أخبار مصر

حرب السويس .. 60 عاما من الفخر

في حياة الأمم أيام خالدة وأحداث خالدة ورجال خالدون . لاينساهم التاريخ ويسطرها بحروف تنير للأمم طريقها وتصنع مجدها.

و شهدت الشهور الست الأخيرة من عام 1956 أحداثا تفوق في سرعتها وتأثيرها أحداث قرون مضت وقرون تاليه . بدءا من جلاء بريطانيا عن مصر …
مروورا بتأميم قناة السويس في 26 يوليو 1956 ثم حدوث العدوان الثلاثي على مصر في الفترة من 29 أكتوبر 1956 وحتى 6 نوفمبر 1956 إنتهاء بإندحار العدوان وخروج قواته تجر أذيال الخزي والعار من مصر في 23 ديسمبر 1956 .

وإنتصار إرادة مصر شعبا وجيشا وقيادة على قوى العدوان التي أرادت أن تنهي إستقلال مصر وقرارها قبل أن تنعم به.

مقدمات الأزمة:
الثامن عشر من يونيو 1956 يشهد خروج آخر جندي بريطاني من أرض مصر التي تتنسم عبير الحرية لأول مرة منذ عدة قرون، لأول مرة منذ 440 عاما لا يدنس أرض مصر محتل أجنبي.

ولآول مرة منذ دخول العثمانين مصر عام 1516 يحكم مصر رجل مصري من أبوين وجدود مصريين لأول مرة يكون قرار مصر بأيدي أبنائها.
مصر الطاهرة أصبحتبقيادة أبنائها.

خرجت جيوش بريطانيا العظمى من مصر في 18 يونيو 1956 بعد أن دنست أرضها بأقدامها قبل 74 عاما .

وفي الرابع والعشرين من يونيو 1956 تم إنتخاب :جمال عبد الناصر: رئيسا لجمهورية مصر بعد أن شغل منصب رئيس الوزراءلثلاث سنوات .

وكان في هذه الفترة الحاكم الفعلي لمصر ، خاصة بعد تنحية “اللواء محمد نجيب” من منصبه كأول رئيس لجمهورية مصر يونيو 1953- نوفمبر 1954.

وبقدر حيوية وشباب حركة الضباط الأحرار وزعيمها، كانت الإجراءات الثورية على نفس القدر من الحيوية وكانت مصر تمد يدها لمساندة الثورات وقوى التحرر فى العالم، فحازت لنفسها ولزعيمها آنذاك جمال عبد الناصر مكانة استثنائية.

وقادت الدول النامية لإنشاء مجموعة عدم الانحياز بالتعاون مع الهند بزعامة نهرو، ويوغوسلافيا بزعامة تيتو.

وكان الهاجس الأكبر لمصر هو ترويض النهر الاطول على الكرة الأرضية: النيل الذى كانت مصر خاضعة لأهوائه ونزقه فى الفيضانات المخربة ودورات الجفاف الرهيبة التى كانت تقضى على الزرع والثروة الحيوانية والبشر أنفسهم.

وكان ذلك الترويض ضرورة لإطلاق طاقات القطاع الزراعى وتحديثه ولإعفاء مصر من التكاليف الرهيبة للفيضانات والجفاف. وكان إيمان عبد الناصر بضرورة هذا الترويض للنيل عميقا وقويا إلى أبعد الحدود، ودافعا لملحمة بناء سد مصرالعالي.

وبداية فإن مصر عندما فكرت فى بناء السد العالى لم تتجاوز على حقوق أى دولة أخري، لأنها ببساطة هى دولة المصب أو الدولة الأخيرة على مجرى النيل. وبالتالى فإن اى تصرفات لها لا تضر أى دولة اخري.

وهى تصرفات استهدفت إنقاذ المياه التى تصل إليها من التبدد فى البحر فى موسم الفيضان وتم ترتيب حياة البشر والزرع والثروة الحيوانية على كل قطرة من مياه النيل التى تشكل الحصة المصرية.

لكن قادة بريطانيا ،وخاصة”أنتوني إيدن” رئيس وزرائها كان يشعر بالمرارة بعد أن أجبره جيش مصر بقيادة الزعيم الشاب “جمال عبد الناصر: على الرحيل من أهم مستعمرات بريطانيا في الشرق كله وكان يخطط كل يوم ، هو ومخابراته لقتل هذا الشاب الأسمر كي يستمر نفوذ بريطانيا في بلاد النيل.

تقدمت مصر للبنك الدولي بطلب تمويل بناء “السد العالي ” لحماية مصر من فيضان النيل وتخزين مياهه للمستقبل وتوسيع الرقعة الزراعية وتوليد الكهرباءوالتمهيد لبناء نهضة صناعية وإنارة قرى مصر المحرومة من الكهرباء.

أعلنت بريطانيا وأمريكا موافقتهما المبدئية على المشروع…. لكن وفجأة -بعد 31 يوما من خروج بريطانيا من مصر – وبالتحديد يوم 19 يوليو1956 سحبت بريطانيا وأمريكا موافقتهما على تمويل المشروع بعد أن أدركا فائدته العظمى لتحقيق الإستقرار والنهضة والإستقلال الاقتصادي والعسكري المصري.

ومثل هذا الإستقرار سوف ينهي تماما أي نفوذ لبريطانيا أو للغرب على منطقة الشرق الأوسط بأسرها ويهدد وجود إسرائيل .

الرد القاسم:

كان مشروع بناء “السد العالي ” بالنسبة لمصر بمثابة مشروع حياة أو موت ورأي “ناصر” أن سحب التمويل لم يكن إلا رد على التوجه الإستقلالي للقيادة المصرية الجديدة وإتباعها لسياسة الحياد الإيجابي وعدم الإنحياز ، ولتوجه مصر للمعسكر الشرقي لشراء صفقات سلاح متقدمة إثر رفض الغرب تسليح الجيش المصري.

كان قرار سحب التمويل يعني تعجيز مصر عن الانتقال إلى عالم مستقل إقتصاديا وناهضا صناعيا وزراعيا .

فكر “جمال عبد الناصر : في بدائل لإيجاد التمويل الذي يحتاجه تنفيذ هذا المشروع طموح. وفي نفس الوقت في رد مناسب يرد به على ضربة القوة الإستعمارية لطموحات مصر المستقبلية.

وفي السادس والعشرين من يوليو 1956 فاجىء الزعيم الشاب :جمال عبد الناصر: العالم كله بقرار يعبر عن روح الشباب والإرادة المصرية الحرة التي لا تنكسر أمام قوى الظلام التي لا تريد لمصر الخير وتريد أن تستذلها وتسحق قدرتها على النهوض وصنع مستقبلها بيدها… وقف “جمال عبد الناصر” أمام أبناء شعبه وأعلن :تأميمالشركة العالمية لقناة السويس شركة مساهمة مصرية.

كان هذا القرار يحقق الهدفين اللذين فكر فيهما عبد الناصر .. تمويل بناء السد والإنتقام من القوى الإستعمارية .

كانت إيرادات قناة السويس السنوية توفر لمصر ما يكفيها لبناء السد في كافة مراحله على مدى السنوات العشر التي يستغرقها المشروع…. إذ كانت القناة تحقق لمصر دخلا يقدر ب 35 مليون جنيه سنويا .

لاقى هذا القرار ، بالطبع ” تأييدا شعبيا جارفا ، ليس داخل مصر مصر وحدها ، بل وفي أنحاء العالم العربي كله. وفي نفس الوقت قوبل القرار برفض عارم من أصحاب المصلحة من مالكي الأسهم في شركة قناة السويس ومن القوى ستعمارية وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا اللتان كانتا في نفس الوقت تستحوذان على أكبر قدر من أسهم القناة.

كان القرار قاصما ومؤلما لقوى الإستعمار ومخيفا لإسرائيل فهو يوضح قوة الإرادة المصرية وخروج القرار المصري من دائرة التبعية للغرب.

فقامت إنجلترا وفرنسا بتقديم إنذارا لمصر بتجميد الأرصدة والأموال المصرية في إنجلترا وفرنسا ورفضت مصر هذا الإنذار كما اقترحتا عقد مؤتمر
في لندن بشأن تدويل القناة فرفضت مصر اقتراحهما وبناء علي ذلك عملت إنجلترا وفرنسا علي إعاقة العمل في القناة فقامت الدول الاستعمارية بسحب مرشديها ، وهنا ظهرت الوطنية المصرية فحل المرشدون المصريون محل المرشدين المنسحبين وقاموا بأداء واجبهم خير قيام مما أذهل العالم كله علي الرغم من مرور عدد كبير من سفن الغرب عبر القناة لإضعاف كفاءة المرشدين المصريين الذين واصلوا العمل بالليل والنهار واستمرت القناة مفتوحة للملاحة العالمية ولم تتوقف لحظة واحدة .

وقامت إنجلترا وفرنسا بتجميد أموال مصر وأرصدتها المودعة في بنوكها والتي تقدر بحوالي 112 مليون جنية إسترليني وتوالت التهديدات والحرب النفسية علي مصر وقيام مشروع جمعية المنتفعين وتم عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي حيث انتهى باقتراح لعقد مؤتمر في جنيف لبحث الوضع بين مصر والدول المهتمة بالملاحة في قناة السويس تحدد انعقاده يوم 29 أكتوبر عام 1956 .

و تلاقت مصالح “محور الشر “بريطانيا وفرنسا وإسرائيل” إسرائيل و فرنسا و بريطانيا تتواطأ :البريطانيون و الفرنسيون و الإسرائيليون كانت لديهم جميعاً مشاكل مع حكومة عبد الناصر في ذلك الوقت. و قرروا إستغلال أزمة تأميم القناة كـسبب لمهاجمة مصر.

كان لكل دولة من الدول التي أقدمت على العدوان أسبابها الخاصة للمشاركة فيه من هذه الأسباب:-

توقيع مصر اتفاقية مع الاتحاد السوفييتي تقضي بتزويد مصر بالأسلحة المتقدمة و المتطورة بهدف تقوية القوات المسلحة لردع إسرائيل، مع العلم أن توقيع هذه الاتفاقية لم يأت إلى بعد رفض الدول الغربية تزويد مصربالأسلحة.

الأمر الذي أثار حماسة إسرائيل للاشتراك في هذا العدوان لأنها رأت أن تزود مصر بالأسلحة المتطورة التي تهدد بقاءها.

دعم مصر للثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي و إمدادها لها بالمساعدات العسكرية مما أغضب فرنسا و حرضها على المشاركة في العدوان.

تأميم قناة السويس الذي أعلنه الرئيس جمال عبد الناصر في يوم 26 يوليو عام 1956م. هذا التأميم منع إنجلترا وفرنسا من التربح من القناة التي كانت تديرها قبل التأميم، و بذلك دخلت إنجلترا في العدوان الثلاثي.

و خططوا سراً أن تقوم إسرائيل بمهاجمة و الاستيلاء على القناة. ثم يقوم الفرنسيين و البريطانيين بالتدخل كـ قوات لحفظ السلام و يقومون بالسيطرة على القناة.

وكان قرار العدوان تطبيقا لما سمي ب “بروتوكول سيفر” الموقع بين شركاء العدوان في حي “سيفر” الباريسي في 24 أكتوبر 1956 وكان ينص على ما يلي:
لا تنشر إلى الأبد بروتوكول سيفر ‏24‏ أكتوبر سنة‏1956‏ :-

‏*‏ تقوم القوات الاسرائيلية بخلق حالة صراع مسلح علي مشارف قناة السويس لتستغلها بريطانيا وفرنسا كذريعة للتدخل العسكري ضد مصر‏.‏

‏*‏ توفر القوات الجوية الفرنسية الحماية الجوية لاسرائيل كما توفر القوات البحرية الفرنسية الحماية البحرية للمياه الاقليمية الاسرائيلية‏.‏

‏*‏ تصدر بريطانيا وفرنسا إنذارا مشتركا لكل من مصر واسرائيل لوقف اعمال القتال والابتعاد عن القناة مع قبول مصر احتلال منطقة القناة احتلالا مؤقتا بواسطة القوات الانجلو فرنسية لحماية الملاحة البحرية فيها‏.‏

‏*‏ تقوم القوات الجوية البريطانية بتدمير المطارات والطائرات والأهداف العسكرية المصرية وتحقق السيطرة الجوية في سماء مصر‏.‏
‏*‏ تدافع فرنسا عن موقف اسرائيل في الأمم المتحدة وفي الوقت نفسه تبذل بريطانيا جهودها بصفة سرية بالاتصالات الخاصة لمساندة اسرائيل دون أن تكشف علانية عن ذلك حتي لا يضار مركزها في الوطن العربي‏’.‏

ووقع الاتفاق كل من‏:‏ باتريك دين المستشار القانوني للحكومة البريطانية وكريستيان بينو وزير خارجية فرنسا ودافيد بن جوريون رئيس الوزراء ووزير دفاع إسرائيل‏،‏ واتفق علي ان يحتفظ كل طرف بنسخته ولا يظهرها أبدا‏..!!‏

وقد حصل بن جوريون علي الاتفاق بسرور بالغ وعاد في اليوم نفسه إلي إسرائيل لتبدأ خطوات العمل التنفيذية في اليوم التالي مباشرة.

بداية العدوان:-

في التاسع والعشرين من أكتوبر 1956 نفذت إسرائيل هجومها على سيناء ونشبت الحرب ،حيث قام الجيش الإسرائيلي بشن هجوم على الكونتلا على حدود سيناء الجنوبية كما توغلت قوات إسرائيلية في صحراء سيناء عن طريق القسيمة ورأس النقب وكانت خطة إسرائيل تهدف إلى التقدم رأسا إلى الإسماعيلية بعد احتلال أبو عجيلة ، بدأت الخطة المصرية بهجوم جوى على قوات إسرائيل المتقدمة حيث فشل الهجوم الإسرائيلي ثلاث مرات ودفعت مصر بقوات هائلة لعبور القناة لتتجمع في بير روض سالم وسط صحراء سيناء.

أغارت الطائرات البريطانية والفرنسية على المدن المصرية ” القاهرة والإسكندرية ومدن القناة ” وركزت الضرب على الأهداف المدنية والعسكرية
فأصيبت المستشفيات والمدارس ودور العبادة.

وفى هذا اليوم قطعت مصر علاقتها مع إنجلترا وفرنسا ، وأعلن الرئيس الراحل / جمال عبد الناصر التعبئة العامة وعين نفسه حاكما عسكريا عاما على البلاد .

الإنذار البريطاني – الفرنسي لمصر 30 أكتوبر 1956

توجه السير إيون كيركجاتريك السكرتير الدائم في الخارجية البريطانية، في الساعة السادسة والربع بتوقيت القاهرة مساء 31 أكتوبر 1956، وفي صحبته السيد بينو الفرنسى إلى السفارة المصرية في لندن وسلما إلى السفير المصري انذارا موجها من كل من فرنسا وبريطانيا (أنجلو-فرنسي مشترك) توجهه كل من الدولتين إلى كل من مصر وإسرائيل، وتسلم القائم بالأعمال في السفارة الإسرائيلية نفس الإنذار بعد عشر دقائق من تسليمه للسفير المصري.

وأعطت الدولتان مصر واسرائيل مهلة 12 ساعة لقبوله وجاء في انذارهما:

«أن الحرب القائمة بين مصر وإسرائيل من شأنها أن تعطل حرية الملاحة في قناةالسويس ولذلك وحتى تقف الحرب فوراً ولكي تستمر حرية الملاحة طلبت الحكومتين البريطانية والفرنسية ما يلي:

1 – إيقاف العمليات الحربية في الأرض والبحر والجو.
2 – أن تتراجع كل من القوتين المتحاربتين وتنسحب القوات العسكرية الى مسافة عشرة أميال من قناة السويس .
3 – تقبل مصر احتلال القوات البريطانية والفرنسية للمواقع الرئيسية في بورسعيد والأسماعيلية والسويس.
4 – ترد وتجيب الدولتان على هذه المطالب في مدى أقصاه 12 ساعة في موعد أقصاه الساعة السادسة والنصف من صباح الثلاثاء 31 أكتوبر ، على أنه اذا انقضى هذا الأجل ولم تنفذ أحد الدولتين أو كلتاهما هذه المطالب فإن القوات المسلحة لكل من بريطانيا وفرنسا ستتدخلان بالقدر وبأى قوة يرونها ضرورية لضمان الأمتثال لهذا التبليغ ولضمان اجابة طلبهما.»

مصر ترفض الانصياع رفضت مصر الانصياع للإنذار الفرنسى الإنجليزى، وإثر هذا هاجمت القوات الإنجليزية الفرنسية منطقة القناة ولكنها عجزت عن التقدم نحوالإسماعيلية بسبب شدة المقاومة المصرية.

وعملت بريطانيا وفرنسا على تطويق الجيش المصرى فى سيناء لكن القيادة المصرية فوّتت عليهم الفرصة، وارتدّت إلى الخلف وأخلت سيناء فتقدم الجيش الإسرائيلى واحتلها.

اشتدت مقاومة الجيش المصري للهجوم الأنجلو بريطاني على مدينة بورسعيد فقررت قيادات العدوان تكثيف هجماتها الجوية على المدينة .

أيام المعركة الخميس الأول من نوفمبر عام 1956 صدرت الأوامر لسفينة التدريب الحربية دمياط بالتوجه إلى شرم الشيخ فتصدت لها بعض من قطع الأسطول البريطاني وطلبت منها الاستسلام بعد محاصرتها فرفضت الاستسلام وفتحت القطع البحرية البريطانية نيران مدافعها عليها فأخذت تقاوم برئاسة قائدها الصاغ محمد شاكر حسن إلى أن غرقت في مياه خليج العقبة وأبى قائدها التسليم وقدم حياته فداء لمصر وثمنا لكرامتها.

وفى ظهر هذا اليوم غادر محطة سكة حديد بورسعيد آخر قطار كذلك أوقف المرور من طريق الشاطئ المتجهة لدمياط وأصبح المنفذ الوحيد لمدينة بورسعيد عبر بحيرة المنزلة ، وكثفت إنجلترا وفرنسا غاراتها الجوية على القاهرة والإسكندرية وعلى قواتنا التي تعبر القناة كما قامت بضرب السفينة عكا أثناء عبورها القناة وأدى غرقها إلى إيقاف الملاحة في القناة ، وأعلنت في هذا اليوم الحراسة على أموال الرعاية البريطانيين والفرنسيين والأستراليين وقد بلغت تلك المؤسسات نحو 1500 مؤسسة تشمل كافة نواحي الحياة الاقتصادية ومرافق الخدمات في مصر.

وفي هذا اليوم عين المحافظ الأستاذ محمد رياض حاكما عسكريا على مدينة بورسعيد وبانتهاء هذا اليوم كان الجيش المصري قد نفذ أوامر قادته بالانسحاب من صحراء سيناء وخرج سليما من الكمين المعد له ، وقد لاحق الطيران البريطاني والفرنسي القوات المنسحبة بعد أن أحبطت مؤامراته وعادت إلى القناة فقامت تلك الطائرات بتحطيم كوبري الفردان لمنعها من العبور إلى الضفة الغربية وهنا ظهر دور سلاح المهندسين المصري الذي نجح في جعل تلك القوات تعبر القناة بسلام.

الجمعة الثاني من نوفمبر عام 1956 :-

أصدرت الأمم المتحدة قرارها بوقف إطلاق النار فوافقت عليه مصر ولم توافق عليه فرنسا وإنجلترا إلا يوم 6 نوفمبر وقامت السلطات المصرية بتوزيع الأسلحة على أبناء بورسعيد وأفراد المقاومة الشعبية استعدادا لكافة احتمالات الهجوم على المدينة حيث تم توزيع 50 ألف بندقية وكثفت الطائرات البريطانية غاراتها على المدن المصرية وضربت الأهداف المدنية في أبى زعبل وعين شمس وأبو حماد ، وفي هذا اليوم ألقى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر خطابه التاريخي بالجامع الأزهر حيث ألهب فيه الشعور ” سنقابل – سنقاتل “.

السبت الثالث من نوفمبر عام 1956 :-

صدرت أوامر بإغراق خمس سفن عند مدخل القناة لإغلاقها منعا لتكرار احتلال مصر عن طريق القناة كما حدث أيام عرابي باشا عام 1882 وقد حاولت بعض القطع البحرية إنزال قوات كوماندوز بحرية بالسويس توطئة لوصولها لبورسعيد إلا أن زوارق الطوربيد المصرية تصدت لها وأغرقت ثلاث قطع بحرية منها مما أدى إلى انسحاب باقي القطع إلى قاعدتها في عدن ، وفي ذلك الوقت ضربن الطائرات المغيرة طابية السلام انتقاما من إصابة مدافعها لبعض الطائرات المغيرة ثم نقلت القيادة المصرية مدفعيتها لموقع آخر على الشاطئ أمام مبنى محافظة القناة .

الأحد الرابع من نوفمبر عام 1956 :-

اقترب الطراد الفرنسي ” جان بارت ” من المياه الإقليمية المصرية في البحر الأبيض المتوسط فتصدت له زوارق الطوربيد المصرية بقيادة الصاغ البحرى جلال دسوقى والملازم بحرى جول جمال الذي أطلق على الطراد طوربيدا أصابه إصابة مباشرة شطرته نصفين فغرق بمن فيه ولولا أن الطائرات الفرنسية التي تحرس الطراد تصدت لزورق الطوربيد المصري وأغرقته واستشهد البطلان … كما أغارت الطائرات البريطانية والفرنسية على كوبري الفردان الواقع على القناة فدمرته … كذلك أغارت على بورفؤاد وأحدثت خسائر فادحة في مبانيها.

حجم القوات المعتدية :-

واجه الشعب والجيش عام 1956 القوات المعتدية طبقا لما جاء بالكتاب الأبيض التى أصدرته الحكومة البريطانية :

قوات بريطانية برية تضم اللواء السادس عشر مظلات واللواء الثالث من الفدائيين البحريين ” الكوماندوز البحريين ” الفرقة الثالثة والفرقة العاشرة والفرقة الثانية التي كانت في ألمانيا وكتيبتي دبابات سينتورين .

قوات فرنسية برية تضم الفرقة العاشرة والفرقة السابعة السريعة الميكانيكية والفرقة الخامسة المدرعة والفرقة الرابعة مشاة وجميعها سحبت من الجزائر ولواء مظلات ولواء فدائيين بحريين وكتيبتي دبابات وأطقم قتال خاصة ” عربات مدرعة مركب عليها هاونات ثقيلة ” قوات جوية بريطانية تقدر بخمسمائة طائرة من الطائرات المقاتلة ومن ناقلات جنود … قوات فرنسية تقدر بمائتي طائرة .

أما الأسطول البريطاني فكان يتكون من 5 حاملات طائرات و5 طرادات وأثنى عشر مدمرة وإحدى عشر سفن حاملات جنود ودبابات وسبع غواصات و14 كاسحة ألغام و 11 سفينة إنزال جنود ودبابات ، يضاف إلى تلك القوات البحرية التي شاركت في الجنوب في الهجوم على السويس وهى ثلاث مدمرات وبارجة وحاملة طائرات وبعض السفن المساعدة.

أما الأسطول الفرنسي فكان يتكون من ثلاث حاملات طائرات وبارجة واحدة وطرادين وأربع مدمرات ثمان فرقاطات وثلاث غواصات وزوارق إنزال .

وقد قدرت القوات المشتركة التي هجمت على شاطئ بورسعيد صباح يوم الثلاثاء السادس من نوفمبر عام 1956 بحوالي 50 ألف جندي بريطاني وفرنسي من أقدم المحاربين وألف طائرة نفاثة ومئات القطع البحرية .

توزيع القوات المصرية في بورسعيد :-

منطقة الجميل : بها سريتان الأولى من الكتيبة 291 مشاة والثانية من كتيبة الحرس الوطني.
منطقة الجبانة : سريتان من الكتيبة الرابعة مشاة.
منطقة المناخ : بطارية مدافع صاروخية .
منطقة الشاطئ : سرية من الكتيبة 291 مشاة ، ثلاث سرايا من الكتيبة الرابعة.
منطقة الرسوة : مشاة من وحدة احتياطي.
منطقة شركة القناة : سرية من الكتيبة 291 مشاة .
منطقة بورفؤاد : سريتان من الكتيبة 275 مشاة .

وكان قائد منطقة بورسعيد العسكرية اللواء سعدى نجيب أيام المعركة الكبرى الاثنين الخامس من نوفمبر عام 1956 أغارت الطائرات البريطانية القادمة من القاعدة البريطانية في قبرص والطائرات الفرنسية من فوق حاملات الطائرات الفرنسية على مدينة بورسعيد مستخدمة قنابل النابالم وركزت ضربها على المدينة في منطقة الجميل والجبانة والرسوة وببوفؤاد تمهيدا لاسقاط مظليين بتلك المناطق ولكن المقاومة الشعبية المدعمة من القوات المسلحة قاومت ببسالة منقطعة النظير .. ففي السابعة صباحا تم اسقاط كتيبة قوامها 250 ضابطا وجنديا بمنطقة الجميل أبيدت بالكامل بعد أن استخدم الأهإلى السلاح الأبيض .. وبدأ الأهإلى يتيقنون ضراوة الأيام القادمة من المعركة فقاموا بتهجير النساء والشيوخ والأطفال إلى دمياط والمطرية عبر بحيرة المنزلة بواسطة اللنشات والمراكب الشراعية فاكتظت محطة اللنش التى كانت موجودة بشارع الأمين بكثير منهم .. وأغارت أسراب الطائرات على تلك المنطقة فغرق كثير من النساء والشيوخ .

وقد عاودت القوات المغيرة التحليق فوق سماء بورسعيد وقامت باسقاط مظلات وهمية تحمل دمى قماش لاكتشاف مناطق تمركز القوات
المدافعة عن المنطقة وبعد أكتشاف مواقع تلك القوات المدافعة عن المدينة ضربتها ضربا شديدا فاستشهد عدد كبير من الأهإلى وبعد ذلك تم اسقاط الكتيبة الثالثة مظلات البريطانية التى أطلق عليها الشياطين الحمر والتى هبطت على دفعتين : الأولى في الساعة الحادية عشر والدفعة الثانية في تمام الساعة الثانية والنصف وذلك في منطقتى الجميل والجبانة وقدرت بنحو 1200 ضابط وجندى وفي نفس الوقت اسقطت كتبية مظلات فرنسية قوامها 600 ضابط وجندى بقيادة النقيب فورمينيه على منطقة الرسوة فأحتلت وابور المياه ..

بعد أن تصدت لها القوات المتمركزة بقيادة الملازم أول احتياط محمد أبوعاشور .. كما أسقطت قوات مظلية فرنسية أخرى قوامها 400 ضابط وجندى على مدينة بورفؤاد التى كانت شبه خاليه الا من القوات المدافعة وابيدت اعداد كبيرة منها كبدت القوات الفرنسية خسائر فادحة لدرجة ان القائد الفرنسى هدد بنسف مدينة بورفؤاد بالكامل اذ لم تكف قوات المقاومة عن التصدى لقواته ، أما في منطقة الجميل فقد اسقطت قوات مظلية قوامها 350 ضابط وجندى ابيدت بالكامل ، وقد باتت المدينة بدون ماء وكعرباء نظرا لضرب وابور النور واحتلال وابور المياه .. وفي منتصف السادسة مساء شب حريق كبير في المناخ حيث كانت مخازن الأخشاب ..

كذا اشتعلت النيران في الكبائن الخشبية المملوكة للأهإلى كذا مبنى محافظة القناة وضربت الطائرات مستودعات البترول بالرسوة فاشتعلت النيران من كل جهات المدينة … وفي هذا اليوم وجهت روسيا انذارها إلى كل من إنجلترا وفرنسا وهددت بأنها ستضربهما بالصواريخ الموجهة ان لم يوقفا عدوانهما على مصر.

عند مطلع الفجر بدأ السلاح الجوي البريطاني والفرنسي في قصف المدينة بطريقة مركزة وبعدها قام الأسطول بقصف المدينة ، فتم تدمير حي المناخ بالكامل وأحرقت ودمرت منازل حي العرب علي امتداد شوارع توفيق وعبادي وعباس فشبت الحرائق وانهارت المباني علي سكانها واختلطت جثث الشهداء بأنقاض المباني – وكان أكبر الشهداء سناً الحاج / حسن مصطفي القاضي الذي استشهد في ذلك اليوم بشارع توفيق أثر تهدم منزله عليه وفي تمام الساعة الحادية عشر صباحاً بدأ إنزال القطع البرمائية لاحتلال الشاطئ حاملة رجال الكوماندوز البحريين وقد ظهر علي معدات تلك الحملة الحرف H نسبة إلي كلمة Hussars أي الفرسان وبعد ذلك تبعتها البعابع المحملة بالدبابات وذلك تحت ستار سحب الدخان السوداء الكثيفة المتراكمة علي الشاطئ حيث استغل العدو ذلك الدخان في انزال كتيبة من القوات البحرية الانجليزية وأورطة دبابات ولم يمكن صد هذا الهجوم الهائل بسبب تدمير بطاريات المدفعية الساحلية كما اقترب الاسطولان البريطاني والفرنسي من رصيف دي ليسبس وانزلت البعابع الدبابات السنتريون الضخمة والمصفحات إلي المدينة من جهة حي الافرنج عند رصيف الميناء من نقطتين الأولي عند الكازينو بالاس والثانية عند تقاطع شارع السلطان حسين ومحمد محمود وعند النقطة الثانية تخفي رجال المقاومة في زي رجال الإسعاف وأمطروهم بوابل من الرصاص وقام الانجليز باحتلال جميع عمارات طرح البحر بعد طرد سكانها كما استولوا علي المدارس والفنادق داخل المدينة وقد شوهد اشتراك قطع حلف الاطلنطي في ذلك الهجوم البحري وقد تقدمت قوات المظلات التي هبطت في مطار الجميل علي الساحل والتقت القوتان تتقدمهما الدبابات ورفعت علي أبراجها العلمين المصري والروسي لخديعة الشعب البورسعيدي فالتف حولها المواطنين مهللين وفجأة أطلقت مدافع هذه الدبابات النار عليهم ثم احتلت بعضها الشوارع والميادين بينما اتجه البعض الأخر إلي كبري الرسوة وتبع ذلك قوات العدو من المشاه التي أخذت تتقدم نحو شارع محمد علي وكانت ينتظرها فوق أشجار حديقة الباشا أفراد المجموعة الثانية للفدائيين فقامت بفتح نيرانها فقضت تماما علي تلك القوات المتقدمة ..
ثم إنتقل أفراد تلك المجموعة إلي شارع عبادي ، فجاءات قوات مشاه بريطانية أخري وقامت بإطلاق نيرانها علي اشجار حديقة الباشا ظنا منها بوجود أفراد المقاومة الشعبية أو جنود مصريين أعلي تلك الأشجار وتحول القتال إلي شارع عبادي حيث دارت معارك بين الفدائيين والقوات المعتدية ظهرت فيها بطولات نادرة لأبناء هذا الشارع حيث استشهد الشقيقين يسري ووجدي بخيت أسفل بواكي هذا الشارع وامتد عدوان تلك القوات الغزية إلي الشيوخ والأطفال والنساء الذين تهدمت منازلهم ولجأوا للجامع العباسي فاقتحموا الجامع وقتلوا الكثير بحثاً عن الفدائيين وقد ترتب علي القصف الجوي تدمير المنازل وتشريد ما يزيد عن خمسة ألاف أسرة بلا مآوي .

الاربعاء السابع من نوفمبرعام 1956 :-

علي الرغم من قرار وقف اطلاق النار إلا أن القوات البريطانية والفرنسية طوقت مدينة بورسعيد فحاصرت الدبابات المناطق الأهلة بالمدنيين وبدأت في ضربها .. وتصدي العدو لرجال البوليس وجمع منهم السلاح .. مما جعل قوات المقاومة الشعبية تنظم صفوفها برئاسة الصاغ مصطفي كمال الصياد وذلك داخل عشر مجموعات وكان اليوزباشي/ محمد سامي خضير يقود المجموعة الثامنة ببسالة لمقاومة العدوان .. وقد أديرت عمليات المقاومة الشعبية من حجرة ضابط المباحث بالدور العلوي لبوليس العرب .. كما قامت القوات البريطانية بجمع أجهزة الراديو من المنازل والمحال حتي لا يسمع الأهالي نشرات الأخبار .. خلت المدينة من الطعام اللهم إلا من البطاطس والأرز المخزون في جمرك بورسعيد حيث تم توزيعها علي الأهالي وفي هذا اليوم قامت قيادة المقاومة بطبع أول منشور بعنوان سنقاتل / سنقاتل في مطبعة محمد شاكر مخلوف وقد تخصص في كتابة تلك المنشورات أحمد عبد اللطيف بدر وأحمد قوره وحلمي الساعي والعصفوري والدسوقي ومختار وذلك تحت مجموعتين أطلق عليهم “الهتاشاما” وامتد طبع المنشورات إلي مطبعة السيد المغربي وكانت هناك منشورات باللغة الانجليزية والفرنسية توزع داخل معسكراتهم بمعرفة الفدائيين أو أفراد منطقة ” أيوكا ” القبرصية من العاملين معهم .

بدأ كمال الصياد قائد المقاومة الشعبية بالاستعداد للأيام القادمة كيف ينقل الأسلحة والذخائر والمعدات إلي داخل المدينة والحصار الشديد طوق المدينة من جميع جهاتها فهداه تفكيره إلي بحيرة المنزلة المترامية الأطراف من الحد الغربي للمدينة واتجهت أنظاره إلي صيادي الأسماك المنتشرين في جميع جهاتها لكن أيهم يتحمل هذا العبء وتلك الأمانة الوطنية التي تحتاج إلي دقة وحذق ومهارة اأن فشل تنفيذها أو إكتشاف سرها سيمنع من وصول الذخائر والأسلحة والفدائيين لبورسعيد .. جميع الصيادين كان الحماس يملأهم والوطنية في دمائهم الكل يرغب في التضحية والفداء من أجل مصر ..

وإنتهي الرأي علي اختيار الريس محمد زكي عبد المنعم وأشقائه للقيام بتلك المهمة وقد لعبوا دوراً هاماً وكبيراً في الأيام التي تلت ذلك في مد الفدائيين وقوات المقاومة الشعبية بالأسلحة والذخائر التي يخفونها أسفل الأسماك التي يصيدونها من بحيرة المنزلة وفي منتصف الليل أصدرت الأمم المتحدة نداء للقوات المعتدية بوقف القتال فوراً وعدم التقدم عن الأماكن المحتلة .. فوافقت القيادة البريطانية والفرنسية ببورسعيد علي قرار الأمم المتحدة السابق صدوره في الثاني من نوفمبر 1956 وتم وقف إطلاق النار إلا أن القوات المعتدية لم تلتزم بهذا القرار وكما سيأتي ذكره من خلال أيام المعركة التالية
.
الخميس الثامن من نوفمبر عام 1956 :-

نظمت قوات المقاومة الشعبية صفوفها فقامت بطبع المنشورات وتوزيعها وكانت تحث علي مقاومة العدو والجهاد في سبيل الوطن .

ونجح المحافظ والحاكم العسكري للمدينة الأستاذ محمد رياض في بث روح المقاومة السلبية بين صفوف أبناء الشعب البورسعيدي فأغلقت المحال أبوابها في وجه الأعداء ورفضت التعامل مع تلك القوات كما نجح في بث تلك الروح بين العمال الذين رفضوا العمل والتعاون مع الأعداء علي الرغم من المحاولات الكثيرة ووسائل الترغيب وكان يعاون المحافظ في ذلك العمل ضباط المباحث وعلي رأسهم محمود عبد الحي صلاح ومنير الألفي .. ولم ينس المهندس محمد توفيق الديب ” مدير البلدية ” يوم أن حضر له الميجور كلاين والميجور بولدرنج من سلاح المهندسين ثم احاطوا به محاولين إرهابه باتهامه بتحريض العمال علي عدم التعاون معهم .

وقامت القوات المعتدية بالشوشرة علي الإذاعة المصرية حيث كانت القوات المصرية تشغل جهازا وضعته في حديقة فيلا طيرة التي احتلت بطرح البحر للشوشرة كما بثت ارسال اذاعة موجهة من جزيرة قبرص تذيع الأكاذيب والسموم ضد مصر وكفاح الشعب البورسعيدي تحت أسم ” صوت مصر الحرة ” ولما لمست القوات المعتدية عدم استجابة الأهالي لسماع تلك السموم قامت بجمع أكثر من 5000 راديو من الأهالي وقامت بتحطيمها لعدم ربط بورسعيد بالعالم الخارجي فأضيفت مهمة جديدة لرجال المقاومة هو نقل أخبار مصر لداخل بورسعيد .. كما قام الفدائيون بالقاء الرعب في قلوب القوات المعتدية فقاموا بخطف أسلحتهم فصدرت لهم الاوامر بالسير في جماعات وعدم السير فرادي كما صدرت لهم الأوامر بربط أسلحتهم بأجسامهم ولم يمنع ذلك من نشاط الفدائيين بل أصبحت الدوريات صيدا ثميناً لهم ..

وفي هذا اليوم استمر العدو في ضرب المنازل التي يشك في إختباء الفدائيين فيها وقاموا بالإعتداء علي رجال الشرطة المصريين وقاموا بتجريدهم من اسلحتهم وبدأو في القبض علي المواطنين واستجوابهم لمعرفة أماكن الفدائيين .

الجمعة التاسع من نوفمبر عام1956 :-

وسط زحام البطولات التي قام بها أبناء بورسعيد نختار قصة بطولة الشهيد السيد عبد الله إبراهيم الذي انضم لصفوف الفدائيين وكلف مع بعض زملائه بالدفاع عن نقطة تقاطع شارعي محمد علي والتجاري أمام كنيسة الأقباط وكانت قافلة من الدبابات البريطانية من طراز سنتريون متجه للرسوة فتقدم هذا البطل تجاه أول دبابة وكانت مفتوحة من أعلاها ويطل منها قائدها فقام بإلقاء قنبلتين يدويتين عليها فانفجرتا داخل الدبابة فقتل طاقمها وعندما شاهدته الدبابة التي تتبعها أطلقت عليه نيران مدفعها البرن ولم تكتف بذلك بل تقدمت من جثمانه الطاهر وسارت عليه ومزقته .

السبت العاشر من نوفمبر عام 1956 :-

ورد بالإذاعات العالمية أن ” أنتوني إيدن ” رئيس الوزراء البريطاني قد أصيب بحالة نفسية سيئة أثر فشل الحملة الأنجلو فرنسية علي بورسعيد حيث أنتقل إلي جزيرة [ جاميكا ] علي البحر الكاريبي للإستشفاء طالباً الهدوء تاركاً مهمة وزارته إلي ” بتلر ” حامل أختام الملكة وظل بها إلي أن قدم استقالة وزارته في التاسع من يناير عام 1957 .

وفي الساعة العاشرة صباحاً قامت القوات المعتدية بإلقاء منشورات مليئة بالأكاذيب من الجو بطائرات هيلوكوبتر حيث بدأ الأهالي يتجولون في الشوارع بعد أن أمر الأستاذ محمد رياض محافظ بورسعيد بفتح بعض المخابز لإطعام الأهالي .

الأحد الحادي عشر من نوفمبر عام 1956 :-

نظم الأهالي جنازة صامته بعد صلاة العصر من الجامع التوفيقي اشترك فيها جمع الشعب البورسعيدي بكافة طوائفه وشيوخه وشبابه وذلك سخطاً علي تصرفات المعتدي الغاشم وقد طافت تلك الجنازة شوارع المدينة وعيون وأسلحة جنود الأعداء موجهة لأفراد تلك الجنازة وقد ضرب العدو حصاراً شديداً حول المدينة حتي يمنع تسلل الفدائيين إليها .

الثلاثاء الثالث عشر من نوفمبر عام 1956 :-

تدفق الفدائيون علي مدينة بورسعيد عبر بحيرة المنزلة وقد عم الفرح أهالي المدينة لسماعهم نبأ تدفق الفدائيين وكانوا تحت قيادة اللواء عبد الفتاح أبو الفضل والصاغ سمير محمد غانم والصاغ يحيي القاضي وسعد عفره ” مخابرات حربية ” وكانت عبارة عن خمس مجموعات تلاحمت مع المجموعات العشر للمقاومة الشعبية ببورسعيد .

الاربعاء الحادي والعشرون من نوفمبر عام 1956 :-

وصلت قوات الطوارئ الدولية لمدينة بورسعيد بقيادة الجنرال بيرنز لمراقبة تنفيذ قرار الأمم المتحدة لحفظ السلام في تلك المنطقة والفصل بين القوات المعتدية والقوات المصرية في جنوب بورسعيد وملراقبة انسحاب القوات المعتدية وقد وصلت القوات في قطار خاص من مطار أبو صوير وقد عسكرت قيادة تلك القوات في ميدان المحافظة .

فخرج الأهالي في شكل مظاهرة شعبية ضخمة للتعبير عن شعورهم بإنتصار بورسعيد وقهر قوي البغي والعدوان .وفي هذا اليوم فتحت الأقسام أبوابها لصرف الأعانات المالية العاجلة للأهالي .

الخميس الثاني والعشرون من نوفمبر عام 1956 :-

نظمت المدينة مظاهرة علي هيئة جنازة صامته علي روح الشهيدين حسن سليمان حمودة ورمضان السيد فأصدرت القيادة البريطانية أمراً بحذر التجمع لأكثر من 16 شخص .. كما ظهر في المدينة في شوارعها الرئيسية عدة دمي معلقة من رقابها تمثل قادة الحملة البربرية ” إيدن – موليه – بن جوريون ” .

الجمعة الثالث والعشرين من نوفمبر عام 1956 :-

احتلت دبابات ومصفحات وسيارات العدو شوارع المدينة وتمركزت قواته حول شكاير الرمل بنواصي الشوارع خوفاً من أي تصرف مضاد للفدائيين . أخذت أقسام البوليس الثلاثة في الاستمرار في توزيع الإعانات المالية علي أفراد الشعب والمنكوبين .

السبت الأول من ديسمبر عام 1956 :-

وصلت لبورسيعد سيدات الهلال الاحمر من القاهرة بقطار نقل الجرحي لزيادة المصابين بمستشفيات بورسعيد وجئن بتبرعات قدرت بآلاف الجنيهات وبدأت المؤن ترد بورسعيد عن طريق بحيرة المنزلة في المراكب الشراعية علي هيئة تبرعات من أهالي المناطق المجاورة .. كما وصلت القوات الهندية وانضمت الي قوات الطوارئ الدولية اليوغوسلافية .

الثلاثاء الرابع مع ديسمبر عام 1956 :-

أعلن سكرتير عام الأمم المتحدة داج همرشلد قبول إنجلترا وفرنسا الانسحاب من بورسعيد دون قيد أو شرط ووصول قوات طوارئ دولية من عدة جنسيات لتضطلع بمهمة المراقبة في المنطقة الحرام بين القوات المصرية والبريطانية.

الأربعاء الخامس من ديسمبر عام 1956 :-

بلغ إجمالي القوات المعتدية المنسحبة تنفيذاً لقرار هيئة الأمم المتحدة 11 ألف جندي .. وكانت اول القوات المنسحبة كتيبة West Kent البريطانية .

وتم القبض علي خمسة من كبار تجار المدينة رفضوا فتح محالهم للأعداء وعذبوهم وهدد استكويل بأن ذلك سيكون مصير من يرفض التعامل مع قواته .

السبت الثامن من ديسمبر عام 1956 :-

نظم الأهالي بعد الصلاة مظاهرة صامته خرجت من جامع الرحمة وإنضم اليها جموع المصلين بالجامع العباسي والتوفيقي وانتهت عند الجبانة .. وقد ضمت ثلاثة آلاف متظاهر من أبناء بورسعيد رجالاً ونساءاً من كافة الأعمار وحملوا الأعلام منكسة حزنا علي شهداء المعارك .

الاحد التاسع من ديسمبر عام 1956 :-

ترحيل الرعايا البريطانيين والفرنسيين حيث قاموا بتحزيم منقولاتهم ووضعوها أسف منازلهم وقامت بنقلها عربات النقل البريطانية إلي ظهر السفن الحربية .. لقد خاف هؤلاء الرعايا في البقاء في بورسعيد لثبوت اشتراك بعضهم في اطلاق النار علي كثير من الشهداء أيام 5، 6 نوفمبر وفي هذا اليوم أصدرت قوات المقاومة الشعبية العدد الأول من مجلة الانتصار .

الأثنين العاشر من ديسمبر عام 1956 :-

أمر المحافظ محمد رياض بسحب النقدية الموجودة ببنك مصر لتوزيعها علي الأهالي للإنفاق .
الثلاثاء الحادي عشر من ديسمبر عام 1956 :-

تربص الفدائيون للضابط الإنجليزي ” أنتوني مورهاوس ” إبن عمة ملكة إنجلترا – الذي إتصف بكراهيته الشديدة للمصريين لذلك قرر رجال المقاومة الشعبية اختطافه واعتباره صيداً ثميناً يرسل إلي القاهرة كأسير يمكن مبادلته بمن قبض عليهم من الفدائيين وقام الفدائيون برصد طريق مروره اليومي وعهد لأفراد المجموعه الرابعة بتنفيذ تلك الملحمة البطولية فكمن ستة منهم في شارع رمسيس وهم أحمد هلال وحسين عثمان ومحمد حمد الله وعلي حسن زنجير ومحمد ابراهيم سليمان وطاهر مسعد أثنان للمراقبة والأربعة الأخرون جلسوا داخل سيارة سوداء برقم 57 قنال ودربوا أحد الأطفال علي ركوب دراجة لاستدراج مورهاوس للفخ المعد له وفي الساعة السابعة صباحاً نزل مورهاوس من سيارته ليتفقد أحد خنادق جنوده عند تقاطع شارعي صفية زغلول ورمسيس أسفل منزل الدكتور حسن جودة طبيب الأسنان ..
وإذ بالطفل يظهر أمامه ويكيل له السباب ويفر مسرعاً عبر شارع رمسيس فيركب مورهاوس سيارته الجيب دون أن يأخذ حرسه وتتبع الطفل للإمساك به .. وحسب الخطة الموضوعة وصل الطفل إلي رصيف المبني الذي كانت تشغله المباحث الجنائية وتظاهر الطفل بالسقوط من دراجته علي الرصيف فنزل مورهاوس ممسكاً مسدسه يحاول الأمساك بالطفل .

وكانت السيارة السوادء قد تبعتهما ونزل منها أحد الفدائيين وأمسك بمورهاوس وع زميل أخر كان في إنتظاره حملاه داخل السيارة واتجهوا به يميناً بشارع النهضة وانطلقوا مسرعين بعد أن كممه وقيدوا يديه ورجليه وقد تقرر نقله إلي لأحد المنازل بنهاية شارع توفيق _ عرابي حالياً – خلف مدرسة الصناعات الزخرفية حالياً وأثناء سيرهم بشارع النهضة قابلتهم دورية انجليزية فأضطرت السيارة السوداء للدخول إلي ثكنات بلوكات النظام من الباب الخلفي حيث الجراج الفسيح ولمحاولة الخروج بمورهاوس أحضروا صندوقاً حديدياً كبيراً من قلم المرور المجاور ووضعوا مورهاوس بداخله ونقل بسيارة بوليس علي أنه مهمات أحد الضباط ووصلوا به إلي منزل الدكتور أحمد هلالي تمهيداً لإرساله للقاهرة ..

فخرجت الدوريات الانجليزية في البحث عن مورهاوس دون جدوي وبعد ثلاثة أيام ونظراً للحصار المضروب علي المنطقة الذي منع من دخول الفدائيين لمخبأ مورهاوس .. تم فتح الصندوق فوجد مورهاوس مختنقاً فتم يـحـي ألــشـاعـر دفنه أسفل سلم المنزل حتي لا تنتج عنه رائحة كريهة وحتي لا يتمكن الانجليز من التعرف علي مكانه خصوصاً أن مدرسة الصناعات كانت معسكراً لمركبات القوات البريطانية وقد علق السيد اللواء حسن حسني علي سليمان مدير مكتب الحاكم العسكري لمحافظ بورسعيد أثناء العدوان الثلاثي أنهم عندما خطفوا الضابط البريطاني مورهاوس وصلوا به في نهاية المطاف إلي منزل الدكتور أحمد الهلالي المواجه مباشرة لأحد مراكز قيادات القوات البريطانية وكان من المستبعد أن يخلد لذهن القوات الانجليزية المجاورة أن يخبأ هذا الضابط المختطف في مكان مقابل لهم فاستبعدوا فكرة اخفائه في تلك المنطقة وكانت خدعة ناجحة من قوات الفدائيين المصريين .

الأربعاء الثانى عشر من ديسمبر عام 1956 :-

نفل برينز مقر قيادته إلى بورسعيد بعد أن كان في جنوب بورسعيد وأرسلت القيادة البريطانية له التوسط لدى الفدائيين لمعاملة مورهاوس معاملة الضابط الأسير … وبدأت تتدفق منشورات أفراد المقاومة على المعسكرات البريطانية وذلك بتوقيع ” الهاتاشاما “.

الجمعة الرابع عشر من ديسمبر عام 1956 :-

لم تهدأ المقاومة الشعبية في بورسعيد فألفتت الأنظار إلى الضابط جون ويليامز ضابط المخابرات البريطانى والذى أشتهر منذ عمله في مصر منذ 25 سنة ضمن جيش الأحتلال بالصلف والشدة والبطش ضد المصريين وتعلم خلال فترته الطويلة بمصر اللغة العربية كتابة وقراءة بل أجاد العديد من اللهجات لأهل مصر ودرس عادات المصريين وطباعهم لذلك شغل عديد من المناصب بالمخابرات المصرية حتى وصل مديرا للمخابرات العسكرية للقوات المعتدية عام 1956 فأسندت له عملية تعقب الفدائيين وتعقب أخبارهم والقبض عليهم وتعذيبهم لذلك وضعت قيادة الفدائيين خطة لاغتياله وأسند تنفيذها للشاب السيد عسران الذى لم يتجاوز السابعة عشر من عمره .. وفي نفس مكان خطف مورهاوس وقف السيد عسران في انتظار مرور السيارة المدنية الصغيرة التى يستخدمها ويليامز في تنقلاته السريعة وفي التاسعة صباحا أقبلت السيارة مسرعة في شارع رمسيس وزجاجها مغلق وكان يركب مع ويليامز الكولونيل جرين بالأضافة إلى سائق السيارة .. فتقدم عسران من السيارة ولوح له بورقة على أنها تظلم مكتوبة باللغة الأنجليزية وأمسك بيده الأخرى رغيف تظاهر بأنه يقضمه وكان بداخله قنبلة يدوية قام بنزع صمام الأمان منها وما أن وقفت عربة ويليامز وفتح نافذة السيارة لكى يستمع للتظلم المزعوم فما كان من عسران الا أن القى القنبلة اليدوية داخل السيارة حتى انفجرت القنبلة وأطاحت بقدم ويليامز اليسرى وقتل الكولونيل جرين وأصيب السائق وسقط ويليامز وسط بركة
من دماء .

وحضرت لنجدته القوات البريطانية من كل صوب تصاحبها عربات اسعاف نقلته إلى المستشفي في حالة خطيرة ولم يعيش طويلا ومات متأثرا بجراحه لأنه كان مصابا بمرض السكر.

السبت الخامس عشر من ديسمبر عام 1956 :-

خطط الفدائيون لضرب معسكر تجمع الدبابات البريطانية في معسكر الحرس الوطنى الكائن بشارع 23 يوليو أمام المبرة وأسند تنفيذها لضابط رجال الصاعقة حيث قام اليوزباشى سامى خضير بتسجيلهم بدفتر المسجونين بقسم ثالث وهم على سبيل المثال الضابط طاهر الأسمر ومدحت الدرينى ونبيل الوقاد وجلال هريدى .. وأختاروا وقت الغروب حيث فترة حذر التجول وقاموا باطلاق المدافع الصاروخية المضادة للدبابات فأصابوا أربع دبابات سنتريون وعربتين مصفحتين كما أدت العملية لخسائر فادحة في الأرواح وأطلق على هذا اليوم يوم الدبابات وعادوا سالمين بعد تنفيذ العملية إلى قسم ثالث .

الأثنين السابع عشر من ديسمبر عام 1956 :-

انسحبت القوات البريطانية من داخل المدينة وكانوا يخلونها جزءا جزءا ويقيمون بينهم وبين الجزء أسوار من الأسلاك الشائكة ، وكانوا يختمون كل من يخرج من الجزء المحتل على معصم يده بخاتم ذو تاريخ للتعرف عليه عند العودة في ذلك اليوم وفي هذا التاريخ أصدر الفدائيين العدد الثانى من مجلة الإنتصار وتم طبعه بمطبعة المرحوم حامد الألفي وكان صاحب فكرة دفن الشهداء في مكان سقوطهم ليقى المدينة من شرور انتشار الأوبئةلعدم كفاية عربات الأسعاف في نقل الجثث، وبعد أن هدأت الحالة تم دفنهم في مدافن الشهداء.

الثلاثاء الثامن عشر من ديسمبر عام 1956 :-

وصلت أفواج من البوليس المصرى وبلوكات النظام على متن قطار ترفرف عليه أعلام مصر استعدادا لأستلام المدينة بعد جلاء القوات المعتدية .

الخميس العشرون من ديسمبر عام 1956 :-

قوات الأمم المتحدة تتسلم مبنى هيئة قناة السويس وانسحب استكويل قائد القوات المعتدية على ظهر باخرة حربية وتم انزال العلم البريطانى من سارى مطار الجميل.

السبت الثانى والعشرون من ديسمبر عام 1956 :-

القوات الفرنسية تقوم بتسليم مدينة بورفؤاد لقوات الطوارىء الدولية في العاشرة صباحا وحدد الانجليز حظر التجول في الشريط الضيق الموجودين فيه بالشمال الشرقى للمدينة لمدة 24 ساعة حتى يتمكنوا من الانسحاب وكانت في انتظارهم احدى القطع البحرية التى تفتح مؤخراتها لدخول القوات المنسحبة وكان في حماية أخرى مكونة من ثلاث بوارج أمام الشاطىء ، كذلك 300 جندى من جنود القناصة فوق اسطح المنازل المطلة على المنطقة الخاصة بالأنسحاب خوفا من بطش الفدائيين . كما انتشرت القوات الدولية وراء الأسلاك الشائكة .

الجلاء عن التراب ….. عيد النصر
رحيل الجنود المستعمرين عن بورسعيد في هذا اليوم عادت جميع القطع البحرية الأنجليزية إلى قاعدتها في قبرص ومالطا ، كذا بالنسبة للاسطول الفرنسى الذى عاد قاعدتها بمرسيليا وتولوز … وفي الخامسة الا ربع في ذلك اليوم غادرت أخر سفينة بريطانية حاملة جنود فرقة يورك شير وبذلك قد تم جلاء أخر جندى عن أرض مصر بغير رجعة …. وقد أعتبر هذا اليوم عيدا قوميا أطلق عليه ” عيد النصر ” بعد 48 يوم من غزو فاشل .

وقف العدوان :

تدخلت الأمم المتحدة ونددت بالعدوان الثلاثي علي مصر وطالبت المعتدين بالانسحاب وضغطت الولايات المتحدة على كل من إنجلترا وفرنسا،كما هدد الاتحاد السوفيتي الدول المعتدية بضربة نووية – كما أشيع.

فشل الاعتداء واضطرت الدول المعتدية لقبول وقف إطلاق النار في السابع من نوفمبر 1956.

واستمر إحتلال إنجلترا وفرنسا لمدينة بورسعيد مدة 46 يوما ثم سحبت قواتها بعد أن وافقت مصر على قرار الأمم المتحدة بوجود قوة طوارئ دولية على الحدود الفاصلة بين مصروإسرائيل، وفي منطقة شرم الشيخ المطلة على خليج السويس .

أسباب الفشل :-

• معارضة الاتحاد السوفيتي للعدوان الثلاثي وتهديده بالتدخل العسكري وضرب لندنوباريسوتل أبيب بالسلاح النووي.
• عدم تأييد الولايات المتحدة الأمريكيةلاستخدام القوة لحل أزمة السويس .
قوة وبسالة قوات المقاومة الشعبية المصرية ضد قوات الحتلال في بورسعيد والتي أرقت مضجع هذه القوات رغم التفاوت الكبير في القوة بين الطرفين.

نتائج العدوان الثلاثي:-
1. انسحاب القوات البريطانية والفرنسية من بور سعيد في 23 ديسمبر1956، ولذلك تحتفل محافظة بورسعيد في ذلك اليوم من كل عام بعيد جلاء قوات العدوان.
2. خروج إسرائيل من سيناء في 6 مارس 1957 م.
3. وضعت قوات طوارئ دولية على الحدود المشتركة بين مصروإسرائيل.

نتائج العدوان الثلاثي :
رغم عدم إنتصار مصر عسكريا في معركة السويس إلا أنها حققت مجموعة من الإنتصارات السياسية والإقتصادية الكبرى ومن أهمها
1- تأكيد حق مصر الأصيل في ملكية شركة قناةالسويس ودفعها تعويضات لحامللي أسهم شركة قناة السويس العالمية.
2- ضمان تمويل السد العالي وحصول مصر وحدها على إيرادات القناة.
3- خروج الرئيس “جمال عبد الناصر” من هذه المعركة أقوى مما كان وتحقيقه مكانة عالية ليس فقط داخل مصر ، بل بين قادة المنطقة العربية والعالم الثالث بأكمله.

عربيا :

أظهرت الأزمة قوة ومكانة مصر بين الشعوب العربية قام مواطنون عرب بنسف خطوط أنابيب البترول التي تمد الغرب بالوقود في كل من الكويت وسوريا.
أعلن الكثير من عمال الموانىء العرب مقاطعة سفن دول العدوان مما أثر بطريقة كبيرة على صادرات تلك الدول.
نالت حركات التحرر العربية دفعة كبيرة جراء إنتصار الإرادة المصرية على دول الغزو والتي كانت هي نفسها دول الإحتلال في الدول العربية مثل العراق واليمن والجزائر وتونس والمغرب.

عالميا:

تعتبر أزمة السويس استناداً للأدبيات السياسية والاستراتيجية للدول العظمى، بأنها فاتحة عصر جديد في عملية الصراع وأدواته بين القوى العظمى بعد الحرب العالمية الثانية وظهور الولايات المتحدة الأمريكية كقوة دولية طامحة لتبوء مكانة مهيمنة في السياسة الدولية، جاءت ضمن العالم الغربي لتحتل جميع مواقع الدول العظمى السابقة بريطانيا وفرنسا، والتي أفل نجمها بعد العدوان الثلاثي. ناهيك عن صراع الوجود الاستراتيجي بين الولايات المتحدة ممثلة للعالم الغربي وبين الاتحاد السوفيتي ممثلا للعالم الشرقي.

المعالجة الأمريكية لأزمة السويس منذ قرار ناصر بتأميم القناة:
تحت عنوان : أزمة السويس أزمة غيرت ميزان القوي في الشرق الأوسط.
كتب البروفيسور بيتر هان Peter Hahn أستاذ التاريخ الدبلوماسي في جامعة ولاية أوهايو Ohio State University ويعمل حاليا كمدير تنفيذي لجمعية مؤرخي علاقات أمريكا الخارجية. وهو متخصص في تاريخ أمريكا الدبلوماسي في الشرق الأوسط منذ عام 1948.

لقد عالج الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور أزمة قناة السويس من خلال مواقف ثلاث أساسية تبناها وعمل بها:

أولا: رغم تعاطف الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور مع رغبة بريطانيا وفرنسا في استعادة شركة قناة السويس، إلا أنه لم يجادل حول حق مصر في الشركة علي أساس أن مصر ستدفع المقابل المادي لها كما هو مطلوب في القانون الدولي.

وأيزنهاور بالتالي سعي للتفادي صدام عسكري وأن يجد للنزاع حول القناة حلا دبلوماسيا قبل أن يستغل الاتحاد السوفيتي الوضع من أجل مكاسب سياسية.

من ثم كلف أيزنهاور وزير الخارجية جون فوستر دالاس لفض الأزمة بحلول مقبولة لبريطانيا ولفرنسا من خلال بيانات عامة ومفاوضات ومؤتمرين دوليين في لندن وتأسيس جمعية مستخدمي قناة السويس Suez Canal Users Association (SCUA) بالاضافة الي تشاورات عديدة في الأمم المتحدة.
ولكن مع نهاية أكتوبر 1965 تبين أن هذه الأمور لم تكن مجدية واستمرت الاستعدادات الانجلو ـ فرنسية لخوض الحرب.

ثانيا: سعى أيزنهاور إلى تفادي نفور القوميين العرب وإلى استقطاب الزعماء العرب للمشاركة في محاولته الدبلوماسية لانهاء الأزمة.

ورفض أيزنهاور مساندة استخدام القوة من جانب بريطانيا وفرنسا ضد مصر كان بسبب ادراكه أن قرار تأميم ناصر لهيئة قناة السويس (والكاتب لا يستخدم تعبير تأميم بل تعبير استيلاء) كان له شعبية واسعة لدى شعبه والشعوب العربية الأخرى. وبلا شك فان زيادة شعبية ناصر قطعت الطريق على جهود كان يبذلها أيزنهاور لإيجاد حل للأزمة بالمشاركة مع زعماء عرب، فالزعماء السعوديون والعراقيون رفضوا اقتراحات أمريكية فيما يخص انتقاد ما فعله ناصر أو تحدي سمعته.

ثالثا: سعى أيزنهاور لعزل اسرائيل من المعضلة التي نشأت ـ أزمة السويس ـ تخوفا من أن مزج النزاعات الإسرائيلية- المصرية والانجلوفرنسية- المصرية سوف تشعل الشرق الأوسط.
لذا لم يعط دالاس لإسرائيل الفرصة في المشاركة في التشاورات الدبلوماسية التي تمت لحل الأزمة، ومنع مناقشة شكاوي اسرائيل تجاه سياسة مصر أثناء ما تم طرحه للنقاش في الأمم كما أنه عندما شعر بتزايد رغبة اسرائيل في القتال ضد مصر في شهرى أغسطس وسبتمبر رتب أيزنهاور امداد اسرائيل بكميات محدودة من السلاح من الولايات المتحدة وفرنسا وكندا على أمل تخفيف حدة شعور اسرائيل بعدم الأمان وبالتالي تجنب حرب مصرية ـ إسرائيلية.

تداعيات و نتائج الأزمة علي الرغم من أن أزمة السويس انتهت أو حلت بسرعة إلا أن أثرها كان كبيرا على ميزان القوى في الشرق الأوسط وعلى المهام والمسئوليات التي تحملتها وقامت بها الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة فيما بعد.

أزمة السويس ألحقت الضرر بالسمعة البريطانية والفرنسية لدى الدول العربية ومن ثم قوضت السيطرة التقليدية التي كانت لتلك القوى الأوربية على المنطقة،وجمال عبد الناصر في المقابل لم يجتز هذه الأزمة فقط بل ضمن مستوى أعلي من المكانة والشعبية بين الشعوب العربية كقائد قضى على الامبراطوريات الأوربية وصمد أمام غزو عسكري قامت به اسرائيل.

كما أن باقي الأنظمة العربية الموالية للغرب بدت معرضة للخطر من الفورات الناصرية المحلية.

ورغم أن عبد الناصر لم يظهر انحيازا سريعا ليكون مواليا للاتحاد السوفيتي الا أن مسئولين أمريكيين أبدوا تخوفا من أن التهديدات السوفيتية ضد الحلفاء الأوربيين نجحت في تحسين صورة موسكو لدي الدول العربية.

كما بدت إمكانية دفع سلام عربي اسرائيلي معدومة فى المستقبل القريب.

وكرد فعل لتداعيات حرب السويس أعلن الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور ما عرف ب “عقيدة أيزنهاور” “Eisenhower Doctrine” وكانت سياسة أمنية اقليمية جديدة وكبرى أعلنت في بداية عام 1957 وتم اقتراحها وطرحها في يناير 1957 وتم إقرارها من جانب الكونجرس في مارس من العام نفسه.

وهذه الوثيقة تتعهد بأن الولايات المتحدة سوف تقوم بتوزيع المساعدة الاقتصادية والعسكرية وإذا اقتضى الأمر تستخدم القوة العسكرية من أجل احتواء الشيوعية في الشرق الأوسط.

ولتطبيق تلك الخطة قام المبعوث الرئاسي جيمس ريتشاردز بجولة في المنطقة وزع خلالها عشرات الملايين من الدولارات- كمساعدة اقتصادية وعسكرية لكل من تركيا وإيران وباكستان والعراق والسعودية ولبنان وليبيا.

ويري المؤرخ الأمريكي أن اعلان أيزنهاورحكم سياسة الولايات المتحدة في ثلاث مواقف مثيرة للجدل.

في ربيع عام 1957 بعث الرئيس الأمريكي بمساعدة اقتصادية للأردن كما أنه أرسل السفن التابعة للبحرية الأمريكية الى شرق البحر المتوسط لمساعدة العاهل الأردني الملك حسين في مواجهة حركة التمرد بين ضباط الجيش الموالين لمصر.

والموقف الثاني كان في أواخر العام نفسه-1957 عندما حث الرئيس أيزنهاور تركيا ودول أخرى صديقة علي الاخد في الاعتبار امكانية غزو سوريا لوقف النظام الراديكالي من استمرار سيطرته علي السلطة.

ثم عندما حدث تمرد عنيف في بغداد في يوليو 1958- كما قال المؤلف- وهدد ذلك بحدوث حركات تمرد مشابهة في لبنان والأردن- فأمر أيزنهاور القوات الأمريكية باحتلال بيروت وبنقل العتاد للقوات البريطانية المحتلة للأردن.

هذه الخطوات-غير المسبوقة- في تاريخ السياسة الأمريكية في الدول العربية كشفت اصرار أيزنهاورعلي تقبل مسئولية حماية المصالح الغربية في الشرق الأوسط بأي ثمن.

ويرى المؤرخ في نهاية مقاله عن أزمة السويس بأنها تعد حدثا هاما وفاصلا في تاريخ سياسة أمريكا الخارجية وذلك بقلب وإسقاط الافتراضات التقليدية في الغرب حول الهيمنة الانجلو الفرنسية في الشرق الأوسط، وباستفحال مشاكل القومية الثورية التي تجسدت في ناصر، وبإذكاء نار النزاع لعربي-الإسرائيلي وبتهديد السماح للاتحاد السوفيتي بالتسلل داخل المنطقة، فان أزمة قناة السويس سحبت الولايات المتحدة نحو انخراط حقيقي وهام وممتد في منطقة الشرق الأوسط.

هذا هو تحديدا ما استنتجه الأكاديمي الأمريكي وهو يلقي نظرة علي حدث هام في علاقة الولايات المتحدة بالعالم الخارجي والعالم العربي بشكل خاص- بعد مرور 50 عاما علي أزمة السويس.

ولكن ماذا حدث لهذا الانخراط الأمريكي خاصة في العقد الماضي؟ بالتأكيد توجد أكثر من نظرة عربية لهذا التدخل والتورط الأمريكي، كما أن الموقف العربي أو التفسير والتحليل العربي لما فعلته الولايات المتحدة خلال أزمة السويس لم يظل كم كان- فما حدث من تغيير ملحوظ في علاقة واشنطن بالعالم العربي وبمصر تحديدا وأيضا بإسرائيل، وطبعا بالدول الأوربية- وبريطانيا على وجه التحديد خاصة بعد أن صار الاتحاد السوفيتي في خبر كان. ترى كيف يرى كل طرف من الأطراف المشاركة في أزمة السويس ما حدث- وذلك بعد مرور 60 عاما.

60 عاما مضت من بداية واحدة من أخطر أزمات العالم في القرن العشرين لكنها بالنسبة لشعب مصر هي 60 عاما من الفخر بشعب مصر وجيشها اللذان ضربا أروع الأمثلة في الصمود والنضال والتفاني والتضحية من أجل مصرنا الحبيبة .

60 عاما أكدت قوة الزعامة المصرية المحافظة على كبرياء وكرامة هذه الأمة الباسلة التي لم ولن تخضع لأي قوة عالمية مهما كانت. ولتبقى رؤسنا عالية وخفاقة دائما إلى يوم الدين.