تحرير و ترجمة: خالد مجد الدين

في ليما، عاصمة بيرو، توصل المفاوضون من جميع أنحاء العالم فجر الأحد 14 ديسمبر 2014 الى اتفاق يخص التغير المناخي، ويلزم جميع دول العالم بحصة من الجهد الدولي المبذول للحد من معدل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري .

الاتفاق الذي توصل إليه وفود من 196 حدد إطارا لاتفاق بشأن تغير المناخ المزمع توقيعها من قبل زعماء العالم في باريس في العام المقبل، وقد تم التوصل للاتفاق بعد 14 يوما من الاجتماعات التي بدأت في الاول من سبتمبر، حيث سادت الانقسامات القائمة منذ فترة طويلة بين الدول الغنية والفقيرة، والتي تسببت في تاخر التوصل لاتفاق مقبول .

وقد تم رفض تمرير اتفاق يتطلب من كل دولة في العالم خلال الأشهر الستة المقبلة، وضع خطة مفصلة لسياسة الداخلية للحد من انبعاثاتها من الغازات المسببة للاحتباس الحراري، الناجمة عن احتراق الوقود الاحفوري كالفحم والغاز والنفط. على ان تنشر هذه الخطط تباعيا على الموقع الشبكي للأمم المتحدة، وسوف تكون هذه الخطط هي نواه اساسية للاتفاق الذي سيتم توقيع خلال شهر ديسمبر القادم، على ان يكون ساريا بحلول عام 2020.

هذا الهيكل الأساسي يمثل انفراجة كبرى في المأزق الذي يشهده العالم الان بشان هذه القضية، ويكلل جهود الامم المتحدة طوال 20 عاما في محاولة للتوصل لصفقة لمواجهه ظاهرة الاحتباس الحراري الخطير، ويعد الاتفاق عبورا للفجوة التي وضعها بروتوكول “كيوتو” لعام 1997، والذي كان يتطلب من البلدان المتقدمة التصرف ولكنه لم يطالب باي شيء من الدول النامية، بما في ذلك الصين والهند، وهما من أكبر الملوثين بالغازات الدفيئة .

وتقول “جنيفر مورجان Jennifer Morgan” خبيرة مفاوضات المناخ الدولية بمعهد الموارد العالمية” ان هذا الاتفاق الناشئ يمثل شكلا جديدا من أشكال التعاون الدولي الذي يشمل جميع الدول، وهوما يجعل اتفاق باريس الآن في متناول اليد.. ولكنه انفراج سياسي، ولن يحقق الهدف المعلن من الصفقة: وهو إبطاء معدل الانبعاثات العالمية بشكل يمنع ارتفاع درجة حرارة الغلاف الجوي أكثر من 3.6 درجة فهرنهايت فوق متوسط درجة الحرارة ​​قبل عصر الصناعة”.

وهذه النقطة، هي نقطة مفصلية في مواجهه ازمة المناخ، حيث يرى العلماء ان مناخ الكوكب سيشهد تدهورا خطيرا لا رجعة فيه بعد هذه النقطة، مثل ذوبان الجليد البحري، وارتفاع منسوب مياه البحر وزيادة الفيضانات والجفاف ونقص الغذاء والماء، فضلا عن التعرض لمزيد من العواصف الشديدة.

ويرى الخبراء ان موافقة دول العالم على الالتزام بحصة من الجهود المبذول في هذا الاطار، يجعل من شأن الأثر الكلي للالتزامات ، أن يقلل الانبعاثات بنحو نصف المستوى اللازم لمنع الوصول لدرجة الخطر، ولعدم ارتفاع درجة الحرارة بمقدار 3.6 درجة فهرنهيت، يجب خفض الانبعاثات بمقدار ضعف المطلوب في هذا الاتفاق.

ويرتبط نجاح تطبيق اتفاق “ليما” بمدى جدية عواصم الدول، ونجاحه أوفشله يتوقف على مدى جدية وطموح البرلمانات ووزراء الطاقة والبيئة والوزارات الاقتصادية في العالم التي سيكون عليها وضع السياسات الجديدة.

وعلى الرغم من اهمية الاتفاق الذي تم التوصل له، الا ان بعض جماعات حماية البيئة انتقدت اتفاق التسوية، لتمييعه اللغة التي من شأنها الزام دول العالم بمتطلبات أكثر صرامة وشفافية، حيث لم يتم استخدام جداول زمنية، اوتحديد خطة سنوية اساسية يتم خفض الانبعاثات وفقا لها، واعتبر البعض الاتفاق بمثابة تسوية تسمح بمزيد من الضغط والدفع.

ويقول “الدن ماير Alden Meyer”، رئيس مجموعة اتحاد العلماء المهتمين ” الاتفاقية تمثل الحد الادنى مما نحتاج له، ولكننا نستطيع العمل معها للحصول على مزيد من الضغط والنتائج”.

والسيد ماير وغيره من الخبراء يتوقعون ان يكون للجماعات غير الحكومية ومنظمات البحوث والجامعات دورا بارزا في تحضير الخطط وإجراء تحليلات مستقلة عن خطط لخفض الكربون في بلدانهم.

وقد اعترف المشاركون في مؤتمر ” ليما” بان الإعلان الصيني – الامريكي المشترك الشهر الماضي في بكين من قبل الرئيس ” باراك أوباما ” ونظيره الصيني “شي جين بين” ، كان حافزا هاما للتوصل لاتفاق جماعي دولي جديد ، خاصة وان الصين والولايات المتحدة هما اثنين من أكبر الملوثين بغازات الاحتباس الحراري في العالم، واتفاقهما على ضرورة خفض الانبعاثات كفيل بالتاثير بشكل كبير في المردود العالمى والجهود المبذولة بهذا الشان. واتفاق ليما، يمثل ضوء للخروج من نفق مظلم امتد 20 عاما في محادثات المناخ، مع إصرار العديد من الدول على انه لا حاجة لإجراء تخفيضات الانبعاثات في الوقت الذي كان لا يزال فيه الكثير من السكان يعانون من الفقر والتهميش.

وأشاد وزير البيئة في الهند ” براكاش جافديكار Prakash Javadekar” ، بان الصفقة تمثل ” إجماع حقيقي”، وتعد موافقة الهند على الاتفاق وهي – ثالث أكبر ملوث بالكربون في العالم – بمثابة تحولا كبير حيث كانت تقاوم دائما اى دعوات لاجراء تخفيضات لتلوث الكربون نتيجة استخدام الفحم ، وكانت تصر على انه لا حاجة لذلك ، حيث مازال الملايين من الهنود الفقراء يعيشون دون كهرباء.. ولكن على الرغم من توقيعها الاتفق الا انها وكما يبدولا تنتوى تقديم خطة لإبطاء معدل الانبعاثات. حيث صرح الوزير الهندى بدعمه للاتفاق وبذل الجهد من اجل التوصل الى اتفاق نهائى في باريس، قائلا انه يأمل في مواصلة الانخراط مع الدول الأخرى على مدار العام.

وفي إطار اتفاق ليما على دول العالم تقديم خططها الذاتية للحد من الانبعاثات، وطبيعة الخطط يمكن أن تكون مختلفة وفقا لحجم اقتصاداتها ، فالدول الغنية، مثل الولايات المتحدة، من المتوقع أن تضع الخطط بالتفصيل وكيف سيكون وضع انبعاثاتها على مسار نزولي بعد عام 2020. اما الاقتصادات الكبيرة ولكنها مازالت في اطار الدول النامية، مثل الصين ، فستكون خططها اقل تفصيلا وقد تشمل تحديد تاريخ محدد لتصل فيه الى ذروة خفض انبعاثاتها. بينما من المتوقع مع الاقتصادات الأكثر فقرا ، ان يتم طرح خطط قد تجعل التلوث مستمرا ولكن بمعدلات أقل.

وعلى الرغم من ان”اتفاق ليما ” يرسي الأساس للتوصل الى اتفاق باريس ويجعله ممكنا ، الا ان هناك الكثير من القضايا والانقسامات الضخمة التي مازالت قائمة بين الدول ، واكبر هذه الانقسامات هوالتمويل.. حيث تطالب الدول الاكثر عرضة لآثار تغير المناخ، مثل الدول الجزرية المنخفضة والدول الافريقية، بان لا تشمل اتفاقية باريس فقط التفاصيل حول التخفيف من انبعاثات، ولكن أيضا التزامات مالية مجددة بأن الدول الغنية سوف تنفق مليارات الدولارات لمساعدتهم على التكيف اوالتعافي من ويلات تغير المناخ، كما تطالب الدول النامية أيضا بالمساعدة المالية في الانتقال من استخدام الطاقة الاحفورية الرخيصة، مثل النفط والفحم التي تلوث البيئة بشكل كبير، والانتقال لمصادر الطاقة ذات الكربون المنخفض، مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية.