اخبار مصر/ سميحة عبد الحليم

فى تاريخ المجازر تجف الدموع  بعد حين .. ويبقى الجرح غائرا فى النفوس يتجدد نزيفه فى ذكراه ..
فبعد 34 عاما على مذبحة صبرا وشاتيلا يتذكر العالم واحدة من أكثر الفصول الدموية في حياة الشعب الفلسطيني الصامد، بل من أبشع ما كتب التاريخ في حق حركات المقاومة والتحرير.
ورغم انها ليست الشاهد الوحيد على جرائم إسرائيل ولم تكن أول المجازر بحق الفلسطينيين ولا آخرها،فهى حلقة من حلقات آلام ومآسي الشعب الفلسطيني، منذ أن هُجّر من وطنه على أيدي  الصهيونية المسلحة ، هذا الكيان الذى يحمل سجلاً حافلاً بالمجازر منذ ما قبل إعلان تأسيسه عام 1948، لكن صبرا وشاتيلا حملت من الخصائص ما يجعلها تستحق الوقفة  فالمجزرة تزامنت مع الاجتياح الإسرائيلي الثاني للبنان،  وتمّت بطريقة غاية في الوحشية، متأثرة بمناخ الحرب الباردة والحرب الأهلية اللبنانية، وتزامنت مع انطلاق المقاومة ضد الاحتلال. كل ذلك وغيره يجعلها حادثة تستحق وقفة تأمل في بعض خلفياتها وملابساتها، واستعادة بعض من تفاصيلها.

جريمة بلا عقاب..

وفي الذكرى الرابعة والثلاثين لمجزرة صبرا وشاتيلا، أكدت الفصائل الفلسطينية مجدداً على ضرورة محاسبة إسرائيل والمتورّطين في هذه الجريمة على اعتبار أنّ
الاستمرار في رفع المسؤولية عن المرتكبين استمرار للمجزرة ولإباحة دم الضحايا والحق الفلسطيني.
وأشارت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في بيان لها، إلى أنه بعد مرور ثلاثة عقود على المجزرة ما زالت إسرائيل بجيشها وجنودها الذين ارتكبوا المجزرة يتحركون
بحرية ولا يجدون من يلاحقهم بل يرتكبون المزيد من المجارز بحق الشعب الفلسطيني.
وطالبت بـإعادة فتح ملف صبرا وشاتيلا سواء عبر المحكمة الجنائية الدولية أو من خلال مجلس الأمن الدولي بإعادة الاعتبار إلى صدق القانون الدولي عبر محاكمة
مرتكبي هذه المجزرة ومدبريها .وأضافت أنّ هذه الجريمة وغيرها من الجرائم المتراكمة في سجل العدو الإسرائيلي لن تنجح في منع التمسّك الفلسطيني بحق العودة وبالقضية الفلسطينية.،ومن جهتها، أكدت حركة حماس في بيان على أنّ المجزرة مستمرة طالما أنّ المجرم يأمن من العقاب، فإنه يستمرفي جرائمه المتعاقبة ضد الإنسانية.

ذكرى مأساوية..

مسرح المجزرة كان مخيما صابرا وشاتيلا ببيروت  اما الزمان فكان مساء السادس عشر من سبتمبر سنة 1982، بدأت المذبحة في الخامسة مساءً حيث دخلت ثلاث فرق إلى المخيم كل منها يتكون من خمسين وأطبقت تلك الفرق على سكان المخيم وأخذوا يقتلون المدنيين قتلًا بلا هوادة، أطفالٌ في سن الثالثة والرابعة وُجدوا غرقى في دمائهم، حواملُ بُقِرَت بُطونهنّ ونساءٌ تمَّ اغتصابهنَّ قبل قتلِهِنّ، رجالٌ وشيوخٌ ذُبحوا وقُتلوا، وكل من حاول الهرب كان القتل مصيره نشروا الرعب في ربوع المخيم وتركوا ذكرى سوداء مأساوية وألمًا لا يمحوه مرور الأيام في نفوس من نجا من أبناء المخيمين.

48 ساعة من القتل المستمر وسماء المخيم مغطاة بنيران القنابل المضيئة،. أحكمت الآليات الإسرائيلية إغلاقَ كل مداخل النجاة إلى المخيم فلم يُسمح للصحفيين ولا وكالات الأنباء بالدخول إلا بعد انتهاء المجزرة في الثامن عشر من سبتمبر حين استفاق العالم على مذبحة من أبشع المذابح في تاريخ البشرية من أبناء الشعب الفلسطيني و اللبناني.

حى ومخيم  ..

صبرا هو حي في بيروت يقطنه الفلسطينيون، يلاصق شاتيلا، وهو مخيم للاجئين الفلسطينيين على أطراف العاصمة اللبنانية، اسسته وكالة الأمم المتحدة للاجئين
الفلسطينيين. وصدر قرار تلك المذبحة برئاسة رافايل إيتان رئيس أركان الحرب الإسرائيلي ،وآرييل شارون وزير الدفاع آنذاك في حكومة مناحيم بيجن، وارتكب المذبحة
مسلحون من حزب الكتائب اللبنانية وجيش الاحتلال الإسرائيلي .وتداولت حينها وكالات الأنباء العالمية اخبار المجزرة التى كانت حديث الصحف والدوريات على مدى
أيام وأسابيع وشهور.

المئات من ضحايا المجزرة استقر بهم الأمر في المستشفيات أو تلقفتهم القبور الجماعية، المدهش في الأمر كثرة الروايات حول المجزرة والغموط الذي أحاطها، ورغم
لجان التحقيق التي شكلها هذا الطرف أو ذاك، ورغم ما كُتب في هذه المجزرة وبخاصة ما يتعلق بمرتكبيها إذ كلما أُعلنت مسئولية طرف ما برَّأ نفسه ورد التهمة على من ألقاها. تردد الحديث عن مسئولية الإسرائيليين تحت قيادة آرييل شارون وزير الدفاع آنذاك ونفت إسرائيل عنه هذه التهمة، وألصقتها بالميليشيات المسيحية المتطرفة التابعة لحزب الكتائب، في حين ذهبت بعض الأطراف الأخرى -وتحديدًا الفلسطينيون- إلى القول إن التخطيط كان إسرائيليًا، أما التنفيذ فقد كان كتائبيًا.

جرائم صهيونية مستمرة..

مجزرة صبرا وشاتيلا لم تكن الجريمة الصهيونية الأخيرة بحق الأبرياء من أبناء الشعب الفلسطيني، فمسلسل المجازر اليومية لم ينته، ولم يتوانى شارون عن ارتكاب
مزيد من المجازر في حق الشعب الفلسطيني على مرأى ومسمع العالم بأسره.
في ذلك الوقت كان المخيم مطوق بالكامل من قبل جيش لبنان الجنوبي والجيش الإسرائيلي الذي كان تحت قيادة ارئيل شارون ورافائيل أيتان أما قيادة القوات المحتلة فكانت تحت أمرة المدعو إيلي حبيقة المسئول الكتائبي . وقامت القوات الانعزالية بالدخول إلى المخيم وبدأت بدم بارد تنفيذ المجزرة التي هزت العالم ودونما رحمة وبعيدا عن الإعلام وكانت قد استخدمت الأسلحة البيضاء وغيرها في عمليات التصفية لسكان المخيم العزل وكانت مهمة الجيش الإسرائيلي محاصرة المخيم وإنارته ليلا بالقنابل المضيئة.

تباين التقديرات فى التقارير ..

عدد الشهداء في المذبحة لا يعرف بوضوح وتتراوح التقديرات بين 3500 و5000 شهيد –وفق ما رصدت “موسوعة النكبة” – من الرجال والأطفال والنساء والشيوخ
المدنيين العزل من السلاح، أغلبيتهم من الفلسطينيين ومن بينهم لبنانيين  وهناك عدة تقارير تشير إلى عدد الشهداء في المذبحة، ولكنه لا يوجد تلاؤم بين التقارير حيث يكون الفرق بين المعطيات الواردة في كل منها كبيرا.
وفي رسالة من ممثلي الصليب الأحمر لوزير الدفاع اللبناني يقال أن تعداد الجثث بلغ 328 جثة، ولكن لجنة التحقيق الإسرائيلية برئاسة إسحاق كاهن تلقت وثائق أخرى تشير إلى تعداد 460 جثة في موقع المذبحة.
وفي تقريرها النهائي استنتجت لجنة التحقيق الإسرائيلية من مصادر لبنانية وإسرائيلية أن عدد القتلى بلغ ما بين 700 و800 نسمة.
وفي تقرير أخباري لهيئة الإذاعة البريطانية BBC يشار إلى 800 قتيل في المذبحة.
وقدرت بيان نويهض الحوت، في كتابها “صبرا وشاتيلا – سبتمبر 1982″، عدد القتلى ب 1300 نسمة على الأقل حسب مقارنة بين 17 قائمة تفصل أسماء الضحايا
ومصادر أخرى. وأفاد الصحفي البريطاني روبرت فيسك أن أحد ضباط الميليشيا المارونية الذي رفض كشف هويته قال إن أفراد الميليشيا قتلوا 2000 فلسطيني. أما
الصحفي الإسرائيلي الفرنسي أمنون كابليوك فقال في كتاب نشر عن المذبحة أن الصليب الأحمر جمع 3000 جثة بينما جمع أفراد الميليشيا 2000 جثة إضافية مما يشير إلى 3000 قتيل في المذبحة على الأقل.

أسباب المجزرة..

بذريعة البحث عن 1500 مقاتل فلسطيني مختبئين داخل المخيم قام الجيش الإسرائيلي وجيش لبنان الجنوبي بإنزال 350 مسلحًا من حزب الكتائب اللبنانية،وفي تلك الفترة كان المقاتلين الفلسطينيين خارج المخيم في جبهات القتال ولم يكن في المخيم سوى الأطفال والشيوخ والنساء وقام المسلحين الكتائبيين بقتل النساء والأطفال والشيوخ بدم بارد وكانت معظم الجثث في شوارع المخيم ومن ثم دخلت الجرافات الإسرائيلية وقامت بجرف المخيم وهدم المنازل.

صمت المجتمع الدولى ..

على الرغم من بشاعة المجزرة وتوثيقها من قبل جميع منظمات المجتمع الدولي، إلا أن الجناة وقادتهم لم يقدموا إلى أي مُحاكمة ولم يُعاقبوا على أي جريمة ارتكبوها، واقتصر الأمر على لجان تحقيق خلصت إلى نتائج لم تلحقها متابعات قانونية أو أحكام، حيث شكلت إسرائيل عام 1982 لجنة تحقيق قضائية للتحري في ظروف المجزرة والمسؤولين عنها، وهي لجنة مستقلة ضمت ثلاثة أعضاء وعرفت بلجنة كاهان، واستنتجت اللجنة أن المسؤول المباشر عن مجزرة صبرا وشاتيلا هو اللبناني “إيلي حبيقة” مسؤول مليشيات حزب الكتائب آنذاك، الذي قتل بتفجير سيارة مفخخة في بيروت عام 2002، وأن وزير الدفاع شارون وعددًا من الضباط الكبار في الجيش الإسرائيلي كانوا مسؤولين مسؤولية غير مباشرة عن هذه المذابح، وبعد إعلان نتائج التحقيق أرغم شارون على الاستقالة من منصبه لكنه احتفظ بمنصب وزير بلا حقيبة في الحكومة.

ولم تصل كل الدعاوى القضائية التي رفعت ضد شارون في لبنان وبلجيكا إلى خواتيمها لمحاسبته على هذه الجريمة، كذلك المشاركين فيها، وظل يتبوأ مناصب رفيعة
مستمرًا بسياسة قتل الفلسطينيين في غزة إلى أن أصيب بجلطة دماغية في العام 2005 ودخل في حالة غيبوبة موت دماغي انتهت بوفاته عام 2014.
لم تكن مذبحة صبرا وشاتيلا أول مجازر الاحتلال بحق الفلسطينيين ولا آخرها،فكانت قبلها مجازر الطنطورة وقبية ودير ياسين وبعدها مذبحة مخيم جنين ومجازر منسية أخرى بغزة والضفة، لكن مجزرة صبرا وشاتيلا تبقى جرحا نازفا في الذاكرة الفلسطينية الموشومة، فبشاعتها وظروفها شكلتا علامة فارقة في الضمير الجمعي الفلسطيني.