أخبارمصر- تحقيق : نهى حمودة

ترجل فارس اللغة العربية عن صهوة جواده ورحل بعد ان دافع عنها وكان حارسها الامين ولكن عصفور واحد لا يصنع الربيع على حد تعبيره ومحاولات فارسنا كانت مثل حرب دون كيشوت في وجه الاسفاف باللغة العربية ورغم ذلك كان متفائلا بأن اللغة العربية ستصمد ولكنه كان يرى اننا لانعطيها الاحترام الكافي وأن الاهتمام باللغة العربية لابد ان يكون قضية قومية.

فاروق شوشة والذي مازال يذكره أغلب أبناء جيله والاجيال من بعده ببيت الشعرالشهير لشاعر النيل حافظ ابراهيم من قصيدة اللغة العربية تتحدث عن نفسها ” انا البحر في احشائه الدر كامن .. فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي ”

فاروق شوشة .. شاعر الحب ينتج أجمل 20 قصيدة في الحب

أعماق عينيك أبصرت حبسي

وأبصرت واحة امني وخصبي

تفجر دنياك في خاطري

ترانيم شوق توسدن قلبي

فيا طائري الحلو,عيناك افقي

وخطوك لحني,ودربك دربي

وكما كان شاعر الحب فهو شاعر الوطنية وكان نبضا لهذا الوطن لم ينفصل عنه وعن مشاركته همومه والامه .. فخاطب مصر وكان يسمع النيل وهو يناجي محبوبته مصر

ويبيتُ النيلُ
يناغي معشوقته
الرابضةَ على شطيّه
لم يكن شوشة مهموما بقضايا الوطن فقط وانما كان كل الوطن العربي وطنه وكانت بكائيته السومرية في قصيدة “موال بغدادي”

ياليلُ، يا عينُ، يا أحلامُ، يا قمرُ
يا حبُّ، يا وجدُ، يا أشواقُ، يا سهرُ
شطَّ المزارُ، وكلُّ الصحبِ قد هجروا
فأظلمَ الكونُ، لا أنسٌ ولا سمرُ

عشاق الشاعر الراحل فاروق شوشة يتخطون حدود الوطن وفى رثائه كانت لهم

كلمات وذكريات :

نيرة حسن قالت ” ندعو الله ان يرحمه بإذنه” واستطردت قائلة “قابلته مرتين على المستوى الشخصي ..وأذهلني بتواضعه..و دماثة خلقه .. و اهتمامه الصادق الذي يمنحه لكل من يحدثه…و كلماته العربية المنتقاة بعناية كأنه يكتبها لا ينطقها.”!

نادر قال ” كثيرا ما استمعت لبرنامجه الذي يحمل نفس الاسم و المضمون وقرأت كتبه منذ أعوام طويلة”.

أحمد رأى أن فاروق شوشة من المثقفين رفيعى الطراز والشعراء الموهوبين جدا ورصيده الأساسى بالنسبة له يتمثل فى مقالاته التى ينشرها فى الأهرام أيام مداومته عليه.

أما منى وهي احدى عاشقات شعره وصفته قائلة ” احببت الشعر في صوته”

الصحفي السعودي عائض الردادي قال” كنت متابعًا لبرنامج “لغتنا الجميلة” منذ كنت طالبًا ومنه تابعت قرارات مجمع اللغة العربية في القاهرة قبل أن ألتقي به في الإذاعة وفي لجنة البرامج في اتحاد الإذاعات العربية وكنت أصفه بصاحب “الجميلة” فهو محب للغة العربية ومدافع عنها ومحبب لها من خلال إلقائه الجميل ولغته الصحيحة.

الشاعر الراحل فاروق شوشة حفظ القرآن وتخرج من دار العلوم وعمل في الاذاعة المصرية وتدرج في مناصبها حتى اصبح رئيسا لها عام 1994 وكانت أهم برامجه الاذاعية لغتنا الجميلة والتليفزيونية ” امسية ثقافية ” وله العديد من الدواوين الشعرية مثل ” الى مسافرة – العيون المحترقة – هئت لك- الجميلة تنزل الى النهر” و له العديد من المؤلفات الشعرية منها” احلى 20 قصيدة حب في الشعر العربي – العلاج بالشعر – لغتنا الجميلة ومشكلات معاصرة ”

حمدي الهادي الشاعر والباحث في التراث ذكر ل”أخبار مصر” أن مايميز شعر فاروق شوشة أنه شعر قابل لكل التأويلات والاحتمالات يتسم بالتصوف والارتباط بالتراث والتطوّر،كتب للأطفال الى جانب دواوينه الأخرى فجاءت قصائده تصويرا لجمال اللغة وجمال الشعروالرؤية الشفَّافة الموحية.

أما عن أجمل أشعاره ،فهى قوله “سأذكر بارقة من حنين أضاءت بقلبي فراغ السنين وأذكر موجة حب دفين تداعب أحلامنا كل حي وتطفو على صفحات العيون”وأثارت قصيدة “خدم.. خدم” التي ألقاها شوشة العام الماضي ضمن فعاليات معرض الشارقة للكتاب في دورته الـ34 جدلًا واسعًا حيث شن فيها هجومًا حادا على المثقفين، مضيفًا “أنهم أصبحوا أحد أسباب نكبتنا وخدم للمسؤولين”…لقد فقد الشعر العربى برحيل فاروق شوشة إحدى نخلاته الشاهقة المثمرة بأطيب الكلم وفقدت اللغه العربية حبلا هاما من أحبالها الصوتية البليغة..رحمة الله على فقيد الشعر .

قصيدة خرست الشعر

واضاف بأنه كتب قصيدة رثاء للشاعر مطلعها

خرست فصاحة لسانه

طفيت عينيه البشوشه

الشعر ميّل ميزانه

يبكي رحيلك ياشوشه

الشاعرة محاسن بيومي قالت لـ”اخبار مصر”: رغم أني شاعرة أكتب الشعرالعامي إلا أنني تربيت على برنامج، لغتنا الجميلة، وأخلاقيات الأديب العميق الراقي فاروق شوشة، منه تعلمنا الإبداع والرقي، وكان له الفضل في احترام الكلمة فشتان بين ما كان يكتب في عصر فاروق شوشة وبين ما نقرأه ونسعه اليوم ، نعم هو ذلك الهرم المصري العربي والحارس الأمين للغة الضاد فقد كان مدافعا وحافظا للهوية المصرية العربية وكان الشاعر الكبير قد حفظ القرآن الكريم في قريته وبدأ الحس الإبداعي ينمو لديه في سن العاشرة، وأتم دراسته في دمياط، ثم التحق بالجامعة في سن 16 وتخرج في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة 1956 وفي كلية التربية بجامعة عين شمس.

فقد كان فاروق شوشة شامخا كأرض مصر وتاريخها يؤثر في ثقافات العالم وكان منارة أدبية فكرية شرف لكل شاعر على أرض العرب ويكفينافخرا القول بأن الشاعر الكبير فاروق شوشة ترك حزنا عميقا في قلب كل شاعر وأديب عربي وعلى مستوى العالم لأنه الوحيد الذي أثبت أن اللغة العربية قادرة على استيعاب ثقافات العالم أجمع . وندعو الله أن يعوض مصرعنه كل الخير .

وتابعت الشاعرة محاسن :نحن على ثقة في قدرة الله تعالى وميلاد جندي جديد للعالم فمصر تفرز دائما فرسان للكلمة كما تفرز الأبطال والعلماء والشهداء.

فقد رحل الشاعر الكبير في نفس تاريخ استشهاد 12 جنديا من خيرة شباب مصر فأراها له حسن خاتمة من وجهة نظري وأدعو الله أن يعوضنا عنهم جميعا بكل الخير وبجنود جدد يكونوا حماية لأرض الوطن ولغته العربية فكلاهما جندي مقاتل الجندي في ميدان قتاله والشاعر في ميدان قلمه.

محمد سمير العشري والذي يرى بعض الشعراء انه خليفة الشاعر الراحل يقول إن اللغة فقدت وطنا بفقد فاروق شوشة

وقال بأسى :
يأتى العام و يعبر العام
نرتاح إلى رؤيا جديدة

نعبر الكون كطيرين وحيدين

على متن قصيدة .

هذه كلماته التى تنم عن رحلة عميقة ممتلئة بالبحث الذى لا يمل و لا يكل عن اللغة و فيها حتى يبلغ فى نهايتها درجة الارتياح التى تتيح له العبور لها و بها عبر أنحاء الكون و يرتبط المواطن المصرى بصوته الهادئ الحنون الذى يحمل بين نبراته و بصمته الصوتية أصالة الماضى و معاصرة الحاضر الذي كان يجبر السامع على الإنصات و كأنه يشعر بأنه يتحدث إليه وحده.

وأضاف أن المرأة قد حصلت على مساحة كبيرة فى وجدان الشاعر الكبير فهو يبدأ بها رحلته و يختمها بها و هو خلال أربعة عشرة ديوانا يعرض رؤيته من خلال لغة رصينة لا يتنازل عنها حتى و هو يتحدث فى برامجه التليفزيونية والإذاعية و إن كان ضيفا على أى من هذه البرامج .. و كان رأيه أن اللغة هى الهوية و أن الكثير من المواطنين فى أوطان عديدة لا يتنازلون عن لغتهم فلماذا نتنازل نحن عنا لغتنا .. كما إبداعاته النقدية من خلال مؤلفاته فى اللغة و مختاراته من الشعر العربى.

واستطرد العشرى قائلا ” يمتد العمر بالعطاء المميز الراقى المؤمن بقيمة لغته إلى أن يصل إلى نيل جائزة النيل من الدولية و هى أعلى وسام يتم منحه للأدباء عام 2016 و هو نفس العام الذى يرحل فيه بجسده و يبقى خالدا بيننا بروحه و ما قدمه من خدمات جليلة للغة العربية على جميع المستويات القومية والدولية و ما تركه من تراث لا ينكر أحد مكانته و فضله تاركا ألم رحيله فى نفوسنا عابرا الكون كله مع لغته و مثلما بدأت بكلماته أختم بها و نحن مودعينه فى ألم.

سكن العبير .. و أطرق الصمت و الروض لا ظل و لا صوت

كم أنت قاس أيها الموت كم أنت قاس أيها الموت .

سامي المرسي كبير معدي الاذاعة وكاتب ومؤرخ وأحد الاصدقاء المقربين من الشاعر الراحل يسرد ذكرياته عن الراحل قائلا لي “كنا ننتظر يوم السبت من كل أسبوع حتى نجلس مع الأستاذ فاروق شوشة الرحل العظيم حتى يحدثنا عن واحدة من ذكرياته الرائعة التي لا تخلو من العطاء و الحب للغة العربية وكيف قدم لها الكثير وكان آخر لقاء لي معه يوم السبت الموافق 8/10/2016م حيث حدثنا عن الكلمات الأجنبية التي دخلت إلي اللغة العربية والتي أعطت لها ثراءً وكنا نستمع إليه في شغف لأن لديه الحجة و المنطق في كل ما كان يقوله وقد سبق ان سجلت معه برنامج تجربتي الذي أذيع من البرنامج الثقافي حيث سجل حوالي 19 حلقة مدة الحلقة 15 دقيقة و ساحاول ان أصدرها في كتاب مع بعض أقوال المقربين منه.

كان صديقنا الرائع من انبل ما عرفت بالفعل حريص علي قبول كل الناس والترحاب بود بهم وقد تعلمت منه الكثير من بروتوكولات التعامل مع
الآخر كان يحمل علماً و معرفة غزيرة لا يبخل بها أبداً ويدرك بحسه بمن يحبه حباً حقيقياً فقد تشرب بخبرة طويلة يحسد عليها كان لديه ما يقوله دائماً لأنه يمتلك لغة ساحرة تخرج كلماتها بسلالة احياناً تصاحب هذه الكلمات أبيات من الشعر الذي كان يحفظه علي الرغم من انه شاعر كبير .

لم يمت لأنه روحه مازالت ترفرف أمامي صحيح رحل جثمانه لكنه أمامي صورته مازالت مغروزة في نفسي ما أصعب اللحظات التي تمر بي و أنا لا أراه لكنني واسترجع لحظات اللقاءات التي كانت تجمعنا كل أسبوع وهو يقص علينا واحدة من طرائفه الجميلة التي لا تنتهي كان لقاء أحباب وبسمات صادقة ونفوس محلقة في سماء الخلق. الفراق حزن كلهيب الشّمس يبخّر الذّكريات من القلب ليسمو بها إلى عليائها فتجيبه العيون بنثر مائها لتطفئ لهيب الذّكريات. ما أروع أن تصادف إنساناً يفوق حد الإدراك يجبرك أن تشتاق إليه تأمرك روحك أن تسأل عنه وتدعو له.

الأيام تذوي يوماً والعمر ينقضي شيئاً فشيئاً لحظات أعدها بل سويعات أترقبها إنها من أصعب اللحظات التي أعيشها هذه الأيام تلك اللحظات التي يقف بها شبح الفراق على ناحية طريقي إليها تلك اللحظات التي فارقنا فيها أعز الناس وأقربهم إلى نفسي إنّ صداقتنا في قلبي كانت تضيء العمر إشراقاً..

لكنني أقول يا عين لما تبكي و يا نفس احتسبي عند ربك روح هذا الصديق العزيز .. أشعر بحزن يعتصر قلبي جسدي ، أشعر بفراغ كبير في قلبي، لكنه إحساس بدأ يتسرب إلى أعماق ذلك القلب العليل، إحساس بالخوف والحزن، حزناً لفراق الإنسان الجميل الرائع

مهندس الصوت عواد قادر أحد مهندسي الصوت في استوديو 22 والذي اعتاد الشاعرالراحل ان يسجل فيه قال ” كان استاذ فاروق يطمئن علينا عند دخوله الاستوديو ويسألنا عن احوالنا وكان كريما جدا وكان يصر على ان يشرب الضيف شيئا ولا يبدأ الحديث الا بعد أن يطلب الضيف مايريد واضاف بأن الراحل كان يهتم بالاطمئنان على الشرائط التي سيقوم بالتسجيل عليها قبل البدء .

واستطرد قائلا” لي موقف لن أنساه للشاعر الراحل عندما لم يتم حجز الشرائط قبل إذاعة الحلقة ونزل الاستاذ بنفسه الى مكتبة الشرائط وظل جالسا حتى تجميع الشرائط ثم حملها وعندما رأيته قلت له ” ينفع كده يا أستاذ شايل الشرايط بنفسك ” قال لي” والله ما حد يحطها على الرف غيري ” وذكر م/ عواد انه لم ير تواضع ولا تعاون مثلما كان عليه الشاعر الراحل.

الاذاعية نادية مبروك رئيس الاذاعة المصرية أكدت لـ” اخبار مصر” أن برنامج لغتنا الجميلة يذاع على مدار خمسين عاما وستستمر إذاعته ولفتت الىان الاذاعة المصرية لديها مخزون كبير من برامج فاروق شوشة كما انه سيتم عرض استخراج كنوز البرامج التي قدمها واذاعتها على ماسبيرو اف ام وماسبيرو زمان

وذكرت رئيسة الاذاعة أن الاذاعة ستقوم بإقامة حفل تأبين كبير للشاعر الراحل فاروق شوشة بحضور زوجته الاعلامية هالة الحديدي وكبار الشعراء والمثقفين والمحبين لشعره الا انه لم يتحدد موعد الحفل حتى الآن .