أخبار مصر

الأولمبياد سلاح سياسي في زي رياضي

لا تمثّل الألعاب الأولمبية التي تضمّ مشاركين من جميع الجنسيات حدثاً رياضياً دولياً فحسب، بل تشكّل منصّة عالمية لإيصال الرسائل. وعمدت الدول الى استغلال هذا الحدث للإعلان عن مواقفها من الدول المستضيفة إما عبر مقاطعة الدورة الاولمبية، أو عبر استغلال الساحة الرياضية لتسليط الضوء على قضايا معيّنة.
اخر تداخل بين السياسة والرياضة، وخاصة الالعاب الاولمبية، هو منع عدد من الرياضيين الروس من المشاركة بسبب التهم المتعلقة بتناول المنشطات، وتقرير الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات (وادا)، الذي دعا إلى إيقاف الروس عن المشاركة في جميع الأحداث الرياضية الدولية بما فيها الألعاب الأولمبية المقامة حاليا في ريو دي جانيرو.
وكان لافتا تصريح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين “نلاحظ انتكاسة خطيرة تتمثل بتدخل السياسة في الرياضة. نعم أدوات التدخل هذه تغيرت لكن جوهرها ما زال السابق: جعل الرياضة أداة للضغط الجيوسياسي”.
وهذا الضغط الذي يتحدث عنه الرئيس الروسي قادته امريكا وكندا لمنع الروس من المشاركة في الاولمبياد بسبب الخلافات على عدد من الملفات السياسية الدولية مثل سوريا واوكرانيا. وبالطبع لا ننسى الحملة الشرسة التي شنها الغرب على روسيا بعد فوزها بتنظيم الدورة القادمة لكأس العالم لكرة القدم 2018 بدعوى المخالفات المالية والرشاوى التي شابت عملية التصويت.
وكذلك شهدنا رفض لاعب الجودو المصري “إسلام الشهابي ” لمصافحة اللعب الإسرائيلي الذي فاز عليه بعد نهاية المباراة. وقد أثار هذا الموقف جدلا بين الجماهير وفي وسائل التواصل الإجتماعي عن مدى أحقية لاعب في مصافحة أو رفض مصافحة لاعب. لكن هذا الأمر تكرر كثيرا في الدورات السابقة بسبب موقف لاعب ما أو دولة عربية ما من النزاع العربي الإسرائيلي حتى وصل الأمر لإنسحاب بعض الفرق واللعبين رفضا للعب ضد فريق أو لاعب إسرائيلي. وقد راعت اللجنة الأولمبية الدولية هذه المشكلة على المستوى القاري بعد رفض الدول العربية إنضمام إسرائيل للإتحادات الرياضية الأسيوية فتم ضم إسرائيل للإتحادات الرياضية الأوروبية
وكانت هناك دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي للاعب المصري بالانسحاب من مواجهة الإسرائيلي، مقابل دعوات أخرى لخوض النزال.
وبين مؤيد ومعارض، أصر إسلام الشهابي (34 عاما) الذي سبق له وأن حقق برونزية بطولة العالم في طوكيو في العام 2010، على خوض المواجهة بتصريح مقتضب: “لن أستطيع التحدث، المواجهة حساسة للغاية ولا تحتمل الكلام”.

واليس صحيحا ما تروجه اللجنة الأولمبية الدولية والهيئات الرياضية، بأنه يمنع تدخل السياسة في الرياضة، فالتاريخ يؤكد دائما أن السياسة حاضرة بقوة في البطولات العالمية.
وتتجلى السياسة دائما في مثل هذه التظاهرات الرياضية الكبرى وخصوصا الأولمبياد، فمنذ إنشاء البطولة 1896 بأثينا تلعب السياسة دورا كبيرا في تحديد وجهتها

منذ التمهيد لانطلاق الدورة الأولى للألعاب الأولمبية 1896 اصطبغ اختيار أثينا لاستضافة الفعاليات بصبغة امتزجت فيها الرياضة بالسياسة.

واختيرت اليونان، وتحديدا أثينا لاستضافة النسخة الأولى على سبيل التكريم، على أساس كونها مهد الألعاب الأولمبية ن ديمتريوس فيكيلاس، اليوناني المرموق الذي ترأس أول لجنة تنفيذية لتنظيم الأوليمبياد، استغلها ورأى أنها ستعود بفوائد على وطنه، أبرزها تحسين صورته عالميا، ومحو ما تناقلته حينها وسائل الإعلام عن أزمات عدة يعيشها اليونان.

الحرب العالمية الأولى

بدا تأثير الصراعات السياسية على الأولمبياد شديد الوضوح بعدما لم تر نسخة عام 1916 النور من الأساس، وذلك بسبب احتدام معارك الحرب العالمية الأولى فيالفترة من 1914 وحتى 1918 .

وحين استضافت مدينة أنتورب البلجيكية النسخة التالية عام 1920، فرض الاستقطاب السياسي العالمي نفسه بوضوح، إذ تم معاقبة الدول المهزومة في الحرب ولم يتم دعوة هذه البلاد للمشاركة في هذه الدورة . وشملت العقوبات كل من ألمانيا والنمسا وبلغاريا وتركيا والمجر، كما غابتروسيا بعد ثورتها البلشفية طوعا، إذ رأى حكامها أن “الأولوية منصبة في ذلك الوقت على إعادة البناء على الأصعدة كافة، وفق مفهوم حق الشعب ومصالحه”.

تظاهرة وثنية

عرفت الدورة التي استضافتها أمستردام الهولندية عام 1928 واقعة استثنائية، إذ استضافت المدينة الألعاب رغم أنف الملكة فيلهلمين التي عارضت إستضافتها واعتبرتها “تظاهرة وثنية”، لكن استفتاء شعبيا قضى بعكس ذلك، كما شهدت تلك الدورة عودة ألمانيا إلى العائلة الرياضية بعد حرمانها دورتين سابقتين.

أما النسخة التي استضافتها لوس أنجلوس الأمريكية عام 1932 فلم تخل من أساليب “هوليود” الدعائية، إذ استغلت الدورة للترويج لـ”العظمة الأمريكية” ولتمهيد لما يسمى القرن الأمريكي.

هتلر وحقبة صعوده

ارتبطت دورة برلين 1936 باسم الزعيم النازي الألماني “أدولف هتلر” ، فمع احتضان العاصمة الألمانية لوفود من كل أنحاء العالم، اتخذ النازيون من الألعاب عنصر دعاية مهم من أجل تعبئة الجماهير، وتقوية روح الاعتزاز بالجنس الآري “المتفوق”، والترسيخ لعودة ألمانيا لوضعها كقوة عظمى في العالم.
وإنطفأت الشعلة الأولمبية لمدة 12 عاما بسبب نشوب الحرب العالمية ثانية التي شغلت العالم بين أعوام 1939 و
1945 وغابت الحياة الأولمبية الرياضية لدورتين كان من المقرر عقدهما عامي 1940 و 1944.
وجاء اختيار لندن لاستضافة نسخة عام 1948 تكريسا لإنتصارها مع الحلفاء على قوات المحور في الحرب العالمية الثانية بعدما صمت هدير مدافع الحرب العالمية الثانية، وكان طبيعيا مرة أخرى أن تُحجب مشاركة أبرز المنهزمين، ألمانيا واليابان.

وتزامنت دورة هلسنكي عام 1952 مع تباشير “حرب باردة” رياضية، وكانت اللجنة الأوليمبية الدولية اعترفت عام 1951 باللجنة الوطنية لاتحاد الجمهوريات السوفيتية، كما حصلت ألمانيا على “رخصة” المشاركة عبر اسم جديد هو ألمانيا الاتحادية الفيدرالية (الغربية)، ما سيسمح لاحقا إلى اعتراف رياضي بألمانيا أخرى هي الديمقراطية (الشرقية).

ملبورن والعدوان الثلاثي

أقيمت ألعاب ملبورن الأسترالية عام 1956 والحرب الباردة في أوجها، بعد أيام على انتفاضة المجريين المعروفة بـ”خريف بودابست”، التي سحقتها الدبابات السوفيتية، كما شنت إسرائيل مع فرنسا وإنجلترا “العدوان الثلاثي” على مصر، وبدأت وقتها الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي تتفتح، والتزمت الصين رفض الاعتراف بجزيرة فورموزا (تايوان) وقاطعت الألعاب، كما قاطعتها مصر وعدة دول عربية احتجاجا على العدوان الثلاثي، ودول أوروبية أبرزها هولندا وإسبانيا وسويسرا احتجاجا على الغزو السوفييتي للمجر.

وشهدت الدورة التي استضافتها العاصمة اليابانية طوكيو عام 1964، حرمان جنوب إفريقيا من المشاركة بسبب إتباع حكومتها سياسة التفرقة العنصريةضد المواطنين السود ، وهو حرمان سيستمر ساري المفعول حتى دورة برشلونة 1992.

وصادفت دورة الألعاب الأولمبية في مكسيكو سيتي 1968 أحداث سياسية دامية عدة أبرزها حرب فيتنام، واجتياح الاتحاد السوفييتي لتشيكوسلوفاكيا، وتفاقم الحركات الثورية الاحتجاجية في العالم.

وألقت القضية الفلسطينية بظلالها على أولمبياد ميونخ 1972 حين تسلل فريق من المقاومة الفلسطينية إلى القرية الأولمبية في ميونخ ، واحتجز مقاومون فلسطينيون أعضاءً بالبعثة الإسرائيلية المشاركة في البطولة، مطالبين بإطلاق سراح عدد من الأسرى الفلسطينين من السجون الإسرائيلية . وحاولت قوات ألمانية وإسرائيلية إطلاق سراح المحتجزين، إلا أن محاولتهم باءت بالفشل وقُتل 11 رياضيا إسرائيليا بالإضافة للفدائيين الفلسطنين

المقاطعة
عرفت الألعاب الأولمبية التي استضافتها موسكو بغياب شبه تام لدول المعسكر الغربي، بعدما نادى الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر بمقاطعتها احتجاجا على التدخل السوفييتي في أفغانستان، وهي الدعوة التي استجابت لها 61 دولة ، كان أغلبها من الدول الإسلامية وعلى رأسها مصر ودول غرب أوروبا وأمريكا وكندا .

ونظمت مدينة لوس أنجلوس الأمريكية الدورة التالية عام 1984 لترد دول المعسكر الشرقي “المقاطعة” لأمريكا وللغرب عبر مقاطعة أعلنت قبل أشهر قليلة على الأوليمبياد بحجة عدم توافر حماية كافية للرياضيين في أشهر مدن الغرب الأمريكي.

أما دورة برشلونة 1992 فكانت دورة ما بعد إنتهاء “الحرب الباردة” فقد تلت زلزال انهيار الإتحاد السوفيتي والمعسكر الشرقي، فقد شهدت مشاركة ألمانيا موحدة بعد سقوط جدار برلين، كما شاركت “الدول المستقلة” المولودة على أنقاض الاتحاد السوفييتي بوفد موحد للمرة الأولى والأخيرة.
وكذلك شاركت جمهوريات البلطيق الثلاث إستونيا ولاتفيا وليتوانيا للمرة الأولى كدول مستقلة بعد خروجها من تبعية الإتحاد السوفيتي . حضرت جمهوريات الاتحاد اليوغسلافي بشكل مختلف بعد تفككه، وسار وفد صربيا والجبل الأسود وحده خلف الراية الأولمبية، فيما غابت كيانات أخرى أبرزها البوسنة التي كانت تعاني ويلات حرب طاحنة شنتها عليها صربيا لمنع استقلالها عن يوغوسلافيا. غير أن البوسنا والهرسك وباقي الدول المنفصلة عن الاتحاد اليوغوسلافي بدأت المشاركة في الحركة الأولمبية بعد استقلالها.

أولمبياد أطلانطا 1996:

ثار جدل كبير في الأوساط الأولمبية الدولية حول إختيار المدينة الأمريكية لاستضافة دورة عام 1996 حيث سبق أن استضافت “لوس أنجلوس ” الدورة الأولمبية عام 1984 أي قبل ست سنوات فقط من العام الذي تم فيه إختيار أطلانطا لتنظيم دورة 1996 وذلك رغم مطالب أثينا بإستضافة الدورة عام 1996 في الذكرى المئوية لإنطلاق الألعاب الأولمبية الحديثة عام 1896 . لكن عملية التصويت رجحت كفة أطلانطا بسبب جاهزيتها الأكثر . وقد تم التصويت على خمس مراحل كانت كفة أثينا أرجح في الجولات الثلاث الأول لكن الضغوط الأمريكية نجحت في توجيه التصويت في الجولتين الأخيرتين لتفوز أطلانطا بتنظيم الدورة كخامس مدينة أمريكية تنال هذا الشرف .

أولمبياد بكين 2008

وأول من حمل الشعلة الأولمبية اليوناني ألكسندروس نيكولايديس الحاصل على الميدالية الفضية في التايكواندو في
ألعاب أولمبية صيفية 2004 في أثينا، وقد تخلل مهرجان إيقاد الشعلة الأولمبية بعض مظاهر الاحتجاج على الأحداث التي تحصل في التبت
وقد طالب العديد من الساسة الغربيين بمقاطعة الألعاب الأولمبية مثلما حدث في الألعاب الأولمبية الصيفية 1980 في موسكووالألعاب الأولمبية الصيفية 1984 في لوس أنجلوس، وقالت كوندليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية بأن مقاطعة الألعاب الأولمبية الصيفية 1980 كانت عقيمة]، وقال وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر بأن ألمانيا لن تقاطع الألعاب الأولمبية.
في يوم 9 ابريل2008 تجمع محتجون في مدينة سان فرانسيسكو لإظهار سخطهم على ما يحدث في التبت [12]، وقد تم تغيير مسار الشعلة الأولمبية مما أثار غضب الجمهور المؤيد والمعارض للصين

ورغم كل إدعاءات اللجنة الأومبية الدولية فإن الألعاب الأومبية وكل الأحداث الرياضية ستظل ملعبا سياسيا كبيرا ينزله الساسة بأزياء رياضية.