، أو تعتقلهم وتسلمهم إن دخلوا أراضيها، وبأن توفر كل الوثائق المتوفرة لديها في أي قضية تفتح المحكمة التحقيق فيها.

ويمكن للمحكمة أن تتعاون مع الدول غير المصادقة على ميثاقها، وذلك عبر تفاهمات أو اتفاقات منفصلة، كما يربط المحكمة بالأمم المتحدة اتفاق ينظم العلاقات وسبل التعاون بينهما، وبذلك تختلف المحكمة الجنائية الدولية عن محكمة العدل الدولية التي تعتبر ذراعا تابعة للأمم المتحدة تهدف من خلالها لحل النزاعات بين الدول.